هؤلاء الصحابة الذين أثنى الله عليهم، واقتبسوا من مشكاة النبوة - لم
_________________
(١) " الإحكام " لابن حزم: ٢/ ٨٢، ٨٣. وإليه مال الآمدي أيضًا واحتج له. انظر " الإحكام " للآمدي: ٢/ ١٣٠، ١٣٣.
(٢) " مقدمة النووي لصحيح مسلم ": ١/ ٣٥، ٣٦ ومال إلى ذلك الغزالي في " المستصفى ": ١/ ١٦٥.
(٣) " السنة قبل التدوين " للدكتور [محمد] عجاج الخطيب: ص ٢٨٩، ٢٩٠. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]: (*) انظر " فتح الباري بشرح صحيح البخاري "، لابن حجر العسقلاني: ٨/ ٤٤، طبعة سنة ١٣٧٩ هـ، نشر دار المعرفة. بيروت - لبنان. (**) قال الإمام الذهبي: الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الأُمَوِيِّ، أَبُو مَرْوَانَ. (ت ٣١ هـ). وَكَانَ لَهُ مِنَ الوَلَدِ عِشْرُونَ ذَكَرًا وَثَمَانِ بَنَاتٍ، أَسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ، وَقَدِمَ المَدِينَةَ، فَكَانَ فِيمَا قِيلَ يُفْشِي سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَطَرَدَهُ وَسَبَّهُ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى بَطْنِ وَجٍّ، فَلَمْ يَزَلْ طَرِيدًا إِلَى أَنْ وُلِّيَ عُثْمَانُ، فَأَدْخَلَهُ المَدِينَةَ وَوَصَلَ رحِمَهُ وَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، لِأَنَّهُ كَانَ عَمَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا نَفَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ لِأَنَّهُ كَانَ يَحْكِيهِ فِي مِشْيَتهِ وَبَعْضِ حَرَكَاتِهِ. وَقَدْ رُوِيَتْ أَحَادِيثٌ مُنْكَرَةٌ فِي لَعْنِهِ لَا يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِهَا، وَلَيْسَ لَهُ فِي الجُمْلَةِ خُصُوصِ الصُّحْبَةِ بَلْ عُمُومُهَا. نقلًا عن " تاريخ الإسلام " للذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، ٢/ ١٩٨، الطبعة الأولى: ٢٠٠٣ م، دار الغرب الإسلامي. بيروت - لبنان.
[ ١٤٢ ]
يكونوا متساويين في القدرات العقلية، ولم تكن الظروف المهيأة للتحصيل العلمي مواتية لكل منهم، إذ أن بعضهم كان يطيل ملازمة الرسول - ﷺ - فيسمع منه ويتفقه عليه، على حين أن آخرين منهم كانوا مشغولين بالجهاد في سبيل الله، أو بشؤون الحياة من زراعة، أو تجارة أو غير ذلك، كما قال طلحة بن عبيد الله الصحابي: «إِنَّا كُنَّا أَهْلَ بُيُوتَاتٍ وَغَنَمٍ وَعَمَلٍ، كُنَّا نَأْتِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ - طَرَفَيْ النَّهَارِ» (١)، ولذلك قال مسروق: «جَالَسْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَكَانُوا كَالإِخَاذِ: الإِخَاذَةُ تَرْوِي الرَّاكِبَ، وَالإِخَاذَةُ تَرْوِي الرَّاكِبَيْنِ وَالإِخَاذَةُ تَرْوِي العَشَرَةَ، وَالإِخَاذَةُ لَوْ نَزَلَ بِهَا أَهْلُ الأَرْضِ لأَصْدَرْتُهُمْ، وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ - يعني ابن مسعود - مِنْ تِلْكَ الإِخَاذِ» (٢). ولذلك كان يغيب عن كثير من الصحابة سنن حفظها غيرهم (٣).
وإذا كان الإحصاء التقريبي لعدد الصحابة الذين توفي عنهم رسول الله - ﷺ - هو مائة وأربعة عشر ألفًا (٤) فإن من أثر عنهم الفتوى من الصحابة لا يتجاوز المائتين، فقد ذكر ابن حزم أسماء الصحابة مرتبًا لهم حسب ما أثر عنهم من الفتوى قلة وكثرة، ثم قال: «فَهُمْ مِائَةٌ وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا وَعِشْرُونَ امْرَأَةً، فَالجَمِيعُ مِائَةٌ وَاثْنَانِ وَسِتُّونَ، مِنْهُمْ المُكْثِرُونَ سَبْعَةٌ، ذَكَرْنَاهُمْ أَوَّلًا عَلَى الوَلَاءِ، وَمِنْهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مُتَوَسِّطُونَ، وَالبَاقُونَ مُقِلُّونَ جِدًّا» (٥).
_________________
(١) " السنة قبل التدوين " للدكتور محمد عجاج الخطيب: ص ٤٢٥.
(٢) " إعلام الموقعين ": ١/ ١٨.
(٣) انظر أمثلة لذلك في " الإحكام " لابن حزم: ٢/ ١٢ وما بعدها.
(٤) انظر: " السنة قبل التدوين ": ص ٤٠٦.
(٥) الرسالة الثالثة من " جوامع السيرة وخمس رسائل أخرى " لابن حزم: ص ٢٢٢، وانظر أيضًا أسماء المكثرين والمتوسطين والمقلين في " إعلام الموقعين " مع " حادي الأرواح " لابن القيم: ١/ ١٣، ١٦.
[ ١٤٣ ]
ولا نستطيع أن نحكم بقلة الفقه على من أثر عنه قليل من الفتوى، فقد تكون هناك أسباب ثانوية صاحبت هذه القلة، كالتبكير بالوفاة، أو عدم التفرغ للتعليم حتى ينهض التلاميذ بنقل الفتوى، أو غير ذلك فمعاذ بن جبل - ﵁ - كان من كبار فقهاء الصحابة، وَكَانَ أَحَدَ أَرْبَعَةٍ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِأَخْذِ القُرْآنِ عَنْهُمْ (١)، وكان الصحابة إذا تحدثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبة له (٢)، لكن وفاته في وقت مبكر (سنة ١٨ هـ) قللت من فتاواه لقلة الآخذين عنه، وكذلك عثمان بن عفان كان أعلم الصحابة بالمناسك (٣). وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «لَوْ هَلَكَ عُثْمَانُ وَزَيْدٌ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ، لَهَلَكَ عِلْمُ الفَرَائِضِ، لَقَدْ أَتَى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ وَمَا يَعْلَمُهَا غَيْرُهُمَا» (٤)، ومع ذلك فلم يكن من المكثرين في الفتوى لأنه كان يهاب الحديث - كما نقل ابن سعد -، ولأن الظروف السياسية التي أحاطت به لم تمكن لفتاويه من الانتشار.