المراد من فعل النبي هنا هو فعله الذي يصدر منه ابتداء بحيث لم يكن امتثالا لأمر ولا بيانا لمجمل، ولم يقرن به ما يفيد بيان صفته إلا أنه اقترن به ما يفيد قصد القربى فقد اختلف العلماء في تحديد صفته على أقوال:
فقال أبو العباس ابن سريج: "يدل على الوجوب"٢.
وقال الشيرازي في شرح اللمع٣ مشيرا إلى قول ابن سريج بأنه قال: "يدل على الوجوب ولا يحمل على غيره إلا بدليل".
_________________
(١) ٢ انظر: نهاية السول ٢/١٩٨، والمحصول جـ٢/ق١/٥٠٧، والبرهان في أصول الفقه ١/٤٨٩. ٣ انظر: شرح اللمع ١/٥٤٦، والتبصرة/ ٢٤٢، وانظر أيضا بيان معاني البديع ٢/٩٣٩، وتنقيح المحصول ٢/٣١٤، وبيان المختصر ١/٢٨٥.
[ ١٧٣ ]
بينما قال عبد العزيز البخاري في كشف الأسرار١. إن ابن سريح قد قال: "بأنه يصح إطلاق الأمر عليه بطريق الحقيقة، ويجب علينا اتباعه".
وجاء عنه أنه قال: "إن لم تعلم صفته في حقه، وظهر فيه قصد القربى فإنه للوجوب"٢.
وخلاصة ما ورد عنه أنه يقول بأن فعل النبي ﷺ المجرد عن القرائن يحمل على الوجوب إن ظهر فيه قصد القربى والعبادة.
وقد استدل على قوله هذا بالأدلة الآتية٣:
أولا: قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٤.
وجه الاستدلال: أن هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب، لذا يجب اتباعه في أقواله وأفعاله.
ثانيا: قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ٥.
وجه الاستدلال: أن الأمر هذا يستعمل في القول والفعل والدليل عليه قوله ﷿ ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْض﴾ ٦ وقوله ﷿: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ٧.
وقول الشاعر:
فقلت لها: أمري إلى الله كله وإني إليه في الآياب لراغب
والمراد من الأمر بذلك كله هو الفعل. والتحذير عن مخالفته يقتضي وجوب موافقة فعله.
ثالثا: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ ٨.
_________________
(١) ١ انظر: كشف الأسرار ١/١٠٢. ٢ انظر: إرشاد الفحول ٣٢، وأحكام الفصول ٣٠٩. ٣ انظر: شرح اللمع١/٤٥٦، والمحصول جـ٢/ق١/٥٠٧، والبرهان في أصول الفقه١/٤٨٩، وأحكام الفصول ٣٠٩، والتبصرة ٢٤٢. ٤ سورة الأعراف آية: ١٥٨. ٥ سورة النور آية: ٦٣. ٦ سورة السجدة آية: ٥. ٧ سورة الشورى آية: ٣٨. ٨ سورة الأحزاب آية: ٢١.
[ ١٧٤ ]
وجه الاستدلال: أن هذه الآية وردت في حق من تخلف عن غزوة أحد، ولم يتأس بالرسول ﷺ في حضورها فتوعد على ذلك بقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ وهذا إنما يستعمل عند الوعيد كما نقول "لا يترك الصلاة من يؤمن بالله واليوم الآخر. يريد بذلك أن تركها من أفعال الكفر وأفعال من لا يؤمن بالله. وبهذا لا معنى للتأسي به إلا أن يفعل الإنسان مثل فعله.
رابعًا: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ ١.
وجه الاستدلال: دلت الآية الكريمة على أن محبة الله ﷿ مستلزمة للمتابعة. لكن المحبة واجبة بالإجماع، ولازم الواجب واجب فمتابعته واجبة.
خامسًا: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ٢.
وجه الاستدلال: أنه ﷺ إذا فعل فعلا فقد أتانا بالفعل، فوجب عَلينا أن نأخذه. والشاهد لذلك قوله ﷿ في تتمة الآية ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ والنهي إنما يقارنه على مضادة الأمر.
سادسًا: قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ٣:
وجه الاستدلال: لم يفرق بين طلب طاعة الله ﷿ وطاعة رسوله الكريم ﷺ. وطاعة الله ﷾ واجبة فطاعة الرسول ﷺ واجبة.
سابعًا: قوله ﷿: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ٤.
وجد الاستدلال: دلت الآية على أنه تعالى إنما زوجه بها ليكون حكم أمته مساويا لحكمه في ذلك وهذا هو المطلوب.
ثامنًا: الإجماع من الصحابة الكرام ﵃ في رجوعهم إلى قول السيدة عائشة ﵂ لما اختلفوا في وجوب الغسل من التقاء الختانين. فقالت عائشة ﵂: "فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا"٥ فأجمعوا على الأخذ به ووجوب فعله. وهذا إجماع منهم على أن مقتضاه الوجوب.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ٣١. ٢ سورة الحشر آية: ٧. ٣ سورة المائدة آية: ٩٢. ٤ سورة الأحزاب آية: ٣٧. ٥ انظر: سنن الترمذي –باب ما جاء إذا التقى الختانان وجب الغسل-١/١٨١، ونيل الأوطار –باب موجبات الغسل-١/ ٢٢٢، وتلخيص الحبير ١/ ١٣٤.
[ ١٧٥ ]
تاسعًا: استدلوا بما روى عن النبي ﷺ: "أنه خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم فسألهم فقالوا: رأيناك خلعت نعلك فخلعنا نعالنا"١ فدل على أن متابعته فيما يفعل واجبة.
عاشرًا: روي أن أم سلمة ﵂ قالت للنبي ﷺ عام الحديبية "انحر هديك حيث وجدته، وأحلق فإنهم يحلقون ففعل فتبعوه"٢. فدل على أن فعله يقتضي الوجوب.
حادي عشر: لا خلاف أنه يجوز أن يكون واجبًا والاحتياط في فعله واجب لأنا لا نأمن أن يكون واجبا فنتركه. وهذا صحيح، لأنه نوى الوجوب، فإن كان واجبا فقد فعله، وإن كان ندبا سقط الوجوب، وبقي فعله نفلا، كرجل شك هل عليه فرض أم لا؟ فصلى صلاة، ونوى الفرض احتياطًا، ثم بان أنه لم يكن عليه فرض فإنها تكون نافلة.
ثاني عشر: أنه لا نزاع في وجوب تعظيم الرسول ﷺ في الجملة، وإيجاب الإتيان بمثل فعله تعظيمًا له، وبدليل العرف، والتعظيمان يشتركان في قدر من المناسبة فيجمع بينهما بالقدر المشترك، فيكون ورود الشرع بإيجاب ذلك التعظيم يقتضي وروده بأن يجب على الأمة الإتيان بمثل فعله.
ثالث عشر: البيان تارة يكون بالقول، وتارة يكون بالفعل، ثم ثبت أن القول يقتضي الوجوب فكذلك الفعل.
_________________
(١) ١ انظر: سنن الدارمي- باب الصلاة في النعلين- ١/٢٦٠، وصحيح ابن خزيمة- باب الصلاة في النعلين- ٢/١٠٧، والمعتبر ٥٣. ٢ انظر: مصنف عبد الرزاق ٥/٣٤٠.
[ ١٧٦ ]