وكما تفاوت الصحابة في مقدار ما أثر عنهم من فتوى تفاوتوا في مقدار روايتهم للحديث ما بين مُقِلٍّ وَمُكْثِرٍ، غير أن قلة المروي من الحديث عن فقهاء الصحابة - ممن كانت لهم عناية بالفتوى - لا تعني أنهم لم يكونوا يعلمون من الحديث إلا ما رووه، فإنهم ما كانوا يرون الحديث إلا في مناسبة تستدعيه، إذ لم يكن من همهم ولا من قصدهم الاشتغال بالرواية وحدها. إنهم في الحقيقة قد امتلأت قلوبهم بسنة الرسول - ﷺ - وأشربت بها نفوسهم، وامتزجت
_________________
(١) " إعلام الموقعين ": ١/ ١٨.
(٢) " إعلام الموقعين ": ١/ ٢٠.
(٣) " الطبقات " لابن سعد: ج ٣ قسم ١ ص ٣٩.
(٤) " سير أعلام النبلاء " للذهبي: ٢/ ٣١٢ تحقيق الأستاذ إبراهيم الأبياري.
[ ١٤٤ ]
بتعاليمها دماؤهم، فأصبحت دَمًا يَسْرِي في عروقهم، بعد أن هضموها وتمثلوها، وأدركوا مقاصدها، فصدروا عنها في كل ما يمس حياتهم: في فتاويهم، وقضاياهم، وسلوكهم الفردي والجماعي. فإذا كان بعض هؤلاء المكثرين في الفتوى لم يكثروا من رواية الحديث ولم يشغلوا به، فليس معنى ذلك أنهم لم يكن عندهم علم بالحديث، بل كان علمهم الكثير به هو الذي يوجه حياتهم، ويقود تصرفاتهم وتقوم عليه فتاواهم وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ، ولم يكثروا من روايته خوفًا من الخطأ، فقد روى ابن سعد عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا حَدَّثَ أَتَمَّ حَدِيثًا وَلا أَحْسَنَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. إِلا أَنَّهُ كَانَ رَجُلا يَهَابُ الحَدِيثَ» (١). وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: هَلْ تُنْكِرُ مِمَّا يُحَدِّثُ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ اجْتَرَأَ، وَجَبُنَّا» (٢).
وإنما اشتغل برواية الحديث منهم من تأخر به العصر بعد الفتوحات الإسلامية واستقرار المسلمين، فاحتيج إليه، وقصد للفتوى والحديث.
ولعل بدء الاشتغال برواية الحديث وتدريسه، واتخاذ الحلقات الخاصة به، كان بعد وفاة عمر بن الخطاب، وعلى يد أبي هريرة - ﵄ - بدليل قول أبي هريرة: «لَقَدْ حَدَّثَتُكُمْ بِأَحَادِيثَ، لَوْ حَدَّثْتُ بِهَا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ لَضَرَبَنِي عُمَرُ بِالدِّرَّةِ» (٣). وبدليل إنكار عائشة - ﵂ - عليه سرده للحديث وتتابع الرواية فيه في موضوعات مختلفة لم تنبعث عن حاجة الناس وسؤالهم في مجلس التحديث (٤). فقد روى ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن
_________________
(١) " الطبقات ": ج ٣ قسم ١ ص ٣٩.
(٢) " المحلى " لابن حزم: ص ١٩٦ "؛ " السنة قبل التدوين ": ص ٤٣٢.
(٣) و(٤) " جامع بيان العلم "، لابن عبد البر: ٢/ ١٣١، وقد يكون مقصود عائشة - ﵂ - أنها تنكر على أبي هريرة سرعة إلقائه، ولكن ما اشتهر من إنكار بعض الصحابة عليه كثرة حديثه ترجح ما ذهبت إليه.
[ ١٤٥ ]
عائشة قالت: «أَلَا يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَاءَ [فَجَلَسَ] إِلَى جَانِبِ حُجْرَتِي، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، يُسْمِعُنِي [ذَلِكَ]، وَكُنْتُ أُسَبِّحُ، فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ».
وكان لأبي هريرة مواعيد منظمة للدرس، فَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُومُ كُلَّ خَمِيسٍ فَيُحَدِّثُهُمْ» (١). وكان الناس يتواعدون في بعض الأماكن ليسمعوا منه الحديث، فيقضي ساعات طويلة يحدثهم (٢).
وإذا استعنا بإحصائية ابن حزم في عدد الأحاديث التي رواها كل صحابي فسوف نرى أبا هريرة في المقدمة، حيث روى [٥٣٧٤] خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثًا، يليه عبد الله بن عمر بن الخطاب [٢٦٣٠]، ثم أنس بن مالك [٢٢٨٦]، ثم عائشة [٢٢١٠]، ثم عبد الله بن عباس [١٦٦٠] (٣).
وسوف نختار هؤلاء الصحابة المكثرين من رواية الحديث - باستثناء أنس - لنبين جوانب من فقههم ونلقي الضوء على بعض اتجاهاتهم لندرك تأثيرهم.
وقبل ذلك نرى أنه من الواجب أن نشير إلى ما قررناه من أن الاشتغال برواية الحديث قد بدأ على يد أبي هريرة - بعد وفاة عمر - لا يتعارض مع ما تقدم من أن تجمع أهل الحديث كطائفة متميزة لم يوجد في عصر الصحابة والتابعين، حيث لم يتميز الحديث من الفقه، أما في القرن الثاني وما بعده حيث أفرد الحديث بالتصنيف، وأصبح الاستكثار منه ومن تعدد طرقه هو الغاية من جمعه، دون
_________________
(١) و(٢) " السنة قبل التدوين ": ص ٤٢٢.
(٢) انظر " أسماء الصحابة الرواة، وما لكل واحد من العدد "، ضمن " جوامع السيرة وخمس رسائل أخرى " لابن حزم: ص ٢٧٥ وما بعدها.
[ ١٤٦ ]
نظر إلى فهم، أو عمل، أو تطبيق - منذ هذا القرن الثاني تميز المحدثون وأخذوا مكانهم بين المذاهب المختلفة. يقول بِشْرِ بْنِ الحَارِثِ الحَافِي (ت ٢٢٢ هـ) مُخَاطِبًا المُحَدِّثِينَ: «أَدُّوا زَكَاةَ هَذَا الحَدِيثِ. قَالُوا وَمَا زَكَاتُهُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْمَلُوا بِخَمْسَةِ أَحَادِيثَ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْ حَدِيثٍ» (١) وهذه العبارة تدل دلالة واضحة على كثرة الجمع وقلة العمل.
هؤلاء الصحابة الأربعة المكثرون من رواية الحديث، والذين اخترناهم للدراسة، كنماذج للمحدثين في عصر الصحابة، نستطيع أن نقسمهم إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى: تضم السيدة عائشة وابن عباس.
المجموعة الثانية: تضم أبا هريرة وابن عمر - ﵃ أَجْمَعِينَ -.
وهذا التقسيم يستند على أسس كثيرة، تبرزها المقارنة بين المجموعتين، فمن هذه الأسس: