وإذا كان المحدثون يميلون إلى الأخذ بالظاهر، ويكرهون الرأي،
_________________
(١) " تذكرة الحفاظ ": ٣/ ١٨٤، ١٨٥، وانظر في المحدثين الذين مهدوا للفقه الظاهري الأندلسي مقدمة الكوثري لكتاب " النبذ "، لابن حزم؛ و" ابن حزم "، للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة: ص ٢٦٨، ٢٧٤.
(٢) " سنن الترمذي بشرح ابن العربي ": ١٠/ ١١١، وقاسم بن أصبغ متوفى سنة ٣٤٠ هـ. وانظر ترجمته في " تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس ": ١/ ٤٠٦، ٤٠٨.
[ ٣٥٦ ]
وإذا كان أهل الظاهر طائفة من المحدثين، فما الفرق إذن بين المحدثين وأهل الظاهر؟
إن بين الطائفتين فروقًا، نسجل أهمها فيما يأتي:
أولًا - جعل الظاهرية من الاتجاه إلى الظاهر مذهبًا ملتزمًا تقررله أصول وقواعد، جعلوها مطردة لا تتخلف، حتى لو أدت بهم إلى الإغراب والشذوذ.
فالالتزام والاطراد هما ما يميز أهل الظاهر عن أهل الحديث، إذ أن اتجاه أهل الحديث إلى الظاهر وإن كان وصفًا غالبًا - لم يكن مذهبًا ملتزمًا، ومنهجهم في ذلك أقرب شبهًا بمنهج الصحابة بعامة، وأوثق صلة بمنهج ابن عمر وأبي هريرة بخاصة.
هذا الالتزام والاطراد اللذان فرقا بين المحدثين وأهل الظاهر يمثلان العامل المشترك بين أهل الظاهر وأهل الرأي، وإن كان أهل الظاهر يحتلون الطرف البعيد المقابل لأهل الرأي.
وقد أشار الشاطبي إلى هذه الحقيقة، حين تساءل عن المجتهد الذي جاوز مرتبة الحفظ إلى مرتبة النظر فيما حفظ، حتى وصل من هذا النظر إلى الكشف عن علاقات عامة، تربط الشريعة، وتوضح اتجاهها وأهدافها وأحكامها الكلية مستخلصة من الأحداث الجزئية، فهل لهذا المجتهد حينئذٍ أن يجتهد بمقتضى الأحكام الكلية التي استخلصها، دون مراعاة للاعتبارات الخاصة بالجزئيات؟ أجاب قوم بالإيجاب، وآخرون بالنفي.
ثم ذكر الشاطبي أن من أمثلة هذه المرتبة «مَذْهَبُ مَنْ نَفَى القِيَاسَ جُمْلَةً وَأَخَذَ بِالنُّصُوصِ عَلَى الإِطْلاَقِ، وَمَذْهَبُ مَنْ أَعْمَلَ القِيَاسَ عَلَى الإِطْلاَقِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ مَا خَالَفَهُ مِنَ الأَخْبَارِ جُمْلَةً، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ
[ ٣٥٧ ]
غَاصَ بِهِ الفِكْرُ فِي مَنْحًى شَرْعِيٍّ مُطْلَقٍ عَامٍّ اطَّرَدَ لَهُ فِي جُمْلَةِ الشَّرِيعَةِ اطِّرَادًا لاَ يُتَوَهَّمُ مَعَهُ فِي الشَّرِيعَةِ نَقْصٌ وَلاَ تَقْصِيرٌ، بَلْ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم﴾ [المائدة: ٣]. فَصَاحِبُ الرَّأْيِ يَقُولُ: الشَّرِيعَةُ كُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ مَصَالِحِ العِبَادِ وَدَرْءِ مَفَاسِدِهِمْ، وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّتْ أَدِلَّتُهَا عُمُومًا وَخُصُوصًا، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الاِسْتِقْرَاءُ، فَكُلُّ فَرْدٍ جَاءَ مُخَالِفًا فَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ شَرْعًا، إِذْ قَدْ شَهِدَ الاِسْتِقْرَاءُ بِمَا يُعْتَبَرُ مِمَّا لاَ يُعْتَبَرُ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ عَامٍّ، فَهَذَا الخَاصُّ المُخَالِفُ يَجِبُ رَدُّهُ وَإِعْمَالُ مُقْتَضَى الكُلِّيِّ العَامِّ، لأَنَّ دَلِيلَهُ قَطْعِيٌّ، وَدَلِيلَ الخَاصِّ ظَنِّيٌّ فَلاَ يَتَعَارَضَانِ.
