اختلف العلماء في حكم الأشياء قبل ورود الشرع على أقوال:
فقال أبو العباس ابن سريج: "إنها على الإباحة حتى يرد الشرع بحظرها"٦.
_________________
(١) ٦ انظر: سلاسل الذهب ١٩، وشرح اللمع ٢/٩٧٧ والفقيه والمتفقه ١/٢١٧.
[ ١٦١ ]
وجاء في شرح الكوكب المنير١ إيراد المسألة باسم آخر وهو "الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع وبعده وخلا عن حكمها فما هو حكم هذه الأعيان" ومن العلماء من ذكرها قبل ورود الشرع. ومع ذلك فقد قال صاحب الكوكب بأن أبا العباس ابن سريج قال: "بأنها مباحة".
هذا وقرر استدل ابن سريج على قوله هذا بالأدلة الآتية٢ وهي:
أولا: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق﴾ ٣.
وجه الاستدلال: إن هذا استفهام إنكاري وهو يفيد الذم والتوبيخ. لذا كان مقتضى الآية أن الأصل في الأعيان المنتفع بها الإباحة.
ثانيا: استدل بقوله ﷺ: "من أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لأجل مسألته" ٤ وقوله ﷺ: "ما سكت عنه فهو عفو" ٥.
وجه الاستدلال: إن الحديثين يفيدان الإباحة.
ثالثا: استدل بأن هذه الأعيان ملك للَه تعالى والانتفاع بملك الغير على وجه لا يستضر به المالك جائز.
والدليل على ذلك أملاك الآدميين. فإنها يجور الانتفاع بها على وجه لا يستضر به المالك مثل الاستظلاِل بظله والمشي في ضوء سراجه، ولا ضرر على الله تعالى في انتفاعنا بهذه الأعيان. فوجب أن يكون الانتفاع بها جائزا على الإطلاق.
رابعا: قال: "إن الحكيم لا يخلق شيئا إلا لغرض ووجه من الحكمة يقتضي خلقه. وقد خلق الله تعالى هذه الأعيان فلا يخلو إما أن يكون خلقها للمنفعة أو المضرة. بطل أن يكون خلقها للمضرة، لأن هذا لا يليق بالحكيم. فبقي القسم الثاني وهو أنه خلقها للانتفاع بها. وإذا ثبت هذا فلا يخلو إما أن يكون خلقها لنفع نفسه أو لنفعنا، بطل أن يكون خلقها لنفع نفسه لأن الله تعالى مستغن عن ذلك. بقي أن يكون خلقها لنفع الناس، وإذا ثبت
_________________
(١) ١ انظر: شرح الكوكب المنير ١/٣٢٥. ٢ انظر: شرح الكوكب المنير ١/٣٢٥، وسلاسل الذهب ١٩ وشرح اللمع ٢/٩٧٧. ٣ سورة الأعراف آية: ٣٢. ٤ انظر: صحيح مسلم - كتاب الفضائل - ٤/١٨٣١ وصحيح البخاري - باب ما يكره من كثرة السؤال - ٨/١٤٢، ومختصر سنن أبي داود - باب لزوم السنة - ٧/١٣. ٥ انظر: سنن أبي داود ٣/٤٨٥، وسنن ابن ماجة ٢/١١١٧.
[ ١٦٢ ]
هذا ثبت أن الانتفاع بها جائز، إذ لا يخرج خلقه إياها عن هذين القسمين. لأن القسم الثالث عبث ولعب، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا".
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ١.
خامسا: قال: بأن المباح ما لا ثواب في فعله ولا عقاب في تركه وعندكم أن من يفعل شيئا قبل الشرع لا ثواب له في فعله ولا عقاب في تركه، فقد أثبتم له حكم الإباحة.
سادسا: بأن القول بالوقف يؤدي إلى ترك الوقف وذلك أن القول به لا يخلو إما أن يكون حقا يجب اعتقاده أو باطلا لا يجوز اعتقاده. فإن كان حقا وجب اعتقاده. بطل القول بالوقف. لأنه قد وجب الاعتقاد وإن كان باطلا لم يجز القول به.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ٢٩.
[ ١٦٣ ]