فقال أبو العباس ابن سريج: "إذا لم يظهر في الفعل قصد القربة بل كان مجردا مطلقًا فإنه واجب علينا"٣ إلا أن إمام الحرمين الجويني٤ قد رد نسبة هذا القول إلى ابن سريج بقوله: "بأن هذا زلل وقدر الرجل عن هذا أجل".
ومن قال بأن ابن سريج يقول بالوجوب فقد أحال استدلاله في هذه على ما استدل به في مسألة فعل الرسول ﷺ المجرد مع ظهور قصد القربة. وقد سبق ذكر هذه الأدلة في المسألة السابقة.
_________________
(١) ٣ انظر: إرشاد الفحول ٢٣. ٤ انظر: البرهان في أصول الفقه ١/٤٩٣.
[ ١٧٦ ]
(٤) مسألة: وجوب العمل بخبر الواحد:
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال عديدة. فقال أبو العباس ابن سريج: "بوجوب العمل بخبر الواحد شرعا وعقلا" وقد استدل على هذا الوجوب بالنقل والإجماع والمعقول١.
أما النقل فقد استدل بالكتاب والسنة. وأدلته من الكتاب هي:
أولًا: استدل بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ ﴾ الآية٢.
وجه الاستدلال: أن الله تعالى أمر بالتوقف عند خبر الفاسق. وفي ذلك دلالة على قبول خبر العدل، وترك التوقف عند خبره.
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ ٣.
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ كان يسمع من كل قائل واحدا كان أو اثنين. وهذا قبول الخبر الواحد.
ثالثًا: استدل بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ٤.
وجه الاستدلال: أن الله تعالى أوجب الحذر بإنذار طائفة من فرقة، لأن لعل للترجي، وهو على الله تعالى محال فيحمل على الوجوب لاشتراكهما في الطلب. وإنذار الطائفة إخبارهم المخوف فيلزم وجوب الحذر بإخبار الطائفة، والطائفة قوم لا يحصل من خبرهم إلا الظن، لأن كل فرقة ثلاثة. فالطائفة منهم إما واحد أو اثنان. وخبر الواحد أو الاثنين لا يفيد إلا الظن. فقد وجب الحذر بإخبار من لا يفيد قولهم إلا الظن. فيجب الحذر بإخبار واحد عدل. لأن خبره يفيد الظن. ويلزم منه وجوب العمل بخبر الواحد.
رابعًا: استدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ ٥.
وجه الاستدلال: أن الله تعالى تواعد على كتمان ما أنزل الله تعالى من البينات فيجب على الواحد إخبار ما سمع من الرسول ﷺ فوجب العمل بخبره، وإلا لم يكن لإخباره فائدة.
أما أدلته من السنة فهي:
_________________
(١) ١ إرشاد الفحول ٤٣، ونهاية السول ٢/٢٣١، والمحصول جـ٢/ق١/٥٠٧، والبرهان في أصول الفقه ١/٥٩٩، والودائع بمنصوص الشرائع/٦٧١. ٢ سورة الحجرات آية: ٦. ٣ سورة التوبة آية: ٦١. ٤ سورة التوبة آية: ١٢٢. ٥ سورة البقرة آية: ١٥٩.
[ ١٧٧ ]
أولًا: ما روي أن الرسول ﷺ قبل خبر الأعرابي على رؤية هلال رمضان وذلك ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال جاء أعرابي إلى رسوله ﷺ فقال: إني رأيت الهلال- يعني رمضان- فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: "نعم". قال: "أتشهد أن محمدًا رسول الله". قال: "نعم". قال: "يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا" ١.
وهذا دليل على أن الرسول ﷺ قبل خبر الواحد، وأخذ به.
ثانيا: بعثه ﷺ لبعض الصحابة لتبليغ الأحكام ونشر الدعوة في أماكن متفرقة من المعمورة، ومن ذلك توجيهه لمعاذ ﵁ إلى اليمن. إذ روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ بعث معاذا إلى اليمن فقال: "أدعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمسة صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد عام فقرائهم"٢.
أما استدلاله بالإجماع فكان كما يلي:
بأنه تكرر العمل بخبر الواحد كثيرا في زمان الصحابة والتابعين في وقائع كثير وكان هذا شائعا ذائعا ولم ينكر أحد على العمل به وذلك أن تكرر العمل به من غير نكير لأحد يقضي عادة بأنهم اتفقوا على وجوب العمل بخبر الواحد. كما أن قولهم بوجوب العمل يدل قطعا أنهم اتفقوا على وجوب العمل به.
وأما استدلاله بالمعقول فكان كما يلي:
أولًا: بأنه إذا علم أصل كلي. كرفع المضار، وجلب المنافع، وجب عقلا العمل بالظن في تفاصيل ذلك الأصل المعلوم كما إذا أخبر واحد عدل من مضرة شيء مخصوصة وعن ضعف جدار، وجب عقلا الاحتراز بذلك الشيء المضر وعن ذلك الجدار. وهذا المعنى متحقق في خبر الواحد، لأن الرسول ﷺ بعثه الله تعالى ليبين الأحكام الشرعية المشتملة على مصالح العباد. وخبر الواحد يفيد الظن في تفاصيل تلك الأحكام والمصالح، فوجب العمل به عقلا.
ثانيا. لاشك في أن خبر العدل الواحد يمكن صدقه فحينئذ يجب العمل به احتياطا
_________________
(١) ١ انظر: سنن الترمذي - كتاب الصوم - ٣/٧٤، وسنن النسائي - كتاب الصوم - ٤/١٣١، وسنن الدارمي - باب الشهادة على رؤية هلال رمضان - ١/٣٧٧، وتلخيص الحبير ٢/١٨٧. ٢ انظر: صحيح مسلم بشرح النووي - كتاب الإيمان - ١/١٩٦، وفتح الباري - كتاب الزكاة - ٣/٢٦١.
[ ١٧٨ ]
قياسا على المتواتر، وقول المفتي لأن كل واحد منهما لما أمكن صدقة وجب العمل به، فكذلك هاهنا.
ثالثا: لو لم يجب العمل بخبر الواحد لخلت أكثر الوقائع عن الحكم والتالي باطل بالإجماع. بيان الملازمة أنه إذا لم يوجد في الوقائع الحادثة دليل إلا خبر الواحد، ولا يجب العمل به لزم خلو تلك الوقائع عن الحكم.
[ ١٧٩ ]