وَالظَّاهِرِيُّ يَقُولُ: الشَّرِيعَةُ إِنَّمَا جَاءَتْ لابْتِلاَءِ المُكَلَّفِينَ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَمَصَالِحُهُمْ تَجْرِي عَلَى حَسَبِ مَا أَجْرَاهَا الشَّارِعُ، لَا عَلَى حَسَبِ أَنْظَارِهِمْ، فَنَحْنُ مِنَ اتِّبَاعِ مُقْتَضَى النُّصُوصِ عَلَى يَقِينٍ فِي الإِصَابَةِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا تَعَبَّدَنَا بِذَلِكَ وَاتِّبَاعُ المَعَانِي رَأْيٌ، فَكُلُّ مَا خَالَفَ النُّصُوصَ مِنْهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، لأَنَّهُ أَمْرٌ خَاصٌّ مُخَالِفٌ لِعَامِّ الشَّرِيعَةِ، وَالخَاصُّ الظَّنِّيُّ لَا يُعَارِضُ العَامَّ القَطْعِيَّ.
فَأَصْحَابُ الرَّأْيِ جَرَّدُوا المَعَانِيَ، فَنَظَرُوا فِي الشَّرِيعَةِ بِهَا، وَاطَّرَحُوا خُصُوصِيَّاتِ الأَلْفَاظِ، وَالظَّاهِرِيَّةُ جَرَّدُوا مُقْتَضَيَاتِ الأَلْفَاظِ، فَنَظَرُوا فِي الشَّرِيعَةِ بِهَا، وَاطَّرَحُوا خُصُوصِيَّاتِ المَعَانِي القِيَاسِيَّةِ، وَلَمْ تَتَنَزَّلْ وَاحِدَةٌ مِنَ الفِرْقَتَيْنِ إِلَى النَّظَرِ فِيمَا نَظَرَتْ فِيهِ الأُخْرَى بِنَاءً عَلَى كُلِّيِّ مَا اعْتَمَدَتْهُ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ» (١).
هذا الكلام الذي نقلناه عن الشاطبي، والذي يدل على أصالته وعمقه
_________________
(١) " الموافقات ": ٤/ ١١٥، ١١٦. طبعة تونس.
[ ٣٥٨ ]
يوضح لنا كيف التزم الظاهرية بالظاهر، وطبقوه على كل الفروع، لا يستثنون منها مسألة أو فرعًا، وليس كذلك المحدثون.
ثانيًا - بالنسبة للأصول المعتمد عليها في استنباط الأحكام، افترق المحدثون عن الظاهرية فيما وراء القرآن والسنة. فقد رأينا كيف كان المحدثون يتجهون إلى الآثار، يجعلونها مع القرآن مرجعًا لأحكامهم، ودليلًا عليها، وَبَيَّنَّا أن الآثار عندهم تشمل الأحاديث وغيرها من أقوال الصحابة والتابعين، وأنهم يقصرون الحجة عليها أو يكادون، فإذا لم يوجد نص أو أثر، فليس لديهم حينئذٍ خطة موحدة، بل يتوقف بعضهم فلا يفتي فيما لا أثر فيه، وقد يفتي بعضهم بما يمليه عليه الورع والاحتياط، وقد يحيل بعضهم مستفتيه إلى من يميل إليه، ممن جرؤ على الفتوى من المعاصرين أو السابقين.
أما أهل الظاهر فقد قصروا الحجة على نصوص القرآن والسنة، ولم يروا لآراء الصحابة ومن بعدهم ما يرفعها إلى مرتبة النصوص، فلم يجعلوها حجة، إلا إذا اجتمع الصحابة جميعًا على أمر، فإن هذا الإجماع حينئذٍ حجة، ومصيره إلى النص أيضًا، لأنهم لا يجتمعون إلا عن توقيف.
ومما يوضح لنا هذا الفرق أننا قد رأينا في الأمثلة السابقة كيف أن المحدثين يتفقون مع الظاهرية في أن أثر الفعل المنهي عنه هو البطلان، يحكمون برد كل فعل منهي عنه، وضربنا مثلًا لذلك برأي البخاري في بيع التلقي والنجش ولكننا نجد بيعًا آخر، جاء نهي الرسول - ﷺ - بصورة مطلقة، ومع ذلك لم ينه البخاري عنه بإطلاق، كما هو مقتضى الحديث، بل قيد النهي بصورة خاصة، مستدلًا على هذا التقييد، بتفسير ابن عباس للحديث، هذا البيع المنهي عنه هو بيع الحاضر للبادي.
