ثمَّ بعد هَذِه الْقُرُون كَانَ نَاس آخَرُونَ ذَهَبُوا يَمِينا وَشمَالًا وَحدث فيهم أُمُور مِنْهَا
١ - الجدل وَالْخلاف فِي علم الْفِقْه وتفصيله على مَا ذكره الْغَزالِيّ أَنه لما انقرض عهد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين أفضت الْخلَافَة إِلَى قوم تولوها بِغَيْر اسْتِحْقَاق وَلَا اسْتِقْلَال بِعلم الفتاوي وَالْأَحْكَام فاضطروا إِلَى الِاسْتِعَانَة بالفقهاء وَإِلَى استصحابهم فِي جَمِيع أَحْوَالهم وَقد كَانَ بَقِي من الْعلمَاء من هُوَ مُسْتَمر على الطّراز الأول وملازم صف الدّين فَكَانُوا إِذا طلبُوا هربوا وأعرضوا فَرَأى أهل تِلْكَ الْأَعْصَار عز الْعلمَاء وإقبال الْأَئِمَّة عَلَيْهِم مَعَ إعراضهم فأشرأبوا لطلب الْعلم توصلا إِلَى نيل الْعِزّ ودرك الجاه
[ ٨٧ ]
فَأصْبح الْفُقَهَاء بعد أَن كَانُوا مطلوبين طَالِبين وَبعد أَن كَانُوا أعزة بِالْإِعْرَاضِ عَن السلاطين أَذِلَّة بالإقبال عَلَيْهِم إِلَّا من وَفقه الله
وَقد كَانَ من قبلهم قد صنف نَاس فِي علم الْكَلَام وَأَكْثرُوا القال والقيل والإيراد وَالْجَوَاب وتمهيد طرق الجدل فَوَقع ذَلِك مِنْهُم بموقع من قبل أَن كَانَ من الصُّدُور والملوك من مَالَتْ نَفسه إِلَى المناظرة فِي الْفِقْه وَبَيَان الأولى من مَذْهَب الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة رحمهمَا الله فَترك النَّاس الْكَلَام وفنون الْعلم وَأَقْبلُوا على الْمسَائِل الخلافية بَين الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة رحمهمَا الله على الْخُصُوص وتساهلوا فِي الْخلاف مَعَ مَالك وسُفْيَان وَأحمد بن حَنْبَل وَغَيرهم وَزَعَمُوا أَن غرضهم استنباط دقائق الشَّرْع وَتَقْرِير علل الْمذَاهب وتمهيد أصُول الفتاوي وَأَكْثرُوا فِيهَا التصانيف والاستنباطات ورتبوا فِيهَا أَنْوَاع المجادلات والتصنيفات وهم مستمرون عَلَيْهِ إِلَى الْآن ولسنا نَدْرِي مَا الَّذِي قدر الله تَعَالَى أَي أزلا فِيمَا بعْدهَا من الْأَعْصَار انْتهى حَاصله
وَاعْلَم أَنِّي وجدت أَكْثَرهم يَزْعمُونَ أَن بِنَاء الْخلاف بَين أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله على هَذِه الْأُصُول الْمَذْكُورَة فِي كتاب الْبَزْدَوِيّ وَنَحْوه وَإِنَّمَا الْحق أَن أكثرهما أصُول مخرجة على قَوْلهم
وَعِنْدِي أَن الْمَسْأَلَة القائلة بِأَن الْخَاص مُبين وَلَا يلْحقهُ
[ ٨٨ ]
الْبَيَان وَأَن الزِّيَادَة نسخ وَأَن الْعَام قَطْعِيّ كالخاص وَأَن لَا تَرْجِيح بِكَثْرَة الروَاة وَأَنه لَا يجب الْعلم بِحَدِيث غير الْفَقِيه إِذا انسد بِهِ بَاب الرَّأْي وَأَن لَا عِبْرَة بِمَفْهُوم الشَّرْط وَالْوَصْف أصلا وَأَن مُوجب الْأَمر هُوَ الْوُجُوب الْبَتَّةَ وأمثال ذَلِك أصُول مخرجة على كَلَام الْأَئِمَّة وَأَنه لَا تصح بهَا رِوَايَة عَن أبي حنيفَة وصاحبيه وَأَنه لَيست الْمُحَافظَة عَلَيْهَا والتكلف فِي جَوَاب مَا يرد عَلَيْهَا من صنائع الْمُتَقَدِّمين فِي استنباطهم كَمَا يَفْعَله الْبَزْدَوِيّ وَغَيره أَحَق من الْمُحَافظَة على خلَافهَا وَالْجَوَاب عَمَّا يرد عَلَيْهِ
مِثَاله أَنهم أصلوا أَن الْخَاص مُبين فَلَا يلْحقهُ الْبَيَان وخرجوه من صَنِيع الْأَوَائِل فِي قَوْله تَعَالَى واسجدوا واركعوا وَقَوله ﷺ لَا تجزيء صَلَاة الرجل حَتَّى يُقيم ظَهره فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود حَيْثُ لم يَقُولُوا بفرضية الاطمئنان وَلم يجْعَلُوا الحَدِيث بَيَانا لِلْآيَةِ فورد عَلَيْهِم صنيعهم
فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ ومسحه ﷺ على ناصيته حَيْثُ جَعَلُوهُ بَيَانا
وَقَوله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا﴾
وَقَوله جلّ شَأْنه ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا﴾
[ ٨٩ ]
الْآيَة وَقَوله تَعَالَى ﴿حَتَّى تنْكح زوجا غَيره﴾
وَمَا لحقه من الْبَيَان بعد ذَلِك
فتكلفوا للجواب كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي كتبهمْ
وَأَنَّهُمْ أصلوا أَن الْعَام قَطْعِيّ كالخاص وخرجوه من صَنِيع الْأَوَائِل
فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فاقرؤوا مَا تيَسّر من الْقُرْآن﴾ وَقَوله ﷺ لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب حَيْثُ لم يَجْعَلُوهُ مُخَصّصا
