لعل من الأفضل قبل أن نمضي في البحث، وتتشعب بنا مسائله أن نحدد معاني بعض الألفاظ التي عليها مدار الموضوع، وأن نوضح العلاقة بين معانيها ومعاني ألفاظ قريبة منها في الاستعمال.
وسأتناول في هذا التمهيد النقاط الآتية بإيجاز:
• بين الاتجاهات والمنهج.
• بين الحديث والسنة.
• الفقه: معناه، لمحة عن تطوره، علاقته بالحديث، فضله.
[أ] بَيْنَ الاِتِّجَاهَاتِ وَالمَنْهَجِ:
نعني (بالاتجاهات) الطرق التي سار فيها المُحَدِّثُونَ ليصلوا إلى استنباط الأحكام، مع التجاوز عن المنحنيات اليسيرة التي سار فيها فريق منهم دون إغفال لمفارق الطرق التي تباعد بينهم وبين غيرهم.
أو هي الخصائص والسمات العامة المُمَيِّزَةِ لفقه أهل الحديث.
أو هي القضايا الكلية التي كانت تحكم المُحَدِّثِينَ عند نظرهم في الفقه.
أما المنهج فهو أخص من ذلك، إذ هو الطريق الواضح الذي يبين كيفية التطبيق لهذه القضايا والسمات.
ويمكن أن أقول إن كاتبًا ما له اتجاه اجتماعي، لكن منهجه هو سلوكه إزاء قضايا المجتمع، وكيفية علاجه لها، وتنبيهه لمشكلات عصره، واقتراحاته لحلها.
[ ١١ ]
فالاتجاه عام وصفي، أما المنهج فهو خاص تطبيقي.
وقد يعين على هذه التفرقة قول الله - ﷿ - ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١).
فالشرعة - أي الشريعة - هي الفرائض والحدود والحلال والحرام. والمنهاج هو كيفية تقنين هذه الأحكام، وطريقة تنفيذها، وبيان السبل التطبيقية لها، وغير ذلك مما يختلف باختلاف الأديان.
وبهذا تبرز العلاقة الوثيقة بين الاتجاه والمنهج، فللحصول على الاتجاه، يلزم التعرف على الجزئيات، وإعمال النظر في المنهج، وتلك طريقة تجمع بين التحليل والتركيب.
[ب] بَيْنَ الحَدِيثِ وَالسُنَّةِ:
الحديث في اللغة، يطلق على الجديد، ضد القديم، كما يطلق على الخبر والقصص. في " القاموس المحيط ": «والحديث: الجديد، والخبر، كالحديثي» وفي " لسان العرب ": «والحديث: الجديد من الأشياء، والحديث: الخبر، يأتي على القليل والكثير والجمع أحاديث، كقطيع وأقاطيع، وهو شاذ على غير قياس » ثم قال صاحب " اللسان ": «ورجل حدِث، وحدوث، وحدْث، وحديث، ومحدث، بمعنى واحد: كثير الحديث، حسن السياق له، والأحاديث في الفقه وغيره معروفة».
وعند إطلاق لفظ الحديث الآن ينصرف إلى حديث رسول الله - ﷺ -، وهو ما نقل عنه من قول أو فعل أو تقرير.
_________________
(١) [المائدة: ٤٨]. و«الشرعة»: إما من شرع بمعنى وَضَّحَ وَبَيَّنَ وإما من الشروع في الشيء، وهو الدخول فيه، الشريعة بمعنى المشروعة: وهي الأشياء التي أوجب الله على المكلفين أن يشرعوا فيها و«المنهاج»: هو الطريق الواضح. انظر " مفاتيح الغيب " للرازي؛ و" تفسير المنار ": ٦/ ٤١٣، ٤١٤.
[ ١٢ ]
وتخصيص الحديث بما قاله الرسول - ﷺ - وُجِدَ في وقت مبكر أي في حياته - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -.
يَشْهَدُ لِهَذَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَأَجَابَهُ الرَّسُولُ - ﷺ -: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لاَ يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ. لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ» (١) ثم اتسع استعمال الحديث بعد وفاة الرَّسُولِ - ﷺ - فأصبح يشمل مع القول فعله وتقريره - ﷺ -.
وللحديث أقسام كثيرة باعتبارات مختلفة ليس هنا موضع بحثها.
أما السُنَّةُ فلها استعمالات كثير في اللغة، فتستعمل بمعنى الطريقة، والطبيعة والسيرة: حسنة كانت أو قبيحة.
