بعد هذه الإشارة الموجزة عن أصول أهل الظاهر، نعود فنلقي نظرة على طبيعة العلاقة التي كانت تربطهم بغيرهم من المذاهب الفقهية، ورأى هذه المذاهب في الظاهرية، ورأى الظاهرية فيهم.
وإذا استعرضنا المذاهب الفقهية وقارناها بالمذهب الظاهري، فسوف نجد أن أقربها إلى هذا المذهب هو مذهب المحدثين والمذهب الحنبلي باعتبار ما قدمناه من القرابة القريبة بين المحدثين وأهل الظاهر. ثم يليها في ذلك المذهب الشافعي، باعتبار صداقته للمحدثين وقرب أصوله، ثم يأتي المذهب الحنفي والمذهب المالكي في الطرف القصي من المذهب الظاهري، ولهذا صوب ابن حزم سهام نقده وتعنيفه لهذين المذهبين، لتوسعهما في الرأي، مع كثرة أتباعهما، ولم يسلم الشافعية من هجومه أيضًا، لقولهم بالقياس، أما الحنابلة والمحدثون بعامة، فلم يتعرض لهم على الإطلاق. وهو لا يلوم أئمة المذاهب بقدر ما يعنف المقلدين لهم، أما الأئمة فهم مجتهدون، يصيبون ويخطئون، وفي الحالتين هم مثابون.
وفي ذلك يقول ابن حزم: «وَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا - رَحِمَهُمَا اللهُ - اجْتَهَدَا وَكَانَا مِمَّنْ أَمَرَ بِالاِجْتِهَادِ، إِذْ كُلُّ مُسْلِمٍ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي دِينِهِ وَجَرْيًا عَلَى طَرِيقِ [مَنْ سَلَفَ] فِي تَرْكِ
[ ٣٩٦ ]
التَّقْلِيدِ - فَأُجِرَا فِيمَا أَصَابَا فِيهِ أَجْرَيْنِ وَأَجْرًا فِيمَا أَخْطآ فِيهِ أَجْرًا وَاحِدًا وَسَلِمَا مِنَ الوِزْرِ فِي ذَلِكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَلَّدَهُمَا مَنْ شَاءَ اللَّهُ - ﷿ -، مِمَّنْ أَخْطَأَ وَابْتَدَعَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَهِ - ﷿ - وَسُنَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَإِجْمَاعَ المُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ المُقَلِّدُونَ لِلْشَّافِعِيِّ - ﵀ - إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ - ﵁ - أَصَّلَ أُصُولًا، الصَّوَابُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنَ الخَطَأِ، فَالمُقَلِّدُونَ لَهُ أَعْذَرُ فِي اتِّبَاعِهِ فِيمَا أَصَابَ فِيهِ، وَهُمْ أَلْوَمُ وَأَقَلُّ عُذْرًا فِي تَقْلِيدِهِمْ إِيَّاهُ فِيمَا أَخْطَأَ فِيهِ. وَأَمَّا أَصْحَابُ الظَّاهِرِ فَهُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنَ التَّقْلِيدِ» (١).
ولا شك أن داود قد ناظر مخالفيه، منافحًا عن مذهبه ومقررًا لأصوله. وقد ذكر ابن السبكي أنه اطلع على " رسالة " داود، تدل على عظيم معرفته بالجدل، وكثرة صناعته في المناظرة وكان موضوع هذه الرسالة هو الرد على المُزَنِيِّ، وكان المُزَنِيُّ قد رد على داود إنكار القياس، ويقول ابن السبكي: «إِنَّ دَاوُدَ قَدْ شَنَّعَ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ عَلَى المُزَنِيِّ كَثِيرًا» (٢).