وَفِي قَوْله ﷺ فِيمَا سقت الْعُيُون الْعشْر الحَدِيث وَقَوله ﷺ لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صَدَقَة حَيْثُ لم يخصوه بِهِ وَنَحْو ذَلِك من الْموَاد
ثمَّ ورد عَلَيْهِم قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي﴾ وَإِنَّمَا هُوَ الشَّاة فَمَا فَوْقه بِبَيَان النَّبِي ﷺ فتكلفوا فِي الْجَواب
وَكَذَلِكَ أصلوا أَن لَا عِبْرَة بِمَفْهُوم الشَّرْط وَالْوَصْف
[ ٩٠ ]
وخرجوه من صنيعهم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا﴾ الْآيَة
ثمَّ ورد عَلَيْهِم كثير من صنائعهم كَقَوْلِه ﷺ فِي الْإِبِل السَّائِمَة زَكَاة فتكلفوا فِي الْجَواب وأصلوا أَنه لَا يجب الْعَمَل بِحَدِيث غير الْفَقِيه إِذا انسد بِهِ بَاب الرَّأْي وخرجوه من صنيعهم فِي ترك حَدِيث الْمُصراة
ثمَّ ورد عَلَيْهِم حَدِيث القهقهة وَحَدِيث عدم فَسَاد الصَّوْم بِالْأَكْلِ نَاسِيا فتكلفوا فِي الْجَواب
وأمثال مَا ذكرنَا كثير لَا يخفى على المتتبع وَمن لم يتتبع لَا تكفيه الإطالة فضلا عَن الْإِشَارَة وَيَكْفِيك دَلِيلا على هَذَا قَول الْمُحَقِّقين فِي مَسْأَلَة لَا يجب الْعَمَل بِحَدِيث من اشْتهر بالضبط وَالْعَدَالَة دون الْفِقْه اذا انسد بَاب الرَّأْي كَحَدِيث الْمُصراة إِن هَذَا مَذْهَب عِيسَى بن أبان وَاخْتَارَهُ كثير من الْمُتَأَخِّرين وَذهب الْكَرْخِي وَتَبعهُ كثير من الْعلمَاء إِلَى عدم اشْتِرَاط فقه الرَّاوِي لتقدم الْخَبَر على الْقيَاس وَقَالُوا لم ينْقل هَذَا القَوْل عَن أَصْحَابنَا بل الْمَنْقُول عَنْهُم أَن خبر الْوَاحِد مقدم على الْقيَاس أَلا ترى أَنهم عمِلُوا بِخَبَر أبي هُرَيْرَة فِي الصَّائِم إِذا أكل أَو شرب نَاسِيا وَإِن كَانَ مُخَالفا للْقِيَاس حَتَّى قَالَ
[ ٩١ ]
أَبُو حنيفَة ﵀ لَوْلَا الرِّوَايَة لَقلت بِالْقِيَاسِ ويرشدك أَيْضا اخْتلَافهمْ فِي كثير من التخريجات أخذا من صنعائهم ورد بَعضهم على بعض
وَوجدت بَعضهم يزْعم أَن جَمِيع مَا يُوجد فِي هَذِه الشُّرُوح الطَّوِيلَة وَكتب الْفَتَاوَى الضخمة هُوَ قَول أبي حنيفَة وصاحبيه وَلَا يفرق بَين القَوْل الْمخْرج وَبَين مَا هُوَ قَول فِي الْحَقِيقَة وَلَا يحصل معنى قَوْلهم على تَخْرِيج الْكَرْخِي كَذَا وعَلى تَخْرِيج الطَّحَاوِيّ كَذَا وَلَا يُمَيّز بَين قَوْلهم قَالَ أَبُو حنيفَة كَذَا وَبَين قَوْلهم جَوَاب الْمَسْأَلَة على قَول أبي حنيفَة وعَلى أصل أبي حنيفَة كَذَا وَلَا يصغي إِلَى مَا قَالَه الْمُحَقِّقُونَ من الحنفيين كَابْن الْهمام وَابْن النجيم فِي مَسْأَلَة الْعشْر فِي الْعشْر وَمَسْأَلَة اشْتِرَاط الْبعد من المَاء ميلًا فِي التَّيَمُّم وأمثالهما إِن ذَلِك من تخريجات الْأَصْحَاب وَلَيْسَ مذهبا فِي الْحَقِيقَة
وَوجدت بَعضهم يزْعم أَن بِنَاء الْمَذْهَب على هَذِه المحاورات الجدلية المبسوطة فِي مَبْسُوط السَّرخسِيّ وَالْهِدَايَة والتبيين وَنَحْو ذَلِك وَلَا يعلم أَن أول من أظهر ذَلِك فيهم الْمُعْتَزلَة وَلَيْسَ عَلَيْهِ بِنَاء مَذْهَبهم ثمَّ استطاب ذَلِك الْمُتَأَخّرُونَ توسعا وتشحيذا لأذهان الطالبين أَو لغير ذَلِك وَالله أعلم وَهَذِه الشُّبُهَات والشكوك ينْحل كثير مِنْهَا بِمَا مهدناه فِي هَذَا الْكتاب
[ ٩٢ ]
وَوجدت بَعضهم يزْعم أَن هُنَاكَ فرْقَتَيْن لَا ثَالِث لَهما الظَّاهِرِيَّة وَأهل الرَّأْي وَأَن كل من قَاس واستنبط فَهُوَ من أهل الرَّأْي كلا بل لَيْسَ المُرَاد بِالرَّأْيِ نفس الْفَهم وَالْعقل فان ذَلِك لَا يَنْفَكّ من أحد من الْعلمَاء وَلَا الرَّأْي الَّذِي يعْتَمد على سنة أصلا فَإِنَّهُ لَا يَنْتَحِلهُ مُسلم الْبَتَّةَ وَلَا الْقُدْرَة على الاستنباط وَالْقِيَاس فان أَحْمد وَإِسْحَق بل الشَّافِعِي أَيْضا لَيْسُوا من أهل الرَّأْي بالِاتِّفَاقِ وهم يستنبطون ويقيسون بل المُرَاد من أهل الرَّأْي قوم توجهوا بعد الْمسَائِل الْمجمع عَلَيْهَا بَين الْمُسلمين أَو بَين جمهورهم إِلَى التَّخْرِيج على أصل رجل من الْمُتَقَدِّمين وَكَانَ أَكثر أَمرهم حمل النظير على النظير وَالرَّدّ إِلَى أصل من الْأُصُول دون تتبع الْأَحَادِيث والْآثَار والظاهري من لَا يَقُول بِالْقِيَاسِ وَلَا بآثار الصَّحَابَة كداود وَابْن حزم وَبَينهمَا الْمُحَقِّقُونَ من أهل السّنة كأحمد وَإِسْحَق