«فَسُنَّةُ كُلِّ أَحَدٍ مَا [عُهِدَتْ] مِنْهُ المُحَافَظَةُ عَلَيْهِ، وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ، كَانَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الحَمِيدَةِ أَوْ غَيْرِهَا» (٢). وإذا أضيفت إلى لفظ الجلالة، فقيل: (سُنَّةُ اللَّهِ) فمعناها أحكامه وأمره ونهيه أو قوانينه الطبيعية والإنسانية.
والسنة في الشرع لها عدة إطلاقات (٣)، يجمعها أنها الطريقة المرضية المسلوكة في الدين. ومن أشهر هذه الإطلاقات:
١ - أنها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد الكتاب العزيز، وعرفها بعض العلماء حينئذٍ بأنها «مَا صَدَرَ عَنِ الرَّسُولِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مِمَّا لَيْسَ بِمَتْلُوٍّ، وَلَا هُوَ مُعْجِزٌ وَلَا دَاخِلٌ فِي الْمُعْجِزِ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَقْوَالُ النَّبِيِّ
_________________
(١) " البخاري بحاشية السندي ": ٤/ ١٢٦.
(٢) " الإحكام " للآمدي: ١/ ٢٤١.
(٣) انظر هذه الإطلاقات في " كشاف اصطلاحات الفنون ": ١/ ٧٠٣ وما بعدها؛ و" الموافقات ": ٣/ ٢، ٣.
[ ١٣ ]
- ﵇ -، وَأَفْعَالُهُ وَتَقَارِيرُهُ» (١) وقد قرر ابن بدران «أَنَّ هَذَا مَعْنَاهَا بِاعْتِبَارِ العُرْفِ الخَاصِّ (٢) وَهِيَ بِهَذَا تُشَارِكُ الحَدِيثَ فِي مَعْنَاهَا المُتَقَدِّمِ» وإن كان الحديث يشمل ما ينقل في الأحكام وغيرها، أما السنة فهي خاصة بما يقرر حكمًا أو يستدل بها عليه.
٣ - كما تطلق السُنَّةُ على ما كان من العبادات نافلة منقولة عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - فإن تعلقت بتركها كراهة وإساءة فهي سُنَّةُ الهُدَى، وَتُسَمَّى سُنَّةً مُؤَكَّدَةً، كالأذان والجماعة وسنة الفجر وغيرها، وإنْ لم تتعلق بتركها كراهة وإساءة تسمى سنن الزوائد «أَوْ سُننًا غَيْرَ مُؤكَّدَةٍ» (٣).
وقد تطلق السنة على العادة الدينية أو القانونية التي أقرها الرسول - ﷺ - وكانت سائدة في عصره، ونُقلت عن السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة المُقتدى بهم. وهذا معناها باعتبار العرف العام (٤).
وهذا الإطلاق الثالث للسنة كان هو الأسبق، وهو الذي كان شائعًا في العصر. قال السرخسي: «وَالسَّلَفُ كَانُوا يُطْلِقُونَ اسْمَ السُنَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - ﵄ -، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ البَيْعَةَ عَلَى سُنَّةِ العُمَرَيْنِ» (٥) كما كان شائعًا على ألسنة العلماء في القرن الثاني للهجرة. يَقُولُ ابْنُ مَهْدِي (٦)
عَنْ
_________________
(١) " الإحكام " للآمدي: ١/ ٢٤١.
(٢) " المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ": ص ٨٩.
(٣) " كشاف اصطلاحات الفنون ": ١/ ٧٠٤.
(٤) " المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ": ص ٨٩؛ " نظرة عامة في [تاريخ] الفقه الإسلامي " للدكتور علي حسن عبد القادر: ١/ ١١٥.
(٥) " أصول السرخسي ": ١/ ١١٤.
(٦) " تهذيب التهذيب ": ٣/ ١٠؛ و" تقدمة الجرح والتعديل ": ص ١٧٧.
[ ١٤ ]
حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: «لَمْ أرَ أَحَدًا قَطُّ أَعْلَمَ بِالسُنَّةِ وَلاَ بِالحَدِيثِ الذِي يَدْخُلُ فِي السُّنَّةِ مِنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ». والمتبادر من هذا اللفظ أنّ السنة تغاير الحديث، وأنها أعم منه، وقال عبد الرحمن بن مهدي أيضًا: «النَّاسُ عَلَى وُجُوهٍ. فَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ إِمَامٌ فِي السُنَّةِ إِمَامٌ فِي الحَدِيثِ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ إِمَامٌ فِي السُنَّةِ وَلَيْسَ بِإِمَامٍ فِي الحَدِيثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ إِمَامٌ فِي الحَدِيثِ لَيْسَ بِإِمَامٍ فِي السُنَّةِ، فَأَمَّا مَنْ هُوَ إِمَامٌ فِي السُنَّةِ وَإِمَامٍ فِي الحَدِيثِ فَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ» (١).