[ ٣٥٩ ]
وقد ترجم البخاري لهذا البيع بعدة تراجم، أولها: (بَابٌ: هَلْ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَهَلْ يُعِينُهُ أَوْ يَنْصَحُهُ؟ وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَنْصَحْ لَهُ» وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ)، وروى في هذا الباب حديثين، أولهما عن جرير، قَالَ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ»، والحديث الثاني: عَنْ طَاوُوسَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ»، قَالَ: فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟» قَالَ: " لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا ". ثم ترجم له ثانيًا بقوله: (بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ)، روى فيه عن ابن عمر [قَالَ]: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ». وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
ثم ترجم له ثالثًا بقوله: (بَابٌ: لَا [يَشْتَرِي] حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ، وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمُ لِلْبَائِعِ وَالمُشْتَرِي وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «إِنَّ العَرَبَ تَقُولُ بِعْ لِي ثَوْبًا، وَهِيَ تَعْنِي الشِّرَاءَ»)، وقد روى في هذا الباب عن أبي هريرة مرفوعًا: «لَا يَبْتَاعُ المَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ»، كما روى عن أنس بن مالك قال: «نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ» (١).
فالأحاديث التي استدل بها البخاري مطلقة، ولكنه أخذ بتفسير ابن عباس لها، من أن المقصود من النهي ألا يكون له سمسارًا، والسمسار يدخل بين البائع والمشتري بأجر يستفيده منهما أو من أحدهما، فالبائع للبدوي بغير أجر خارج عن متناول النهي حينئذٍ.
أما أهل الظاهر فلا يحتجون بأقوال الصحابة ولا بتفسيرهم، إنما الحجة
_________________
(١) " البخاري ": ٢/ ١١٢.
[ ٣٦٠ ]
في النصوص التي يرويها الصحابة عن رسول الله - ﷺ -. والنصوص مطلقة النهي، لا تفرق بين الأجر وغيره.
يقول ابن حزم: «وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى البَيْعَ سَاكِنُ مِصْرٍ، أَوْ قَرْيَةٍ، [أَوْ مِجْشَرٍ لِخَصَّاصٍ] لَا فِي البَدْوِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِمَّا يَجْلِبُهُ [الخَصَّاصُ إلَى الأَسْوَاقِ]، وَالْمُدُنِ، [وَالقُرَى]، أَصْلًا وَلَا أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ شَيْئًا لَا فِي حَضَرٍ وَلَا فِي بَدْوٍ، فَإِنْ فَعَلَ فُسِخَ البَيْعُ وَالشِّرَاءُ أَبَدًا، وَحُكِمَ فِيهِ بِحُكْمِ الغَصْبِ، وَلَا خِيَارَ لأَحَدٍ فِي إمْضَائِهِ، [وَلَكِنْ يَدَعُهُ يَبِيعُ لِنَفْسِهِ، أَوْ يَشْتَرِي لِنَفْسِهِ، أَوْ يَبِيعُ لَهُ خَصَّاصٌ مِثْلُهُ، وَيَشْتَرِي لَهُ كَذَلِكَ]، لَكِنْ يَلْزَمُ السَّاكِنَ فِي المَدِينَةِ، أَوْ القَرْيَةِ، [أَوْ المِجْشَرِ]: أَنْ يَنْصَحَ [لِلخَصَّاصِ] فِي شِرَائِهِ وَبَيْعِهِ، وَيَدُلَّهُ عَلَى السُّوقِ، وَيُعَرِّفَهُ بِالأَسْعَارِ، [وَيُعِينَهُ عَلَى رَفْعِ سِلْعَتِهِ إنْ لَمْ يُرِدْ بَيْعَهَا وَعَلَى رَفْعِ مَا يَشْتَرِي].
وَجَائِزٌ [لِلْخَصَّاصِ] أَنْ يَتَوَلَّى البَيْعَ، وَالشِّرَاءَ لِسَاكِنِ المِصْرِ، وَالقَرْيَةِ» (١).
ومما يتعلق بهذا الفرق أيضًا ما جاء في النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض، فقد مال البخاري إلى قياس غير الطعام على الطعام في هذا النهي، أخذًا من رأي ابن عباس، وهو ما رواه بسنده عن طاووس قال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - ﵄ -، يَقُولُ: «أَمَّا الذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ [حَتَّى يُقْبَضَ]»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ».
وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: (بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) (٢).