٢ - وَمِنْهَا أَنهم اطمأنوا بالتقليد ودب التَّقْلِيد فِي صُدُورهمْ دَبِيب النَّمْل وهم لَا يَشْعُرُونَ وَكَانَ سَبَب ذَلِك تزاحم الْفُقَهَاء وتجادلهم فِيمَا بَينهم فانهم لما وَقعت فيهم الْمُزَاحمَة فِي الْفَتْوَى كَانَ كل من أفتى بِشَيْء نوقض فِي فتواه ورد عَلَيْهِ فَلم يَنْقَطِع الْكَلَام إِلَّا بالمصير إِلَى تَصْرِيح رجل من الْمُتَقَدِّمين فِي الْمَسْأَلَة
[ ٩٣ ]
وَأَيْضًا جور الْقُضَاة فان الْقُضَاة لما جَار أَكْثَرهم وَلم يَكُونُوا أُمَنَاء لم يقبل مِنْهُم إِلَّا مَا لَا يريب الْعَامَّة فِيهِ وَيكون شَيْئا قد قيل من قبل
وَأَيْضًا جهل رُؤُوس النَّاس واستفتاء النَّاس من لَا علم لَهُ بِالْحَدِيثِ وَلَا بطرِيق التَّخْرِيج كَمَا ترى ذَلِك ظَاهرا فِي أَكثر الْمُتَأَخِّرين وَقد نبه عَنهُ ابْن الْهمام وَغَيره وَفِي ذَلِك الْوَقْت يُسمى غير الْمُجْتَهد فَقِيها
وَفِي ذَلِك الْوَقْت ثبتوا على التعصب
وَالْحق أَن أَكثر صور الْخلاف بَين الْفُقَهَاء لَا سِيمَا فِي الْمسَائِل الَّتِي ظهر فِيهَا أَقْوَال الصَّحَابَة فِي الْجَانِبَيْنِ كتكبيرات التَّشْرِيق وتكبيرات الْعِيدَيْنِ وَنِكَاح الْمحرم وَتشهد ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود والاخفاء بالبسملة وبآمين الاشفاع والايتار فِي الاقامة وَنَحْو ذَلِك انما هُوَ فِي تَرْجِيح أحد الْقَوْلَيْنِ
٣ - وَمِنْهَا أَن أقبل أَكْثَرهم على التعمقات فِي كل فن
فَمنهمْ من زغم أَنه يؤسس علم أَسمَاء الرِّجَال وَمَعْرِفَة مَرَاتِب الْجرْح وَالتَّعْدِيل ثمَّ خرج من ذَلِك إِلَى التَّارِيخ قديمه وَحَدِيثه
[ ٩٤ ]
وَمِنْهُم من تفحص عَن نَوَادِر الْأَخْبَار وغرائبها وَإِن دخلت فِي حد الْمَوْضُوع
وَمِنْهُم من أَكثر القيل والقال فِي أصُول الْفِقْه واستنبط كل لأَصْحَابه قَوَاعِد جدلية وَأورد فاستقصى وَأجَاب فتفصى وَعرف وَقسم فحرر وَطول الْكَلَام تَارَة وَتارَة أُخْرَى اختصر
وَمِنْهُم من ذهب إِلَى هَذَا بِفَرْض الصُّور المستبعدة الَّتِي من حَقّهَا أَن لَا يتَعَرَّض لَهَا عَاقل وبسحب العمومات والإيماءات من كَلَام المخرجين فَمن دونهم مِمَّا لَا يرضى استماعه عَالم وَلَا جَاهِل
وفتنة هَذَا الْجِدَال وَالْخلاف والتعمق قريبَة من الْفِتْنَة الأولى حِين تشاجروا فِي الْملك وانتصر كل رجل لصَاحبه فَكَمَا أعقبت تِلْكَ ملكا عَضُوضًا ووقائع صماء عمياء فَكَذَلِك أعقبت هَذِه جهلا واختلاطا وشكوكا ووهما مَا لَهَا من أرجاء فَنَشَأَتْ بعدهمْ قُرُون على التَّقْلِيد الصّرْف لَا يميزون الْحق من الْبَاطِل وَلَا الجدل من الاستنباط فالفقيه يومئد هُوَ الثرثار المتشدق الَّذِي حفظ أَقْوَال الْفُقَهَاء قويها وضعيفها من غير تَمْيِيز وسردها بشقشقة شدقيه والمحدث من عد الْأَحَادِيث صحيحها وسقيمها وهذها بِقُوَّة
[ ٩٥ ]
لحييْهِ وَلَا أَقُول ذَلِك كليا مطردا فان لله طَائِفَة من عباده لَا يضرهم من خذلهم وهم حجَّة الله فِي أرضه وان قلوا
وَلم يَأْتِ قرن بعد ذَلِك إِلَّا وَهُوَ أَكثر فتْنَة وأوفر تقليدا وَأَشد انتزاعا للأمانة من صُدُور الرِّجَال حَتَّى اطمأنوا بترك الْخَوْض فِي أَمر الدّين وَبِأَن يَقُولُوا ﴿إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مقتدون﴾ وَإِلَى الله المشتكى وَهُوَ الْمُسْتَعَان وَبِه الثِّقَة وَعَلِيهِ التكلان
[ ٩٦ ]
التَّقْلِيد فِي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة
مِمَّا يُنَاسب هَذَا الْمقَام التَّنْبِيه على مسَائِل ضلت فِي بواديها الأفهام وزلت الْأَقْدَام وطغت الأقلام مِنْهَا
١ - أَن هَذِه الْمذَاهب الْأَرْبَعَة الْمُدَوَّنَة قد اجْتمعت الْأمة أَو من يعْتد بِهِ مِنْهَا على جَوَاز تقليدها إِلَى بومنا هَذَا وَفِي ذَلِك من الْمصَالح مَا لَا يخفى لَا سِيمَا فِي هَذِه الْأَيَّام الَّتِي قصرت فِيهَا الهمم وأشربت النُّفُوس الْهوى وأعجب كل ذِي رَأْي بِرَأْيهِ فَمَا ذهب اليه ابْن حزم حَيْثُ قَالَ التَّقْلِيد حرَام وَلَا يحل لأحد أَن يَأْخُذ قَول أحد غير قَول رَسُول الله ﷺ بِلَا برهَان لقَوْله تَعَالَى ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلَا تتبعوا من دونه أَوْلِيَاء﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإِذا قيل لَهُم اتبعُوا مَا أنزل الله قَالُوا بل نتبع مَا ألفينا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾
[ ٩٧ ]
وَقَالَ مادحا من لم يُقَلّد ﴿فبشر عباد الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه أُولَئِكَ الَّذين هدَاهُم الله وَأُولَئِكَ هم أولُوا الْأَلْبَاب﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ فَلم يبح الله تَعَالَى الرَّد عِنْد التَّنَازُع إِلَى أحد دون الْقُرْآن وَالسّنة وَحرم بذلك الرَّد عِنْد التَّنَازُع إِلَى قَول قَائِل لِأَنَّهُ غير الْقُرْآن وَالسّنة وَقد صَحَّ إِجْمَاع الصَّحَابَة كلهم أَوَّلهمْ عَن آخِرهم واجماع التَّابِعين أَوَّلهمْ عَن آخِرهم وَإِجْمَاع تَابِعِيّ التَّابِعين إِلَى آخِرهم على الِامْتِنَاع وَالْمَنْع من أَن يقْصد مِنْهُم أحد إِلَى قَول إِنْسَان مِنْهُم أَو مِمَّن قبلهم فَيَأْخذهُ كُله
فَليعلم من أَخذ جَمِيع أَقْوَال أبي حنيفَة أَو جَمِيع أَقْوَال مَالك أَو جَمِيع أَقْوَال الشَّافِعِي أَو جَمِيع أَقْوَال أَحْمد ﵃ وَلم يتْرك قَول من اتبع مِنْهُم أَو من غَيرهم إِلَى قَول غَيره وَلم يعْتَمد على مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن وَالسّنة غير صَارف ذَلِك إِلَى قَول انسان بِعَيْنِه أَنه قد خَالف إِجْمَاع الْأمة كلهَا من أَولهَا إِلَى آخرهَا بِيَقِين لَا إِشْكَال فِيهِ وَلَا يجد لنَفسِهِ سلفا وَلَا إنْسَانا فِي جَمِيع الْأَعْصَار المحمودة الثَّلَاثَة فقد اتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ
[ ٩٨ ]
فنعوذ بِاللَّه من هَذِه الْمنزلَة وَأَيْضًا فان هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاء كلهم قد نهوا عَن تَقْلِيد غَيرهم وَقد خالفهم من قلدهم
وَأَيْضًا فَمَا الَّذِي جعل رجلا من هَؤُلَاءِ أَو من غَيرهم أولى أَن يُقَلّد من عمر بن الْخطاب أَو عَليّ بن أبي طَالب أَو ابْن مَسْعُود أَو ابْن عمر أَو ابْن عَبَّاس أَو عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فَلَو سَاغَ التَّقْلِيد لَكَانَ كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ أَحَق بِأَن يتبع من غَيره انْتهى
إِنَّمَا يتم فِيمَن لَهُ ضرب من الِاجْتِهَاد وَلَو فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة وفيمن ظهر عَلَيْهِ ظهورا بَينا أَن النَّبِي ﷺ أَمر بِكَذَا وَنهى عَن كَذَا وَأَنه لَيْسَ بمنسوخ إِمَّا بِأَن يتتبع الْأَحَادِيث وأقوال الْمُخَالف والموافق فِي الْمَسْأَلَة فَلَا يجد لَهُ نسخا أَو بِأَن يرى جمعا غفيرا من المتبحرين فِي الْعلم يذهبون إِلَيْهِ وَيرى الْمُخَالف لَهُ لَا يحْتَج الا بِقِيَاس أَو استنباط أَو نَحْو ذَلِك فَحِينَئِذٍ لَا سَبَب لمُخَالفَة حَدِيث النَّبِي ﷺ إِلَّا نفاق خَفِي أَو حمق جلي
وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ اليه الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام حَيْثُ قَالَ وَمن الْعجب العجاب أَن الْفُقَهَاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مَأْخَذ إِمَامه بِحَيْثُ لَا يجد لضَعْفه مدفعا وَهُوَ مَعَ ذَلِك يقلده فِيهِ وَيتْرك من شهد الْكتاب وَالسّنة والأقيسة الصَّحِيحَة لمذهبهم جمودا على تَقْلِيد إِمَامه بل يتخيل لدفع ظَاهر الْكتاب وَالسّنة ويتأولهما بالتأويلات الْبَعِيدَة الْبَاطِلَة نضالا عَن مقلده وَقَالَ لم يزل النَّاس يسْأَلُون من اتّفق من الْعلمَاء من غير
[ ٩٩ ]
تَقْلِيد لمَذْهَب وَلَا إِنْكَار على أحد من السَّائِلين إِلَى أَن ظَهرت هَذِه الْمذَاهب ومتعصبوها من المقلدين فان أحدهم يتبع إِمَامه مَعَ بعد مذْهبه عَن الْأَدِلَّة مُقَلدًا لَهُ فِيمَا قَالَ كَأَنَّهُ نَبِي أرسل وَهَذَا نأي عَن الْحق وَبعد عَن الصَّوَاب لَا يرضى بِهِ أحد من أولي الْأَلْبَاب
وَقَالَ الامام أَبُو شامة يَنْبَغِي لمن اشْتغل بالفقه أَن لَا يقْتَصر على مَذْهَب امام ويعتقد فِي كل مَسْأَلَة صِحَة مَا كَانَ أقرب إِلَى الْكتاب وَالسّنة المحكمة وَذَلِكَ سهل عَلَيْهِ اذا كَانَ اتقن الْعُلُوم الْمُتَقَدّمَة وليجتنب التعصب وَالنَّظَر فِي طرائق الْخلاف الْمُتَأَخِّرَة فانها مضيعة للزمان ولصفوه مكدرا فقد صَحَّ عَن الشَّافِعِي أَنه نهى عَن تَقْلِيده وتقليد غَيره
