من أبرز من قال بالذرائع من أهل الحديث: الإمام أحمد، أخذًا بالأحوط: ونظرًا إلى مآل الفعل: واتهامًا للقصد عند ما يكون مآل الفعل غير مأذون فيه.
_________________
(١) انظر " الموافقات ": ٤/ ١١٠، ١١٤، المطبعة السلفية بمصر، وانظر أيضًا في الذرائع نفسه ٢/ ٢٥٣، ٢٥٦. حيث أثبتها الشاطبي في الفعل المأذون فيه. إذا لزم عنه ضرر غير مقصود، وكان هذا الضرر أو كثيرًا غالبًا.
(٢) " الموافقات ": ٤/ ١١٠، ١١١.
[ ٤٤٥ ]
ومن المسائل التي أفتى فيها الإمام أحمد بن حنبل، معتمدًا عل أصل سد الذرائع:
[أ] أنه يكره الشراء ممن يرخص السلع، ليصرف الناس عن الشراء من جار له. قصدًا إلى الإضرار به، لأن الشراء منه إغراء له بمضارة جاره. وقد يؤدي فعله إلى الاحتكار، بأن نزول منافسة غيره، فيستبد فيما بعد بالأسعار، والامتناع عن الشراء منه ذريعة عن الشراء منه ذريعة إلى امتناعه عن إنزال الضرر بجاره.
[ب] حرم أحمد بيع العصير ممن يعتقد أنه يتخذه خمرًا، والبيع باطل إذا علم البائع قصد المشتري ذلك. وإذا كان الأمر محتملًا فالبيع جائز. وحكى ابن المنذر عن الحسن وعطاء والثوري: أنه لا بأس ببيع التمر لمن يتخذه خمرًا. قال الثوري: «بِعْ الحَلاَلَ مِمَّنْ شِئْتَ».
كما حرم أحمد بيع السلاح عند الفتنة، لأنه ذريعة إلى الشر، وإعانة على المعصية. وفي معنى هذا البيع عند أحمد كل بيع أو إجارة أو معارضة تعين على معصية. كبيع السلاح لمن يحاربون المسلمين، أو للبغاة، أو لقطاع الطريق، وكإجارة الدور والحوانيت لمن يقيم فيها سوقًا للمعاصي، كالمراقص والملاهي المحرمة. قال في " المغني ": «وَهَكَذَا الحُكْمُ فِي كُلِّ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْحَرَامُ » (١).
ومما يذكر أن أهل الظاهر مع عدم اعتبارهم الذرائع، وإنكارهم على من يقول بها كما قدمنا (٢) - يتفقون مع أحمد في هذا الحكم، ولكنهم
_________________
(١) انظر " المغني ": ٤/ ٢٢٣، ٢٣٣؛ و" ابن حنبل "، للأستاذ أبو زهرة: ص ٣٢١؛ و" إعلام الموقعين ": ٣/ ١٢٩، ١٣٥.
(٢) انظر: ص ٣٧٧ من هذا البحث.
[ ٤٤٦ ]
يستدلون عليه بالنص، وفي ذلك يقول ابن حزم: «وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ شَيْءٍ مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يَعْصِي اللَهَ بِهِ أَوْ فِيهِ، وَهُوَ مَفْسُوخٌ أَبَدًا، كَبَيْعِ كُلِّ شَيْءٍ يُنْبَذُ أَوْ يُعْصَرُ مِمَّنْ يُوقَنُ [بِهَا] أَنَّهُ يَعْمَلُهُ خَمْرًا، وَكَبَيْعِ الدَّرَاهِمِ الرَّدِيئَةِ مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يُدَلِّسُ بِهَا أَوْ كَبَيْعِ السِّلاَحِ [أَوْ الخَيْلِ] مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يَعْدُو بِهَا عَلَى المُسْلِمِينَ، أَوْ كَبَيْعِ الحَرِيرِ مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يَلْبَسُهُ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] فَإِنْ لَمْ يُوقَنْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَالبَيْعُ صَحِيحٌ» (١).