ولأن السنة كانت شائعة بهذا المعنى - وهو الحض على اتباع التقاليد الإسلامية، والتمسك بما كان عليه المسلمون في خير أوقاتهم - سُمِّيَتْ المَدِينَةُ (مَهْدَ السُنَّةِ) وَ(دَارَ السُنَّةِ). وهو ما حمل مالك بن أنس - ﵁ - على أن يُخَصِّصَ لعمل أهل المدينة وإجماعهم مكانًا بين أدلة الشرع.
ولهذا الاستعمال الشائع للسنة أيضًا كانت مثار اختلاف العلماء عند إطلاقها كما إذا قيل: «مِنَ السُنَّةِ كَذَا»، فهل المراد حينئذٍ سنة الرسول خاصة، أو سنة غيره من السلف الصالح؟ فالذين لا يأخذون أقوال الصحابة كدليل شرعي يقصرونها على الرسول - ﷺ -، والذين يأخذون بأقوال الصحابة يوسعون في مدلولها. وفي هذا يقول البزدوي: «لَا خِلَافَ فِي أَنَّ السُّنَّةَ هِيَ الطَّرِيقَةُ المَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا الخِلَافُ فِي أَنَّ لَفْظَ السُّنَّةُ [إذَا أُطْلِقَ يَنْصَرِفُ] إلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ أَوْ إلَيْهَا، [وَإِلَى سُنَّةِ الصَّحَابِيِّ]».
وثمرة هذا الخلاف تظهر إذا قال الراوي: «مِنَ السُنَّةِ كَذَا» فهل يحمل هذا القول على سُنَّة الرسول - ﷺ - «وَلَا يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ إِلَّا بِدَلِيلٍ» (٢).
_________________
(١) " تقدمة الجرح والتعديل ": ص ١١٨.
(٢) " كشاف اصطلاحات الفنون ": ١/ ٧٠٤.
[ ١٥ ]
ونستطيع أن نحدد العلاقة بين الحديث والسنة بهذا الإطلاق الأخير بأن الحديث أمر علمي نظري، وأن السنة أمر عملي، إذ أنها كانت تعتبر المثل الأعلى للسلوك في كل أمور الدين والدنيا وكان هذا سبب الاجتهاد في البحث عنها والاعتناء بحفظها والاقتداء بها (١).
والسنة بهذا الإطلاق العام قد تنتظم الفرض والواجب، مع اشتمالها على المستحب والمباح (٢)، فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قال: «السُّنَّةُ سُنَّتَانِ سُنَّةٌ فِي فَرِيضَةٍ وَسُنَّةٌ فِي غَيْرِ فَرِيضَةٍ: السُّنَّةُ التَّي فِي الفَرِيضَةِ أَصْلُهَا في كِتَابِ الله تَعَالَى، أَخْذُها هُدًى وَتَرْكُهَا ضَلاَلَةٌ، وَالسُّنَّة التَّي أَصْلُهَا لَيْسَ في كِتَابِ الله تَعَالَى: الأَخْذُ بِهَا فَضِيلَةٌ وَتَرْكُهَا لَيْسَ بِخَطِيئَةٍ» (٣) ولهذا قال مكحول: «السُّنَّةُ سُنَّتَانِ. سُنَّةٌ الْأَخْذُ بِهَا فَرِيضَةٌ وَتَرْكُهَا كُفْرٌ، وَسُنَّةٌ الْأَخْذُ بِهَا فَضِيلَةٌ وَتَرْكُهَا إِلَى غَيْرِ حَرَجٍ» (٤).
ولن يكون ترك السُنَّةِ كُفْرًا إلا إذا كانت عادة إسلامية، وشعيرة من شعائر الإسلام، بحيث إذا خلا منها بلد مسلم كان في ولائه للإسلام شك، ويشرح السرخسي هذه العبارة بقوله: «حُكْمُ السُنَّةِ هُوَ الاتِّبَاعُ وَهَذَا الاتِّبَاعُ الثَّابِتُ بِمُطْلَقِ السُنَّةِ خَالٍ عَنْ صِفَةِ الفَرْضِيَّةِ وَالوُجُوبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ، فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الوَاجِبِ فِي حُكْمِ العَمَلِ بِهْ، عَلَى مَا قَالَ مَكْحُولٌ - ﵀ -: " السُّنَّةُ سُنَّتَانِ. سُنَّةٌ أَخْذُهَا هُدًى وَتَرْكُهَا ضَلَالَةٌ، وَسُنَّةٌ أَخْذُهَا
_________________
(١) انظر " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ": ١/ ١١٦.