ويلاحظ أن أحمد وإسحاق قد تعلقا بظاهر الحديث - فمنعا من بيع الطعام فقط قبل القبض، وأجازاه في غير الطعام، يقول الترمذي: «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ [أَكْثَرِ] أَهْلِ العِلْمِ كَرِهُوا بَيْعَ الطَّعَامِ حَتَّى يَقْبِضَهُ المُشْتَرِي،
_________________
(١) " المحلى ": ٨/ ٤٥٣، ٤٥٤، ويلاحظ أن ابن حزم يطلق على البدوي لفظ (الخصاص) أي ساكن الخص، وهو البيت من القصب.
(٢) ٢/ ١٠، ١١.
[ ٣٦١ ]
وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِيمَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ، أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ، وَإِنَّمَا التَّشْدِيدُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ فِي الطَّعَامِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ» (١)، ورأي أحمد وإسحاق هو رأي الظاهرية أيضًا.
وكما لا يأخذ الظاهرية بأقوال الصحابة والتابعين، مع أن المحدثين ألحقوها بالنصوص - لا يأخذون بالرأي في أي شكل من أشكاله، سواء أكان قياسًا أم مصلحة أم استحسانًا أم غير ذلك، مما سيأتي عند الكلام على أصولهم.
أما المحدثون فهم وإن كانوا يكرهون الرأي، لا يحرمون الرأي المحمود، لا على أنفسهم ولا على غيرهم، ما دام لا يخالف نصًا، ولا ينقض أصلًا. فقد قال أحمد بالقياس عند الضرورة، كما عمل بالمصلحة (٢)، وأخذ بالاستحسان، فقد جاء في " المُغْنِي " فيما إذا غصب أرضًا فزرعها ثم استرجعها ربها والزرع قائم: «إنَّمَا ذَهَبَ - أحمد - إلَى هَذَا الحُكْمِ اسْتِحْسَانًا، عَلَى خِلاَفِ القِيَاسِ» «وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: " هَذَا شَيْءٌ لاَ يُوَافِقُ القِيَاسَ، أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ نَفَقَتَهُ، لِلأَثَرِ "» (٣).
ثالثًا - اختلف الظاهرية مع المحدثين في بعض صور الإسناد: فالظاهرية
_________________
(١) " الترمذي بشرح ابن العربي ": ٥/ ١٩٠، ١٩١؛ وانظر " بداية المجتهد ": ٢/ ١٣٠، ١٢٢.
(٢) انظر " ابن حنبل "، لأبي زهرة: ص ٣٠٠.
(٣) انظر "المغني ": ٥/ ٢٣٤، ٢٣٦ بتصرف يسير. والأثر الذي من أجله ترك أحمد القياس هو الحديث: «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ [وَلَهُ] نَفَقَتُهُ»، والاستحسان للأثر هو نوع من أنواع الاستحسان، إذ هو ترك لمقتضى القياس لأثر أو إجماع أو قياس آخر (انظر " أصول التشريع "، لأستاذنا علي حسب الله: ص ١٦٥، ١٦٧؛ و" أبو حنيفة "، للأستاذ أبي زهرة: ص ٣٤٢، ٣٤٩).
[ ٣٦٢ ]
لا يعتبرون من النصوص إلا ما نسب إلى الرسول - ﷺ - بنص صريح، فأما أن يقول الصحابي: «أُمِرْنَا بِكَذَا»، أَوْ «نُهِينَا»، «مِنَ السُنَّة كَذَا» أو «كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -» - فإن كل أولئك لا يدخل في دائرة النصوص عندهم، فلا يصلح للاحتجاج به.
أما المحدثون فقد قدمنا أنهم يعطون أمثال هذه الصيغ حكم الحديث المرفوع وقد رأينا كيف أن البخاري قد استدل بقول أم عطية: «نُهِينَا» وَ«أُمِرْنَا» (١)، كما تقدم آنفًا استدلاله بحديث أنس: «نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ».
- هذه بعض العناصر الأساسية التي تفرق بين المحدثين والظاهرية، وتجعل من الأخيرين فرقة خاصة، لها منهجها ومميزاتها.
وقد لمسنا في الفرق الثاني أصول أهل الظاهر لمسًا خفيفًا، وحان لنا أن نتحدث عن هذه الأصول، بقدر ما يوضح لنا فكرتهم ومنهجهم.
_________________
(١) انظر " الإحكام " لابن حزم: ص ٢٨٢ انظر ما سبق في ص [٢٥٦، ٢٥٨، ٢٥٩].
[ ٣٦٣ ]