[ج] بيوع الآجال، أو التي تعرف أحيانًا ببيع العينة (٢)، قد حرمها أحمد لأنها ذريعة إلى الربا. ومن صورها أن يبيع سلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها بأقل منه نقدًا، فإذا باعك إنسان سلعة بعشرين مثلًا إلى أجل ثم اشتراها منك بعشرة نقدًا، كان مآل البيع والشراء في هذه الصورة أنك افترضت من البائع عشرة، لتردها إليه عشرين بعد الأجل، وهو عين الربا.
وقد حرم هذا البيع أيضًا كل من أبي حنيفة ومالك، ولما روي أَنَّ أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ - ﵂ - فَقَالَتْ لَهَا: «إِنِّي بِعْتُ غُلاَمًا مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ نَسِيئَةً إِلَى العَطَاءِ، وَاشْتَرَيْتُهُ بِسِتِّمِائَةِ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ:
_________________
(١) " المحلى ": ٩/ ٢٩، ٣٠.
(٢) سميت عينة، لحصول النقد لصاحب العنية، لأن العين هو المال الحاضر، والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين الحاضر يصل إليه من فوره. (انظر " أصول التشريع "، للأستاذ علي حسب الله: ص ٢٨٥ هامش ١). وقد روي عن أحمد أن العينة هي أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة، فإن باعه بنقد ونسيئة فلا بأس. (" المغني ": ٤/ ٩٧٦). وفسر ابن حزم العينة بأنها السلم نفسه، أو بيع بضاعة إلى أجل مسمى، والخلاف إنما هو في السلم (انظر " المحلى ": ٩/ ١٠٦).
[ ٤٤٧ ]
«أَبْلَغَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ أنه قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، إِلاَّ أَنْ يَتُوبَ، بِئْسَ مَا اشْتَرَيْتِ وَبِئْسَ مَا شَرَيْتِ. قَالَتْ: «أَرَأَيْتِ إِنْ لَمْ آخُذْ إِلاَّ رَأْسَ مَالِي؟»، قَالَتْ: «﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]».
ومثل هذا الوعيد لا يقال بالرأي ولا فيما سبيله الاجتهاد فصح أنه توقيف (١).
وقد أجاز الشافعي وأهل الظاهر هذا البيع. قال ابن حزم: «وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُسَمًّى حَالَّةً، أَوْ إلَى أَجَلٍ [مُسَمًّى] قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا، فَلَهُ أَنْ يَبْتَاعَ تِلْكَ السِّلْعَةَ مِنْ الذِي بَاعَهَا مِنْهُ [بِثَمَنٍ مِثْلِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ مِنْهُ، وَبِأَكْثَرَ مِنْهُ، وَبِأَقَلَّ حَالًاّ، وَإِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى أَقْرَبَ مِنْ الَّذِي بَاعَهَا] مِنْهُ إلَيْهِ، أَوْ أَبْعَدَ وَمِثْلَهُ، كُلُّ ذَلِكَ حَلاَلٌ لاَ كَرَاهِيَةَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ شَرْطٍ مَذْكُورٍ فِي نَفْسِ العَقْدِ. فَإِنْ كَانَ عَنْ شَرْطٍ فَهُوَ حَرَامٌ مَفْسُوخٌ أَبَدًا مَحْكُومٌ فِيهِ بِحُكْمِ الغَصْبِ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمَا.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩].
[فَهَذَانِ بَيْعَانِ] فَهُمَا حَلاَلاَنِ بِنَصِّ القُرْآنِ ».
وقد ضعف ابن حزم خبر زيد بن أرقم المروي عن السيدة عائشة. ورد على من قال: إن المتعاقدين قد تحايلا بهذا العقد على الربا، فقال: «أَنَّهُمَا إنْ كَانَا أَرَادَا الرِّبَا [كَمَا ذَكَرْتُمْ] فَتَحَيَّلاَ بِهَذَا العَمَلِ، فَبَارَكَ اللَّهُ فِيهِمَا، فَقَدْ أَحْسَنَا مَا شَاءَا إذْ هَرَبَا مِنْ الرِّبَا الحَرَامِ إلَى البَيْعِ الحَلاَلِ، وَفَرَّا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - إلَى مَا أَحَلَّ» (٢).