(٢) انظر " كليات أبي البقاء ": ص ١٠٣.
(٣) " مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ": ١/ ١٢٢ نقلًا عن الطبراني في " الأوسط "، وقال: لم يروه عن أبي أسامة إلاَّ عيسى بن واقد، تَفَرَّدَ به عبد الله بن الرومي ولم أر من ترجمه وفي الهامش نقلًا عن هامش الأصل أنَّ ابن الرومي هذا وثَّقَهُ أبو حاتم وغيره.
(٤) " سنن الدارمي ": ١/ ١٤٥.
[ ١٦ ]
حَسَنٌ وَتَرْكُهَا لَا بَأْسَ فِيهِ "، فَالأَوَّلُ نَحْوُ صَلَاةِ العِيدِ وَالأَذَانِ وَالإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ بِالجَمَاعَةِ، وَلِهَذَا لَوْ تَرَكَهَا قَوْمٌ اسْتَوْجَبُوا اللَّوْمَ وَالعِتَابَ وَلَوْ تَرَكَهَا أَهْلُ بَلْدَةٍ وَأَصَرُّوا عَلَى ذَلِكَ قُوتِلُوا عَلَيْهَا لِيَأْتُوا بِهَا» (١).
ويُعَرِّفُ ابن حزم السُنَّةَ تعريفًا يقترب من هذا الإطلاق العام للسُنَّة، فيقول: «وَالسُنَّةُ هِيَ الشَّرِيعَةُ نَفْسُهَا، وَهِيَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ: وَجْهُ الشَّيْءِ وَظَاهِرُهُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
تُرِيكَ سُنَّةَ وَجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ مَلْسَاءُ لَيْسَ بِهَا خَالٌ وَلاَ نَدْبُ
وَأَقْسَامُ السُنَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ: فَرْضٌ أَوْ نَدْبٌ، أَوْ إِبَاحَةٌ أَوْ كَرَاهَةٌ، أَوْ تَحْرِيمٌ، كُلُّ ذَلِكَ قَدْ سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ اللَّهِ - ﷿ -» (٢).
مِنْ تَقْسِيمَاتِ السُنَّةِ:
ومع أنّ العلماء متفقون على وجوب الاقتداء بالرسول - ﷺ -، ولزوم اتباع سنته قد يختلفون في الأمر من قول الرسول أو فعله: هل هذا القول أو الفعل جرى من الرسول مجرى الجبلة والعادة، أو التجربة الشائعة في قومه، فالاتباع فيه غير لازم، كما لا يلزم إذا كان الفعل من خواص الرسول. أم أن القول والفعل مقصود بهما التشريع فيلزم حينئذٍ الاتباع؟.
ومرجع ذلك أن الرسول - ﷺ - بشر، له مطالب البشر، ويحتاج إلى ضرورات الحياة وخبرتها وتجاربها، وَقَدْ نبَّهَ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - أصحابه إلى التفرقة بين أمور التشريع وأمور الحياة العادية في قوله أو فعله، فقال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ،
_________________
(١) " أصول السرخسي ": ١/ ١١٤.
(٢) " الإحكام " لابن حزم: ١/ ٤٧.
[ ١٧ ]
وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ». وقال في قصة تأبير النخيل: «فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلاَ تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ» (١).
وكما نبه الرسول - ﷺ - أصحابه إلى مراعاة الفرق بين التشريع وغيره في قوله وفعله - نبه الصحابة بدورهم تلامذتهم من التابعين إلى مراعاة هذا الفرق. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ نَفَرًا مِنَ الحَرِيصِينَ عَلَى الحَدِيثِ دَخَلُوا عَلَى زَيدِ بْنِ ثَابِتٍ - ﵁ - فَقَالُوا: «حَدِّثْنَا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: كُنْتُ جَارَهُ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ بَعَثَ إِليَّ فَكَتَبْتُهُ لَهُ، فَكُنَّا إِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ مَعَنَا، فَكُلُّ هَذَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟!» (٢).
وفي ذلك يقول البطليوسي: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - كَانَ يَذْكُرُ فِي مَجْلِسِهِ الأَخْبَارَ حِكَايَةً، وَيَتَكَلَّمُ بِمَا لاَ يُرِيدُ بِهِ أَمْرًا وَلاَ نَهْيًا. وَلاَ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلًا فِي دِينِهِ. وَذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ فِعْلِهِ مَشْهُورٌ مِنْ قَوْلِهِ» (٣).
_________________
(١) " حُجة الله البالغة "، للدهلوي بتحقيق سيد سابق: ١/ ١٧١ - ١٧٣؛ وجاء في " مجمع الزوائد ": ١/ ١٧٨ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَطُوفُ فِي النَّخْلِ بِالمَدِينَةِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: فِيهَا وَسْقٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " فِيهَا كَذَا وَكَذَا "، فَقَالُوا: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: [" إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَمَا قُلْتُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي] فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُصِيبُ وَأُخْطِئُ»). رواه البزار وإسناده حسن، وانظر أيضًا " مجمع الزوائد ": ١/ ٧٩. في قصة تلقيح النخل.
(٢) " حُجة الله البالغة ": ١/ ١٠٢.
(٣) " نظرة عامة في [تاريخ] الفقه الإسلامي ": ١/ ١١٨، ١٢٠.
[ ١٨ ]
لهذا أفاض العلماء في الكلام عن سنة رسول الله - ﷺ - وتقسيمها إلى سنة تشريعية وسنة عادية كما قسموا التشريعية إلى أقسام مختلفة عبروا عنها أحيانًا بشخصيات الرسول (١).
[جـ]- الفِقْهُ، تَعْرِيفُهُ:
كلمة «الفقه» كانت موجودة في كلام العرب قبل الإسلام، لا بالمعنى الاصطلاحي الذي اكتسبته في الإسلام، إذ لم يكن لديهم ما يمكن أن تطلق عليه، ولهذا أيضًا لم يوجد عندهم من يطلق عليهم «الفقهاء» وإنما كانت الكلمة تستعمل بمعنى العلم بالشيء وتفهمه والوصول إلى أعماقه. قال تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (٢) أي يعلموا المراد منه ويفهموه.
وقد فرق الآمدي بين العلم والفهم فقال: «الفَهْمُ عِبَارَةٌ عَنْ جَوْدَةِ الذِّهْنِ مِنْ جِهَةِ تَهْيِئَتِهِ لِاقْتِنَاصِ كُلِّ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ المَطَالِبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ المُتَّصِفُ بِهِ عَالِمًا كَالعَامِّيِّ الفَطِنِ» (٣) أما ابن القيم فإنه يجعل الفقه في درجة أعلى من الفهم فيقول: «وَالفِقْهُ أَخَصُّ مِنْ الفَهْمِ، وَهُوَ فَهْمُ مُرَادِ المُتَكَلِّمِ مِنْ كَلَامِهِ، وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ فَهْمِ وَضْعِ اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ، وَبِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَرَاتِبِ النَّاسِ فِي هَذَا تَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُمْ فِي الفِقْهِ وَالعِلْمِ» (٤).
_________________
(١) انظر " الفروق " للقرافي: ١/ ٢٠٥، ٢٠٩، ومقال المرحوم الشيخ شلتوت. بمجلة " الرسالة " في ٣٠ مارس ١٩٤٢ وللشيخ الخضر حسين نقد له نشر بمجلة " الهداية الإسلامية " في العددين جمادى الآخرة ١٣٦١ هـ ورجب وشعبان من العام نفسه، وانظر " دروس في فقه الكتاب والسنة - البيوع منهج وتطبيقه " للمرحوم محمد يوسف موسى.
(٢) [طه: ٢٧ - ٢٨].
(٣) " الإحكام " للآمدي: ١/ ٧.
(٤) " إعلام الموقعين ": ١/ ٢٦٤.
[ ١٩ ]
ثم خصت الكلمة في الاصطلاح «بِالْعِلْمِ الحَاصِلِ بِجُمْلَةٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ [الفُرُوعِيَّةِ] بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ» (١) وهذا التعريف بجعل الفقه صفة علمية للإنسان، ولكننا عندما نقول: «إِنَّ الفِقْهَ الإِسْلَامِيَّ يَتَّسِمُ بِالمُرُونَةِ وَالشُّمُولِ»، فإننا نعني بالفقه حينئذٍ «مَجْمُوعَةَ الأَحْكَامِ العَمَلِيَّةِ وَالمَشْرَوعَةَ فِي الإِسْلَامِ» (٢).