قَالَ صَاحبه الْمُزنِيّ فِي أول مُخْتَصره اختصرت هَذَا من علم الشَّافِعِي وَمن معنى قَوْله لأقربه على من أَرَادَ مَعَ إعلامي نَهْيه عَن تَقْلِيده وتقليد غَيره لينْظر فِيهِ لدينِهِ ويحتاط لنَفسِهِ أَي مَعَ إعلامي من أَرَادَ علم الشَّافِعِي نهي الشَّافِعِي عَن تَقْلِيده وتقليد غَيره
وفيمن يكون عاميا ويقلد رجلا من الْفُقَهَاء بِعَيْنِه يرى أَن يمْتَنع من مثله الْخَطَأ وَأَن مَا قَالَه هُوَ الصَّوَاب الْبَتَّةَ وأضمر فِي قلبه أَلا يتْرك تَقْلِيده وان ظهر الدَّلِيل على
[ ١٠٠ ]
خِلَافه وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن عدي بن حَاتِم أَنه قَالَ سمعته يَعْنِي رَسُول الله ﷺ يقْرَأ ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله﴾ قَالَ انهم لم يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكنهُمْ كَانُوا اذا أحلُّوا شَيْئا اسْتَحَلُّوهُ واذا حرمُوا عَلَيْهِم شَيْئا حرمُوهُ
وفيمن لَا يجوز أَن يستفتي الْحَنَفِيّ مثلا فَقِيها شافعيا وَبِالْعَكْسِ وَلَا يجوز أَن يَقْتَدِي الْحَنَفِيّ بامام شَافِعِيّ مثلا فان هَذَا قد خَالف إِجْمَاع الْقُرُون الأولى وناقض الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ
وَلَيْسَ مَحَله فِيمَن لَا يدين الا بقول النَّبِي ﷺ وَلَا يعْتَقد حَلَالا الا مَا أحله الله وَرَسُوله وَلَا حَرَامًا الا مَا حرمه الله وَرَسُوله
لَكِن لما لم يكن لَهُ علم بِمَا قَالَه النَّبِي ﷺ وَلَا بطرِيق الْجمع بَين المختلفات من كَلَامه وَلَا بطرِيق الاستنباط من كَلَامه اتبع عَالما راشدا على أَنه مُصِيب فِيمَا يَقُول ويفتي ظَاهرا مُتبع سنة رَسُول الله ﷺ فان خَالف مَا يَظُنّهُ أقلع من سَاعَته من غير جِدَال وَلَا إِصْرَار فَهَذَا كَيفَ يُنكره أحد مَعَ أَن الاستفتاء
[ ١٠١ ]
والافتاء لم يزل بَين الْمُسلمين من عهد النَّبِي ﷺ
وَلَا فرق بَين أَن يستفتي هَذَا دَائِما أَو أَن يستفتي هَذَا حينا وَذَلِكَ حينا بعد أَن يكون مجمعا على مَا ذَكرْنَاهُ كَيفَ لَا وَلم نؤمن بفقيه أيا كَانَ أَنه أوحى الله إِلَيْهِ الْفِقْه وَفرض علينا طَاعَته وَأَنه مَعْصُوم فان اقتدينا بِوَاحِد مِنْهُم فَذَلِك لعلمنا بِأَنَّهُ عَالم بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله فَلَا يَخْلُو قَوْله إِمَّا أَن يكون من صَرِيح الْكتاب وَالسّنة أَو مستنبطا عَنْهُمَا بِنَحْوِ من الاستنباط أَو عرف بالقرائن أَن الحكم فِي صُورَة مَا مَنُوط بعلة كَذَا وَاطْمَأَنَّ قلبه بِتِلْكَ الْمعرفَة فقاس غير الْمَنْصُوص على الْمَنْصُوص فَكَأَنَّهُ يَقُول ظَنَنْت أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ كلما وجدت هَذِه الْعلَّة فَالْحكم ثمَّة هَكَذَا والمقيس مندرج فِي هَذَا الْعُمُوم فَهَذَا أَيْضا معزي إِلَى النَّبِي ﷺ وَلَكِن فِي طَرِيقه ظنون وَلَوْلَا ذَلِك مَا قلد مُؤمن بمجتهد فان بلغنَا حَدِيث من رَسُول الله الْمَعْصُوم ﷺ الَّذِي فرض علينا طَاعَته بِسَنَد صَالح يدل على خلاف مذْهبه وَتَركنَا حَدِيثه وَاتَّبَعنَا ذَلِك التخمين فَمن أظلم منا وَمَا عذرنا يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين
٢ - وَمِنْهَا أَن تتبع الْكتاب والْآثَار لمعْرِفَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة على مَرَاتِب أَعْلَاهَا أَن يحصل لَهُ من معرفَة الْأَحْكَام
[ ١٠٢ ]
بِالْفِعْلِ أَو بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَة من الْفِعْل مَا يتَمَكَّن بِهِ من جَوَاب المستفتين فِي الوقائع غَالِبا بِحَيْثُ يكون جَوَابه أَكثر مِمَّا يتَوَقَّف فِيهِ وتخص باسم الِاجْتِهَاد
وَهَذَا الاستعداد يحصل
تَارَة بالإمعان فِي جمع الرِّوَايَات وتتبع الشاذة والفاذة مِنْهَا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَحْمد بن حَنْبَل مَعَ مَا لَا يَنْفَكّ مِنْهُ الْعَاقِل الْعَارِف باللغة من معرفَة مواقع الْكَلَام وَصَاحب الْعلم بآثار السّلف من طَرِيق الْجمع بَين المختلفات وترتيب الاستدلالات وَنَحْو ذَلِك
وَتارَة بإحكام طرق التَّخْرِيج على مَذْهَب شيخ من مَشَايِخ الْفِقْه مَعَ معرفَة جملَة صَالِحَة من السّنَن والْآثَار بِحَيْثُ يعلم أَن قَوْله لَا يُخَالف الْإِجْمَاع وَهَذِه طَريقَة أَصْحَاب التَّخْرِيج
