معنى ذلك هو أن السنة المتواترة يمكن أن تكون ناسخة للكتاب أم لا؟. اختلف العلماء في حكم هذه المسألة.
فقال أبو العباس ابن سريج: "بجواز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، إلا أنه لم يقع شرعا"٥. وجاء في كشف الأسرار٦ أنه قال: "يجور عقلا، ولكن الشرع لم يرد به، ولو ورد به كان جائزا، وهو إحدى الروايتين عن ابن سريج".
وجاء في الإبهاج٧ أنه قال: "وذهب ابن سريج إلى جواز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة والسنة المتواترة بالكتاب إلا أنه لم يقع ولم يرد".
وجاء قوله في كتاب: الودائع بمنصوص الشرائع٨ أنه قال: "ولا ينسخ القرآن بالسنة لأن القرآن لا ينسخ إلا بقرآن".
_________________
(١) ٤ انظر: أحكام الفصول ٤٢٥. ٥ انظر: الأحكام للآمدي ٢/٢٧٢، والتبصرة ٢٦٤، وشرح مختصر الروضة ١/٨٥، وأحكام الفصول ٤١٧. ٦ انظر: كشف الأسرار ٣/١٧٧. ٧ انظر: الإبهاج شرح المنهاج ٢/٢٤٧. ٨ انظر: الودائع بمنصوص الشرائع ٦٦٩.
[ ١٨٥ ]
وللتوفيق بين هذه النقول عنه نقول: إن ابن سريج يقول بجوار ذلك عقلا، وعدم تحققه ووقوعه شرعا. وقد استدل عام قوله هذا بالأدلة الآتية١:
أولًا: استدل بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢
وجه الاستدلال: أن النسخ بيان للمنزل، فيجب أن يكون ذلك بيانا له.
ثانيا: النسخ إنما يتناول الحكم. والكتاب والسنة المتواترة في إثبات الحكم واحد، وإن اختلفا في الإعجاز. فيجب أن يتساويا في النسخ، لذا جاز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة.
ثالثا: أن متواتر السنة قاطع، أن يحصل القطع بثبوته وذلك لأن المتواتر يفيد العلم الضروري، وبذلك يكون متواتر السنة من عند الله في الحقيقة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٣.
وقال ﷺ: "أوتيت القرآن ومثله معه" ٤.
وإذا كان متواتر السنة قاطعا، وهو من عند الله تعالى صار كالقرآن في نسخ القران به.
رابعا: بأنه لو استحال لاستحال لذاته، أو الأمر خارج عن ذاته، لكنه لا يستحيل لذاته ولا لأمر خارج، فلا يكون مستحيلا مطلقا، فيكون جائزا مطلقا.
_________________
(١) ١ انظر: المرجع السابق. ٢ سورة النحل آية: ٤٤. ٣ سورة النجم آية: ٣ - ٤. ٤ انظر: مختصر سنن أبي داود - باب لزوم السنة - ٧/ ٧، ومعالم السنن ٧/ ٧.
[ ١٨٦ ]