وهذا التجديد الاصطلاحي لكلمة الفقه، لم يتم فجأة وإنما استغرق وقتًا كافيًا تقلبت فيه الكلمة في مراحل مختلفة قبل أن تنتهي إلى هذا الاصطلاح، فقد وجدنا علماء القرنين الأول والثاني يطلقون كلمة الفقه على ما يشمل موضوعات الزهد وعلم الكلام: فَقَدْ رَوَى " الدَّارِمِيُّ " بِسَنَدِهِ عَنْ عِمْرَانَ المِنْقَرِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ يَوْمًا فِي شَيْءٍ قَالَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، لَيْسَ هَكَذَا يَقُولُ الفُقَهَاءُ. فَقَالَ: «وَيْحَكَ وَرَأَيْتَ أَنْتَ فَقِيهًا قَطُّ؟، إِنَّمَا الفَقِيهُ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ، البَصِيرُ بِأَمْرِ دِينِهِ، المُدَاوِمُ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ» (٣).
وَرَوَى أَيْضًا عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (*)، قَالَ: قِيلَ لَهُ: «مَنْ أَفْقَهُ أَهْلِ المَدِينَةِ؟»، قَالَ: «أَتْقَاهُمْ لِرَبِّهِ [﷿]» (٤).
كَمَا رَوَى بِسَنَدِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: «إِنَّ الفَقِيهَ حَقَّ الفَقِيهِ، مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ، وَلَمْ يُؤَمِّنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلَمْ يَدَعْ القُرْآنَ رَغْبَةً عنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، إِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَا عِلْمَ فِيهَا، وَلَا عِلْمٍ لَا فَهْمَ فِيهِ، وَلَا قِرَاءَةٍ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا» (٥).
وقد استمر عدم التحديد هذا حتى منتصف القرن الثاني، فقد رأينا أن أبا حنيفة ألف في العقائد ما سمي بـ " الفقه الأكبر ".
_________________
(١) " الأحكام " للآمدي: ١/ ٧.
(٢) " المدخل الفقهي العام " للزرقا: ص ٢٤، ٢٥.
(٣) : (٥) " سنن الدارمي ": ١/ ٨٩. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]: (*) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، انظر " السنن "، الدارمي (ت ٢٥٥ هـ)، تحقيق حسين سليم أسد الداراني، حديث رقم ٣٠٣، ١/ ٣٣٨، (حاشية ١)، الطبعة الأولى: ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م، دار المغني للنشر والتوزيع - المملكة العربية السعودية.
[ ٢٠ ]
وفي تحقيق هذا التطور التاريخي لكلمة «الفِقْهِ» يقول الغزالي: «وَلَقَدْ كَانَ اسْمُ الفِقْهِ فِي العَصْرِ الأَوَّلِ مُطْلَقًا عَلَى عِلْمِ الآخِرَةِ، وَمَعْرِفَةِ دَقَائِقِ وَآفَاتِ النُّفُوسِ وَمُفْسِدَاتِ الأَعْمَالِ، وَقُوَّةِ الإِحَاطَةِ بِحَقَارَةِ الدُّنْيَا، وَشِدَّةِ التَّطَلُّعِ إِلَى نَعِيمِ الآخِرَةِ، وَاسْتِيلَاءِ الخَوْفِ عَلَى القَلْبِ» إلى أن قال: «وَلَسْتُ أَقُولُ إِنَّ اسْمَ الفِقْهِ لَمْ يَكُنْ مَتْنًا وَلَا لِلْفَتَاوَى فِي الأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ، وَلَكِنْ بِطَرِيقِ العُمُومِ وَالشَّمُولِ لَا بِطَرِيقِ التَّخْصِيصِ كَمَا حَدَثَ فِي العُصُورِ المُتَأَخِّرَةِ» (١).
وقد لاحظ بعض العلماء هذه الإطلاقات المتعددة لكلمة الفقه، فوضع تعريفًا يمكن أن يشملها فقال: «الفِقْهُ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا» وهذا يشمل الاعتقاديات والوجدانيات، فإذا أضفت إلى التعريف كلمة (عَمَلًا) خرج علم الكلام والتصوف (٢).
مَرَاحِلُ التَّطَوُّرِ لِلْفِقْهِ الإِسْلاَمِيِّ: (٣).
