وقد اختلف الصدر الأول في إيجاب الوضوء من أكل ما مسته النار، لاختلاف الآثار الواردة في ذلك عن رسول الله - ﷺ -، وذهبوا في ذلك ثلاثة مذاهب:
- الأول: لا يجب الوضوء بأكل شيء ما، سواء في ذلك ما مسته النار وما لم تمسه، ولا فرق في ذلك بين لحم جزور ولحم غيره، وهذا مذهب الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس لما روي في الصحاح وغيرها من «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ»، ولما رواه جابر: «كَانَ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - تَرْكُ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ».
- المذهب الثاني: وجوب الوضوء مما مست النار، وهو مذهب أبي هريرة وابن عمر وعائشة.
- المذهب الثالث: وجوب الوضوء بأكل لحم الإبل خاصة، لأحاديث وردت في ذلك، فيها التفريق بين أكل لحم الشاة وأكل لحم الجزور، وفيها الأمر بالوضوء من لحم الإبل خاصة (٣).
_________________
(١) " الطبقات " لابن سعد: ٨/ ٤٥؛ و" الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ": ص ٦١، ٦٢.
(٢) " تذكرة الحفاظ ": ١/ ١٦.
(٣) انظر " بداية المجتهد ": ١/ ٣١؛ و" الدراري المضية " للشوكاني: ١/ ٦٠، ٦١؛ و" أسباب اختلاف الفقهاء " للخفيف: ٣٦، ٣٨.
[ ١٥٠ ]
والذي يهمنا هنا هو موقف ابن عباس من نقد ما رواه أبو هريرة في إيجاب الوضوء مما مست النار، ومناظرته له في ذلك، وعن أي شيء صدر النقد من ابن عباس.
وقد بين لنا الترمذي موقف ابن عباس فيما رواه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «الوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَلَوْ مِنْ ثَوْرِ أَقِطٍ»، قَالَ: فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَنَتَوَضَّأُ مِنَ الدُّهْنِ؟ أَنَتَوَضَّأُ مِنَ الحَمِيمِ؟»، قَالَ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «يَا ابْنَ أَخِي، إِذَا سَمِعْتَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَلاَ تَضْرِبْ لَهُ مَثَلًا» (١).