ونقل ابن عبد البر عن المزني بعض كلامه في تأييد القياس، ومن ذلك قول المُزَنِيِّ: «الفُقَهَاءُ مِنْ عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إلَى يَوْمِنَا، وَهَلُمَّ جَرًّا اسْتَعْمَلُوا المَقَايِيسَ فِي الفِقْهِ فِي جَمِيعِ الأَحْكَامِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ، قَالَ: وَأَجْمَعُوا بِأَنَّ نَظِيرَ الحَقِّ حَقٌّ، وَنَظِيرَ البَاطِلِ بَاطِلٌ، فَلاَ يَجُوزُ لأَحَدٍ إنْكَارُ القِيَاسِ، لأَنَّهُ التَّشْبِيهُ بِالأُمُورِ وَالتَّمْثِيلُ عَلَيْهَا» (٣).
وقد قال المزني لبعض مخالفيه - ولعل هذا المخالف كان ظاهريًا أو من
_________________
(١) " الإحكام ": ٢/ ١٢٠.
(٢) انظر " طبقات الشافعية الكبرى ": ٣/ ٤٦.
(٣) " إعلام الموقعين ": ٢/ ٢٤٦.
[ ٣٩٧ ]
أهل الحديث -: «" مِنْ أَيْنَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، وَلِمَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ "، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: " قَدْ عَلِمْتَ يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ أَنَّا لَسْنَا لِمِّيَّةً "، فَقَالَ المُزَنِيُّ: " إِنْ لَمْ تَكُونُوا لِمِّيَّةً فَأَنْتُمْ إِذَنْ فِي عَمِيَّةٍ "» (١).
وقد نقلنا آنفًا أن داود أكثر من تشنيعه على المزني. والمطلع على كتب ابن حزم الظاهري، لا يخطئ ملاحظة الإكثار من تشنيعه على مخالفيه. ولعل ذلك كان نتيجة لتحالف المذاهب القائلة بالقياس، ورميها الظاهرية عن قوس واحدة. وقد كانت العلاقة بين هذه المذاهب والمذهب الظاهري متوترة دائمًا، أشبع جوها بعدم التسامح وسوء الظن، وتساقط فيه وابل من التهم والتنابز بالألقاب.
وقد اتهم الظاهرية بأنهم يشبهون الخوارج، ويجمعهما اتباع الظاهر لأن مما عيب به الخوارج - اتباعهم ظاهر القرآن على غير تدبر ولا نظر في مقاصده ومعاقده، والقطع بالحكم به بادئ الرأي والنظر. ويقول الشاطبي: «وَمِنْ هُنَا ذَمَّ بَعْضُ العُلَمَاءِ رَأْيَ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَقَالَ: إِنَّهَا بِدْعَةٌ ظَهَرَتْ بَعْدَ المِائَتَيْنِ» (٢).
ولا يكتفي ابن العربي بما يقال من أن الظاهرية يشبهون الخوارج، بل يجعل أهل الظاهر طائفة من الخوارج وفرقة من فرقهم، وقال عنهم، إنهم «فِرْقَةٌ سَخِيفَةٌ، مُكَفِّرَةٌ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، وَهِيَ التِي لَا تَقُولُ إِلَّا مَا قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَتُنْكِرُ النَّظَرَ أَصْلًا، وَتَنْفِي التَّشْبِيهَ وَالتَّمْثِيلَ الذِي لَا يَعْرِفُ اللَّهَ إِلَّا بِهِ».
ثم ذكر أمرهم في الأندلس وانتشارهم هناك بتأثير ابن حزم، فقال: «وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ اسْتَشْرَى دَاؤُهُ، وَعَزَّ عِنْدَنَا دَوَاؤُهُ، وَأَفْتَى الجَهَلَةُ بِهِ،
_________________
(١) " جامع بيان العلم ": ٢/ ١٠٧.
(٢) انظر " الموافقات "، طبعة تونس: ٤/ ٢٩.
[ ٣٩٨ ]
فَمَالُوا إِلَيْهِ وَغَرَّهُمْ رَجُلٌ كَانَ عِنْدَنَا، يُقَالُ لَهُ ابْنُ حَزْمٍ، انْتَدَبَ لِإِبْطَالِ النَّظَرِ، وَسَدِّ سُبُلِ العِبَرِ، وَنَسَبَ نَفْسَهُ إِلَى الظَّاهِرِ، اقْتِدَاءً بِدَاوُدَ وَأَشْيَاعِهِ فَسَوَّدَ القَرَاطِيسَ وَأَفْسَدَ النُّفُوسَ » (١).
لم يترك ابن حزم هذا الاتهام دون أن يرد عليه. فقد حكى قول من يخشى على الظاهرية الضلال لأخذهم بالظاهر، كما ضلت الخوارج بحملهم القرآن على ظاهره، فخطأ هذا القول، وأكد أن الخوارج لم يضلوا بذلك، بل ضلوا لتعلقهم بآيات، وتركهم غيرها مما هو في موضوعها، كما ضلوا أيضًا بتركهم بيان الذي أمره الله - ﷿ - أن يبين للناس ما نزل إليهم، ويعني بذلك السنة. ولا يكفي بذلك بل يؤكد أن عدم الأخذ بالظاهر هو الذي يقود إلى الضلال، كما ضلت الباطنية بتركهم الظاهر (٢).
ولقد أَبَى كَثِيرٌ من العلماء أن يعترف بالقيمة العلمية للمذهب الظاهري، حتى إنهم لا يعتبرون خلافهم مؤثرًا على الإجماع إن تحقق.
وينقسم العلماء إزاء الاعتراف بالظاهرية والاعتداد بخلافهم في الفروع إلى ثلاثة أقسام:
- القسم الأول: لا يعتبر خلافهم مطلقًا، ولا يبالي بهم، وافقوا أم خالفوا، وغاية ما يمكن أن يعترف لهم به هو أنهم نقلة للحديث، لكنهم ليسوا من علماء الشريعة، ولا يبلغون درجة الاجتهاد، ولا يجوز تقليدهم القضاء، وممن يرى هذا الرأي إسماعيل القاضي، وأبو بكر الرازي
_________________
(١) " سنن الترمذي بشرح ابن العربي ": ١٠/ ١٠٨، ١١٣؛ وانظر " ابن حزم ورسالته في المفاضلة بين الصحابة ": ٥، ٦٥، ٦٦، تحقيق سعيد الأفغاني.
(٢) " الإحكام ": ٣/ ٣٩، ٤٠.
[ ٣٩٩ ]
الجصاص، وأبو إسحاق الإسفراييني وإمام الحرمين، وَرَأْيُ ابن أبي حاتم قريب من ذلك، فقد ذكر في ترجمته لداود: أَنَّهُ «نَفَى القِيَاسَ وَأَلَّفَ فِي الفِقْهِ عَلَى ذَلِكَ كُتُبًا شَذَّ فِيهَا عَنْ السَّلَفِ وَابْتَدَعَ طَرِيقَةً هَجَرَهُ أَكْثَرُ [أَهْلِ] العِلْمِ عَلَيْهَا. وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ صَدُوقٌ فِي رِوَايَتِهِ [وَنَقْلِهِ] وَاعْتِقَادِهِ، إِلَّا أَنَّ رَأْيَهُ أَضْعَفُ الآرَاءِ، وَأَبْعَدُهَا مِنْ طَرِيقِ الفِقْهِ وَأَكْثَرُهَا شُذُوذًا» (١).
- القسم الثاني: يعتد بهم، ويعترف بخلافهم، إلا فيما خالف القياس الجلي، وهو رأي ابن الصلاح.
- القسم الثالث: يعتد بخلافهم مطلقًا، وهو الذي استقر عليه الأمر عند الشافعية، واختاره ابن السبكي، حيث قال: «فَالذِي أرَاهُ الاِعْتِبَارُ بِخِلاَفِ دَاوُدَ [وَوِفَاقِهِ] (*). نَعَمْ لِلْظَّاهِرِيَّةِ مَسَائِلَ لَا يُعْتَدُّ بِخِلاَفِهِ فِيهَا لَا مِنْ حَيْثُ إِنَّ دَاوُدَ غَيْرُ أَهْلٍ لِلْنَّظَرِ بَلْ لِخَرْقِهِ فِيهَا إِجْمَاعًا تَقَدَّمَهُ» (٢).