لا شك أن العرب قبل الإسلام كانت لهم طقوس دينية، وعادات اجتماعية، وعلاقات تجارية وحربية، وبعض هذه العلاقات والعادات والطقوس بقايا دين إبراهيم وإسماعيل - عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ - ورثها العرب عن آبائهم مشوهة أو صحيحة وبعضها أملته عليهم طبيعة البيئة البدوية التي يعيشون فيها، وبعض ثالث كان نتيجة احتكاكهم بالأمم المجاورة لهم وتأثرهم بها في بعض شؤون حياتهم. هذه العادات والأعراف المختلفة المصادر كان لها قوة القانون، بل كانت هي القانون النافذ فيهم فلما جاء الإسلام ألغى
_________________
(١) انظر " إحياء علوم الدين " للغزالي: ١/ ٢١ - ٢٨. المطبعة الأزهرية المصرية ١٣١٦ هـ.
(٢) انظر " التوضيح على التنقيح " لصدر الشريعة: ١/ ٦٨. المطبعة الخيرية بمصر ١٣٠٦ هـ.
(٣) انظر " موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي ": الجزء الأول، فقد صدر ببحوث قيمة في كل نواحي الفقه: من ص ٩، ٥٩.
[ ٢١ ]
الأعراف الفاسدة، والعادات السيئة وأبقى على ما كان منها صالحًا أو تناوله بالتهذيب والتقويم، كقولهم في القصاص: «القَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ»، وكحكمهم بأن الدية على العاقلة، إلى غير ذلك من القواعد القليلة التي كانت شائعة بينهم والتي لم تكن تكفي لسد حاجات شَعْبٍ مُتَحَضِّرٍ.
وقد قسم الأستاذ مصطفى الزرقا الأدوار التي مر بها الفقه الإسلامي إلى سبعة أدوار:
١ - عصر حياة الرسول - ﷺ -، وكانت سلطة التشريع والفتوى والقضاء بيده وحده، ولم يترك - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - فِقْهًا مُدَوَّنًا، وإنما ترك جملة من الأصول والقواعد الكلية والأحكام الجزئية مثبوتة في القرآن والسنة.
٢ - عصر الخلفاء فما بعده إلى منتصف القرن الأول حيث استبد الأمويون بالأمر. وهذان الدوران هما المرحلة التمهيدية للفقه الإسلامي.
٣ - من منتصف القرن الأول إلى أوائل القرن الثاني، حيث استقل علم الفقه وأصبح اختصاصًا يقصر العلماء جهودهم عليه، وتكونت المدارس الفقهية أو الاجتهادات المسماة بالمذاهب. وهذا الدور هو المرحلة التأسيسية في الفقه.
٤ - من أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع، حيث بلغ الفقه الأوج في الاجتهاد والتدوين والتفريغ المذهبي، وتم فيه وضع أصول الفقه وتكامل. وهذا الدور هو دور الكمال في الفقه الإسلامي.
٥ - من منتصف القرن الرابع إلى سقوط بغداد في أيدي التتار في منتصف القرن السابع وفيه نشطت حركة التحرير والتخريج والترجيح في المذاهب مع غلبة التقليد والتعصب.
[ ٢٢ ]
٦ - من منتصف القرن السابع إلى ظهور " مجلة الأحكام العدلية " سنة ١٢٨٦ هـ، والتي عمل بها منذ سنة ١٢٩٢ هـ. وهذا هو دور الانحطاط الفقهي.
٧ - منذ ظهور المجلة إلى اليوم (١).
ولقد يختلف المؤرخون للفقه الإسلامي في تحديدهم للمراحل التي مر بها تطور الفقه، تبعًا لاعتبارات خاصة، وسمات معينة تميز في نظرهم مراحله المختلفة. لهذا فإني أرى أن المرحلتين الثانية والثالثة من هذه المراحل المذكورة تشكلان مرحلة واحدة يمكن أن نطلق عليها (عصر الصحابة والتابعين) كما يلاحظ أَنَّ تَكَوُّنَ المَذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ قد بدأ حقيقة منذ العقود الأولى من القرن الثاني، ولكن حركة هذا التكوين قد استمرت حتى أواخر القرن الثالث، كما يجدر بنا أن نشيد بالنهضة الفقهية في العصر الحديث، فإن المتأمل في حال الفقه الإسلامي اليوم يستطيع أن يرى حياة جديدة تسري في أعضائه وتموج في جنباته فتحرك كيانه وتنفض عنه ركود السنين وتزيل كثبان الجمود التي جمعتها الأحقاب المتتابعة وتدعوه إلى ورود منابعه الأصلية الصافية، بعيدًا عن التقليد والتعصب وتطالبه بأن ينزل إلى معترك الحياة فيُدلي برأيه في هذا المجتمع الحديث، ويعمل على حل مشكلاته، وإنه على هذا قدير، وله كفء، فقد أثبت الذين قاموا بدراسات مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي أن الفقه الإسلامي عظيم وأصيل، ومرن وشامل.