وأوسطها من كلتا الطريقتين أَن يحصل لَهُ من معرفَة الْقُرْآن وَالسّنَن مَا يتَمَكَّن بِهِ من عَرَفَة رُؤُوس مسَائِل الْفِقْه الْمجمع عَلَيْهَا بأدلتها التفصيلية وَيحصل لَهُ غَايَة الْعلم بِبَعْض الْمسَائِل الاجتهادية من أدلتها وترجيح بعض الْأَقْوَال على بعض وَنقد التخريجات وَمَعْرِفَة الْجيد من الزيف وان لم يتكامل لَهُ الأدوات كَمَا يتكامل للمجتهد الْمُطلق فَيجوز لمثله أَن يلفق من المذهبين اذا عرف دليلهما وَعلم أَن قَوْله مِمَّا لَا ينفذ فِيهِ اجْتِهَاد الْمُجْتَهد وَلَا يقبل فِيهِ قَضَاء القَاضِي وَلَا يجْرِي فِيهِ
[ ١٠٣ ]
فَتْوَى الْمُفْتِينَ أَن يتْرك بعض التخريجات الَّتِي سبق النَّاس اليها اذا عرف عدم صِحَّتهَا
وَلِهَذَا لم يزل الْعلمَاء مِمَّن لَا يَدعِي الِاجْتِهَاد الْمُطلق يصنفون ويرتبون وَيخرجُونَ ويرجحون وَإِذا كَانَ الِاجْتِهَاد يتَجَزَّأ عِنْد الْجُمْهُور والتخريج يتَجَزَّأ وَإِنَّمَا الْمَقْصُود تَحْصِيل الظَّن وَعَلِيهِ مدَار التَّكْلِيف فَمَا الَّذِي يستبعد من ذَلِك
وَأما دون ذَلِك من النَّاس فمذهبه فِيمَا يرد عَلَيْهِ كثيرا مَا أَخذه عَن أَصْحَابه وآبائه وَأهل بَلَده من الْمذَاهب المتبعة وَفِي الوقائع النادرة فَتَاوَى مفتية وَفِي القضايا مَا يحكم القَاضِي
وعَلى هَذَا وجدنَا محققي الْعلمَاء من كل مَذْهَب قَدِيما وحديثا وَهُوَ الَّذِي وصّى بِهِ أَئِمَّة الْمذَاهب أَصْحَابهم وَفِي اليواقيت والجواهر أَنه روى عَن أبي حنيفَة ﵁ أَنه كَانَ يَقُول لَا يَنْبَغِي لمن لم يعرف دليلي أَن يُفْتِي بكلامي وَكَانَ ﵁ اذا أفتى يَقُول هَذَا رأى النُّعْمَان بن ثَابت يَعْنِي نَفسه وَهُوَ أحسن مَا قَدرنَا عَلَيْهِ فَمن جَاءَ بِأَحْسَن مِنْهُ فَهُوَ أولى بِالصَّوَابِ وَكَانَ الامام مَالك ﵁ يَقُول مَا من أحد الا وَهُوَ مَأْخُوذ من كَلَامه ومردود عَلَيْهِ إِلَّا رَسُول الله ﷺ
وروى الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن الشَّافِعِي ﵁ أَنه كَانَ يَقُول اذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مذهبي وَفِي رِوَايَة اذا رَأَيْتُمْ كَلَامي يُخَالف الحَدِيث فاعملوا بِالْحَدِيثِ واضربوا بكلامي
[ ١٠٤ ]
الْحَائِط وَقَالَ يَوْمًا للمزني يَا أَبَا إِبْرَاهِيم لَا تقلدني فِي كل مَا أَقُول وَانْظُر فِي ذَلِك لنَفسك فانه دين وَكَانَ ﵁ يَقُول لَا حجَّة فِي قَول أحد دون رَسُول الله ﷺ وان كَثُرُوا وَلَا فِي قِيَاس وَلَا فِي شَيْء وَمَا ثمَّ الا طَاعَة الله وَرَسُوله بِالتَّسْلِيمِ
وَكَانَ الإِمَام أَحْمد ﵁ يَقُول لَيْسَ لأحد مَعَ الله وَرَسُوله كَلَام وَقَالَ أَيْضا لرجل لَا تقلدني وَلَا تقلدن مَالِكًا وَلَا الْأَوْزَاعِيّ وَلَا النَّخعِيّ وَلَا غَيرهم وَخذ الْأَحْكَام من حَيْثُ أخذُوا من الْكتاب وَالسّنة لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يُفْتِي الا أَن يعرف أقاويل الْعلمَاء فِي الْفَتَاوَى الشَّرْعِيَّة وَيعرف مَذْهَبهم فان سُئِلَ عَن مَسْأَلَة يعلم أَن الْعلمَاء الَّذين يتَّخذ مَذْهَبهم قد اتَّفقُوا عَلَيْهَا فَلَا بَأْس بِأَن يَقُول هَذَا جَائِز وَهَذَا لَا يجوز وَيكون قَوْله على سَبِيل الْحِكَايَة وان كَانَت مَسْأَلَة قد اخْتلفُوا فِيهَا فَلَا بَأْس بِأَن يَقُول هَذَا جَائِز فِي قَول فلَان وَفِي قَول فلَان لَا يجوز وَلَيْسَ لَهُ أَن يخْتَار فيجيب بقول بَعضهم مَا لم يعرف حجَّته
وَعَن أبي يُوسُف وَزفر وَغَيرهمَا ﵏ أَنهم قَالُوا لَا يحل لأحد أَن يُفْتِي بقولنَا مَا لم يعلم من أَيْن قُلْنَا
قيل لعصام بن يُوسُف ﵀ إِنَّك تكْثر الْخلاف لأبي حنيفَة ﵀ قَالَ لِأَن أَبَا حنيفَة ﵀ أُوتِيَ من الْفَهم لما لم نُؤْت فَأدْرك بفهمه مَا لم ندرك وَلَا يسعنا أَن نفتي بقوله مَا لم نفهم
[ ١٠٥ ]
عَن مُحَمَّد بن الْحسن أَنه سُئِلَ مَتى يحل للرجل أَن يُفْتِي قَالَ إِن كَانَ من أهل الِاجْتِهَاد فَلَا يَسعهُ قيل كَيفَ يكون من أهل الِاجْتِهَاد قَالَ أَن يعرف وُجُوه الْمسَائِل ويناظر أقرانه اذا خالفوه قيل أدنى الشُّرُوط للِاجْتِهَاد حفط الْمَبْسُوط
