وتناولنا لهذه الأصول لن يكون على سبيل الاستيعاب، فليس هذا من قصدنا، إلى جانب أن ابن حزم قد أغنانا عنه بما كتبه في أصول الظاهرية في " الإحكام " و" النبذ " وغيرهما.
ولكن الذي يعنينا هنا هو أن نشير إلى أهم معالم المنهج الظاهري، وأن نسجل أوجه الخلاف أو الوفاق بينه وبين منهج المحدثين، في كل موضع تدعو الحاجة فيه إلى الموازنة.
أصول الظاهرية هي: القرآن، والسنة، والإجماع، والدليل. فإن لم يكن شيء من ذلك اعتمدوا على الاستصحاب. وكل هذه الأصول نصوص أو راجعة إلى النصوص.
يقول ابن حزم مبينًا هذه الأصول، وموضحًا معنى الدليل: «وَوَجَدْنَا فِي القُرْآنِ إِلْزَامَنَا الطَّاعَةَ لِمَا أَمَرَنَا بِهِ رَبُّنَا تَعَالَى فِيهِ وَلِمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّهُ - ﷺ - مِمَّا نَقَلَهُ عَنْهُ الثِّقَاتُ أَوْ جَاءَ عَنْهُ بِتَوَاتُرٍ أَجْمَعَ عَلَيْهِ جَمِيعُ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ عَلَى نَقْلِهِ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - فَوَجَدْنَاهُ تَعَالَى قَدْ سَاوَى بَيْنَ هَذِهِ الجُمَلِ الثَّلَاثِ فِي وُجُوبِ طَاعَتِهَا عَلَيْنَا».
«فَنَظَرْنَا فِيهَا فَوَجَدْنَا مِنْهَا جَمُلًا إذَا اجْتَمَعَتْ قَامَ مِنْهَا حُكْمٌ مَنْصُوصٌ عَلَى مَعَنَاهُ، فَكَانَ ذَلِكَ كَأَنَّهُ وَجْهٌ رَابِعٌ، إِلَّا أَنَّهُ غَيْرَ خَارِجٍ عَنْ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَنَا، وَذَلِكَ نَحْوَ قولَهُ - ﵇ -: " كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ " فَأَنْتَجَ ذَلِكَ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ فَهَذَا مَنْصُوصٌ عَلَى مَعْنَاهُ نَصًّا جَلِيًّا ضَرُورِيًّا
[ ٣٦٤ ]
وَمِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، وَقَدْ تَيَقَّنَّا بِالْعَقْلِ الَّذِي بِهِ عَلِمْنَا الأَشْيَاءَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ مَعْدُودٍ فَهُوَ ثُلُثٌ وَثُلُثَانِ فَإِذَا كَانَ لِلْأُمِّ الثُّلُثُ فَقَطُّ، وَهِيَ وَالأَبُ وَارِثَانِ فَقَطُّ فَالثُّلُثَانِ لِلْأَبِ. وَهَذَا عِلْمٌ ضَرُورِيِّ لَا مَحِيدَ عَنْه لِلْعَقْلِ وَوَجَدْنَا ذَلِكَ مَنْصُوصًا عَلَى الْمَعْنَى، وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى اللَّفْظِ. وَمِثْلُ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَكَمَ بِأَنَّ دَمَ زَيْدٍ حَرَامٌ [لِإِسْلَامِهِ] ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ حَلَّ دَمُهُ. فَقُلْنَا: قَدْ تَيَقَّنَّا بِالنَّصِّ وُجُوبُ الطَّاعَةِ لِلْإِجْمَاعِ، وَقَدْ صَحَّ نَقْلُ الإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ دَمَهُ حَرَامٌ فَلَا يَجُوزُ لَنَا خِلَافَ ذَلِكَ إِلَّا بِنَصٍّ مَنْقُولٍ بِالثِّقَاتِ أَوْ بِتَوَاتُرٍ أَوْ بِإِجْمَاعٍ نَاقِلٍ لَنَا، فَهَذَا مَنْصُوصٌ عَلَى مَعْنَاهُ، وَمِثْلُ أَنْ يَدَّعِي زَيْدٌ عَلَى عَمْرٍو بِمَالٍ فَنَقُولُ: إِنَّ اللَهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى إِيجَابِ اليَمِينِ عَلَى عَمْرٍو لِأَنَّ النَّصَّ قَدْ جَاءَ بِإِيجَابِ اليَمِينِ عَلَى مَنْ ادُّعِيَ عَلَيْهِ، وَعَمْرٌو مُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَدْ أَوْجَبَ النَّصُّ اليَمِينَ عَلَى عَمْرٍو. فَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الدِّيَانَةِ أَصْلًا إِلَّا مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الأَرْبَعَةِ وَهِيَ كُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى النَّصِّ» (١).
وقد جعل ابن حزم النص مرادفًا للظاهر، فقال: «وَالنَّصُّ: هُوَ اللَّفْظُ الوَارِدُ فِي القُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ، المُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى حُكْمِ الأَشْيَاءِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ نَفْسُهُ» (٢).
وقد سبق أن ذكرنا أن أهل الظاهر يلتزمون بمذهب المحدثين في اعتبارهم القرآن والسنة في مرتبة واحدة، هي مرتبة النصوص. فنصوص القرآن والسنة يكمل بعضها بعضًا، ويضاف بعضها إلى بعض، سواء من حيث التأكيد أو البيان أو التأسيس، ولذلك كان للسنة أن تخصص عام القرآن
_________________
(١) " الإحكام ": ١/ ٦٨، ٦٩، وانظر ١/ ٧١.
(٢) " الإحكام ": ١/ ٤٢.
[ ٣٦٥ ]
وتقيد مطلقه وتبين إجماله، وتنسخ من أحكامه، وينسخ القرآن من أحكامها، بل جعلوا أخبار الآحاد مفيدة للعلم، لا للظن الراجح كما هو مذهب الجمهور، وقد خالفوا أيضًا في اعتبارهم دلالة العام قطعية لا ظنية، وإن كان المؤدى واحدًا من حيث إنهم يتفقون مع الجمهور في قدرة السنة على تخصيص القرآن، وإن كان الطريق مختلفًا فالجمهور يعتبر العام ظنيًا، وأخبار الآحاد ظنية، فجاز تخصيص القطعي بالقطعي.