وَفِي الْبَحْر الرَّائِق عَن أبي اللَّيْث قَالَ سُئِلَ أَبُو نصر عَن مَسْأَلَة وَردت عَلَيْهِ مَا تَقول رَحِمك الله وَقعت عَنْك كتب أَرْبَعَة كتاب إِبْرَاهِيم بن رستم وأدب القَاضِي عَن الْخصاف وَكتاب الْمُجَرّد وَكتاب النَّوَادِر من جِهَة هِشَام هَل يجوز لنا أَن نفتي مِنْهَا أَو لَا وَهل هَذِه الْكتب محمودة عنْدك فَقَالَ مَا صَحَّ عَن أَصْحَابنَا فَذَلِك علم مَحْبُوب مَرْغُوب فِيهِ مرضِي بِهِ وَأما الْفتيا فَانِي لَا أرى لأحد أَن يُفْتِي بِشَيْء لَا يفهمهُ وَلَا يحمل أثقال النَّاس فَإِن كَانَت مسَائِل قد اشتهرت وَظَهَرت وانجلت عَن أَصْحَابنَا رَجَوْت أَن يسع لي الِاعْتِمَاد عَلَيْهَا
وَفِيه أَيْضا لَو احْتجم أَو اغتاب فَظن أَنه يفطره ثمَّ أكل إِن لم يستفت فَقِيها وَلَا بلغه الْخَبَر فَعَلَيهِ الْكَفَّارَة لِأَنَّهُ مُجَرّد جهل وانه لَيْسَ بِعُذْر فِي دَار الاسلام وَإِن استفتى فَقِيها فأفتاه لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ لِأَن الْعَاميّ يجب عَلَيْهِ تَقْلِيد الْعَالم اذا كَانَ يعْتَمد على فتواه فَكَانَ مَعْذُورًا فِيمَا صنع وان كَانَ الْمُفْتِي مخطئا فِيمَا أفتى وان لم يستفت وَلَكِن بلغه الْخَبَر وَهُوَ قَوْله
[ ١٠٦ ]
ﷺ افطر الحاجم والمحجوم وَقَوله ﵊ الْغَيْبَة تفطر الصَّائِم وَلم يعرف النّسخ وَلَا تَأْوِيله لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ عِنْدهمَا لِأَن ظَاهر الحَدِيث وَاجِب الْعَمَل بِهِ خلافًا لأبي يُوسُف لِأَنَّهُ لَيْسَ للعامي الْعَمَل بِالْحَدِيثِ لعدم علمه بالناسخ والمنسوخ
وَلَو لمس امْرَأَة أَو قبلهَا بِشَهْوَة أَو اكتحل بِشَهْوَة فَظن أَن ذَلِك يفْطر فَأفْطر فَعَلَيهِ الْكَفَّارَة الا اذا استفتى فَقِيها فأفتاه بِالْفطرِ أَو بلغه خبر فِيهِ وَلَو نوى الصَّوْم قبل الزَّوَال ثمَّ أفطر لم تلْزمهُ الْكَفَّارَة عِنْد أبي حنيفَة ﵁ خلافًا لَهما كَذَا فِي الْمُحِيط وَقد علم من هَذَا أَن مَذْهَب الْعَاميّ فَتْوَى مفتية
وَفِيه أَيْضا فِي بَاب قَضَاء الْفَوَائِت إِن كَانَ عاميا لَيْسَ لَهُ مَذْهَب معِين فمذهبه فَتْوَى مفتية كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فان أفتاه حَنَفِيّ أعَاد الْعَصْر وَالْمغْرب وان أفتاه شَافِعِيّ فَلَا يعيدهما وَلَا عِبْرَة بِرَأْيهِ وان لم يستفت أحدا أَو صَادف الصِّحَّة على مَذْهَب مُجْتَهد أَجزَأَهُ وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ
قَالَ ابْن الصّلاح من وجد من الشَّافِعِيَّة حَدِيثا يُخَالف مذْهبه نظر إِن كملت لَهُ آلَة الِاجْتِهَاد مُطلقًا أَو فِي ذَلِك الْبَاب أَو الْمَسْأَلَة كَانَ لَهُ الِاسْتِقْلَال بِالْعَمَلِ وان لم يكمل
[ ١٠٧ ]
وشق مُخَالفَة الحَدِيث بعد أَن يبْحَث فَلم يجد للمخالفة جَوَابا شافيا عَنهُ فَلهُ الْعَمَل بِهِ إِن كَانَ عمل بِهِ إِمَام مُسْتَقل غير الشَّافِعِي وَيكون هَذَا عذرا لَهُ فِي ترك مَذْهَب إِمَامه هَهُنَا وَحسنه النَّوَوِيّ وَقَررهُ
٣ - وَمِنْهَا أَن أَكثر صورالخلاف بَين الْفُقَهَاء لَا سِيمَا فِي الْمسَائِل الَّتِي ظهر فِيهَا أَقْوَال الصَّحَابَة فِي الْجَانِبَيْنِ كتكبيرات التَّشْرِيق وتكبيرات الْعِيدَيْنِ وَنِكَاح الْمحرم وَتشهد ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود والإخفاء بالبسملة وبآمين والاشفاع والايثار فِي الْإِقَامَة وَنَحْو ذَلِك انما هُوَ فِي تَرْجِيح أحد الْقَوْلَيْنِ
وَكَانَ السّلف لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أصل المشروعية وانما كَانَ خلافهم فِي أولى الْأَمريْنِ وَنَظِيره اخْتِلَاف الْقُرَّاء فِي وُجُوه الْقرَاءَات وَقد عللوا كثيرا من هَذَا الْبَاب بِأَن الصَّحَابَة مُخْتَلفُونَ وَأَنَّهُمْ جَمِيعًا على الْهدى وَلذَلِك لم يزل الْعلمَاء يجوزون فَتَاوَى الْمُفْتِينَ فِي الْمسَائِل الاجتهادية ويسلمون قَضَاء الْقُضَاة ويعملون فِي بعض الأحيان بِخِلَاف مَذْهَبهم وَلَا ترى أَئِمَّة الْمذَاهب فِي هَذِه الْمَوَاضِع إِلَّا وهم يصححون القَوْل ويبينون الْخلاف يَقُول أحدهم هَذَا أحوط وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار وَهَذَا أحب إِلَيّ وَيَقُول مَا بلغنَا الا ذَلِك وَهَذَا كثير فِي الْمَبْسُوط وآثار مُحَمَّد ﵀ وَكَلَام الشَّافِعِي ﵀
ثمَّ خلف من بعدهمْ خلف اختصروا كَلَام الْقَوْم فتأولوا
[ ١٠٨ ]
الْخلاف وثبتوا على مُخْتَار أئمتهم وَالَّذِي يرْوى عَن السّلف من تَأْكِيد الْأَخْذ بِمذهب أَصْحَابهم وَألا يخرج عَنْهَا بِحَال فان ذَلِك إِمَّا لأمر جبلي فان كل إِنْسَان يحب مَا هُوَ مُخْتَار أَصْحَابه وَقَومه حَتَّى فِي الزي والمطاعم أَو لصولة ناشئة من مُلَاحظَة الدَّلِيل أَو لنَحْو ذَلِك من الْأَسْبَاب فَظَنهُ الْبَعْض تعصبا دينيا حاشاهم من ذَلِك
وَقد كَانَ فِي الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من يقْرَأ الْبَسْمَلَة وَمِنْهُم من لَا يقْرؤهَا وَمِنْهُم من يجْهر بهَا وَمِنْهُم من لَا يجْهر بهَا وَكَانَ مِنْهُم من يقنت فِي الْفجْر وَمِنْهُم من لَا يقنت فِي الْفجْر وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ من الْحجامَة والرعاف والقيء وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ من مس الذّكر وَمَسّ النِّسَاء بِشَهْوَة وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ مِمَّا مسته النَّار وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ من أكل لحم الابل وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك
مَعَ هَذَا فَكَانَ فعضهم يُصَلِّي خلف بعض مثل مَا كَانَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهم ﵃ يصلونَ خلف أَئِمَّة الْمَدِينَة من الْمَالِكِيَّة وَغَيرهم وان كَانُوا لَا يقرؤون الْبَسْمَلَة لَا سرا وَلَا جَهرا وَصلى الرشيد إِمَامًا وَقد احْتجم فصلى الإِمَام أَبُو يُوسُف خَلفه وَلم يعد وَكَانَ أفتاه الامام مَالك بِأَنَّهُ لَا وضوء عَلَيْهِ
وَكَانَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل يرى الْوضُوء من الرعاف
[ ١٠٩ ]
والحجامة فَقيل لَهُ فان كَانَ الامام قد خرج مِنْهُ الدَّم وَلم يتَوَضَّأ هَل تصلي خَلفه فَقَالَ كَيفَ لَا أُصَلِّي خلف الامام مَالك وَسَعِيد بن الْمسيب
وَرُوِيَ أَن أَبَا يُوسُف وَمُحَمّد كَانَا يكبران فِي الْعِيدَيْنِ تَكْبِير ابْن عَبَّاس لِأَن هَارُون الرشيد كَانَ يحب تَكْبِير جده
وَصلى الشَّافِعِي ﵀ الصُّبْح قَرِيبا من مَقْبرَة أبي حنيفَة ﵀ فَلم يقنت تأدبا مَعَه وَقَالَ أَيْضا رُبمَا انحدرنا إِلَى مَذْهَب أهل الْعرَاق
وَقَالَ مَالك ﵀ للمنصور وَهَارُون الرشيد مَا ذكرنَا عَنهُ سَابِقًا
وَفِي الْبَزَّازِيَّة عَن الامام الثَّانِي وَهُوَ أَبُو يُوسُف ﵀ أَنه صلى يَوْم الْجُمُعَة مغتسلا من الْحمام وَصلى بِالنَّاسِ وَتَفَرَّقُوا ثمَّ أخبر بِوُجُود فَأْرَة ميتَة فِي بِئْر الْحمام فَقَالَ إِذا تَأْخُذ بقول إِخْوَاننَا من أهل الْمَدِينَة اذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل خبثا انْتهى
وَسُئِلَ الامام الخجندي ﵀ عَن رجل شَافِعِيّ الْمَذْهَب ترك صَلَاة سنة أَو سنتَيْن ثمَّ انْتقل إِلَى مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀ كَيفَ يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء أيقضيها على مَذْهَب الشَّافِعِي أَو على مَذْهَب أبي حنيفَة فَقَالَ على أَي المذهبين قضى بعد أَن يعْتَقد جَوَازهَا جَازَ
[ ١١٠ ]
وَفِي جَامع الْفَتَاوَى أَنه إِن قَالَ حَنَفِيّ إِن تزوجت فُلَانَة فَهِيَ طَالِق ثَلَاثًا ثمَّ استفتى شافعيا فَأجَاب إِنَّهَا لَا تطلق وَيَمِينه بَاطِل فَلَا بَأْس باقتدائه بالشافعي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لِأَن كثيرا من الصَّحَابَة فِي جَانِبه
قَالَ مُحَمَّد ﵀ فِي أَمَالِيهِ لَو أَن فَقِيها قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق الْبَتَّةَ وَهُوَ مِمَّن يَرَاهَا ثَلَاثًا ثمَّ قضى عَلَيْهِ قَاض بِأَنَّهَا رَجْعِيَّة وَسعه الْمقَام مَعهَا وَكَذَا كل فصل مِمَّا يخْتَلف فِيهِ الْفُقَهَاء من تَحْرِيم أَو تَحْلِيل أَو إِعْتَاق أَو أَخذ مَال أَو غَيره يَنْبَغِي للفقيه الْمقْضِي عَلَيْهِ الْأَخْذ بِقَضَاء القَاضِي ويدع رَأْيه وَيلْزم نَفسه مَا ألزم القَاضِي وَيَأْخُذ مَا أعطَاهُ
قَالَ مُحَمَّد ﵀ وَكَذَلِكَ رجل لَا علم لَهُ ابتلى ببلية فَسَأَلَ عَنْهَا الْفُقَهَاء فأفتوه فِيهَا بحلال أَو بِحرَام وَقضى عَلَيْهِ قَاضِي الْمُسلمين بِخِلَاف ذَلِك وَهِي مِمَّا يخْتَلف فِيهِ الْفُقَهَاء فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يَأْخُذ بِقَضَاء القَاضِي ويدع مَا أفتاه الْفُقَهَاء انْتهى
وَقد أطنبنا الْكَلَام فِي هَذَا الْمقَام غَايَة الْأَطْنَاب وَالله وَحده أعلم بِالصَّوَابِ
وربنا الرَّحْمَن الْمُسْتَعَان على مَا تصفون
[ ١١١ ]