ولا شك أن نهضة الفقه في هذا العصر هي نتيجة لجهود سبقت، ودعوات للإصلاح لم يعدم الإسلام طائفة تنادي بها حتى أحلك العصور (٢).
_________________
(١) انظر " المدخل " للزرقا: ١/ ١٢٢ - ١٢٥ من المجلد الأول.
(٢) في النهضة الفقهية الحديثة والاتجاه إلى الفقه المقارن انظر " تاريخ التشريع الإسلامي =
[ ٢٣ ]
عَلاَقَةُ الحَدِيثِ بِالفِقْهِ:
والحديث يساند القرآن الكريم في تقديم مادة الفقه، فمن نصوصهما صيغت القواعد واستنبطت الأحكام، ولا غنى للباحث في الفقه الإسلامي عن الحديث لأنه المُبَيِّنُ لِلْقُرْآنِ، المُفَصِّلُ لِمُجْمَلِهِ، المُقيِّدُ لِمُطْلَقِهِ، المُخَصِّصُ لِعَامِّهِ، المُعَبِّرُ عن روحه واتجاهه.
وعلاقة الفقه بالحديث علاقة وثيقة متلازمة، نشأت منذ عهد الرسول - ﷺ -، فعندما ينطق الرسول بحديث تشريعي إنما يقرر حكمًا، وعندما تعرض له - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - حالة من القضاء إنما يفصل فيها بحديث، ولهذا لم يكن البحث عن الحديث لمجرد جمعه في دواوين، أو المحافظة عليه من الضياع - وإن كان هذا في ذاته جليلة - وإنما كان البحث عن الأحكام التي تقررها الأحاديث هو الدافع الأول والأهم، ولهذا لم يكن في عصر الصحابة والتابعين فاصل بين المحدث والفقيه، حتى إذا وجد من يتخصص في استنباط الأحكام من القرآن والحديث، ومن يتخصص في رواية الأحاديث ونقدها ومعرفة إسنادها وعللها - أخذ الحديث ينفصل عن الفقه، وبدأ المحدث يتميز عن الفقيه، واقتضى هذا الفصل فترة من الزمن استغرقت جل القرن الثاني، فقد وجدنا في هذا القرن كُتُبًا اختلطت فيها الأحاديث بالأحكام وآراء الصحابة والتابعين وآراء المؤلف كما هو واضح في " موطأ " الإمام مالك - ﵁ - الذي يمثل بحق مرحلة متوسطة بين دمج الحديث بالفقه وانفصالهما كل في كتب خاصة، وكما يتضح في كتاب " المجموع " المنسوب للإمام زيد (ت ١٢١) والذي ألفه في مطلع القرن الثاني على أننا ينبغي أن نلاحظ أن الحديث لم ينس علاقته بالفقه، حتى
_________________
(١) = ومصادره " للأستاذ محمد سلام مدكور: ص ١٣٠، ١٣٨، والمصدر نفسه: ٢٠٠، ٢٠٤ في مراحل تدوين الفقه.
[ ٢٤ ]
عندما أصبح له دواوين مستقلة متمثلة في الجوامع والسنن، وهو ما جعل مؤلفي هذه الكتب يراعون في ترتيبها أن تكون على أبواب الفقه، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.
فَضْلُ الفِقْهِ وَالفُقَهَاءِ:
قال الله - ﷿ - ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١) وقال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (٢) وروى ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعًا: «فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» (٣). وروى الخطيب بسنده عن أبي هريرة يرفعه: «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الفِقْهِ في الدِّينِ» (٤)، وقال أبو هريرة: «لَأَنْ أَفْقَهُ سَاعَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحْيِيَ لَيْلَةً أُصَلِّيهَا حَتَّى أُصْبِحَ، وَالفَقِيهُ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ، وَلِكُلِّ دِعَامَةٌ، وَدِعَامَةُ الدِّينِ الفِقْهُ» (٥). وروى الرامهرمزي عَنْ البُخَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ المَدِينِيِّ يَقُولُ: «التَّفَقُّهُ فِي مَعَانِي الحَدِيثِ نِصْفُ العِلْمِ، وَمَعْرِفَةُ الرِّجَالِ نِصْفُ العِلْمِ» (٦).
_________________
(١) [التوبة: ١٢٢].
(٢) " البخاري بحاشية السندي ": ١/ ١٥؛ و" سنن ابن ماجه ": ١/ ٨؛ و" جامع بيان العلم ": ١/ ١٩.
(٣) " سنن ابن ماجه ": ١/ ٨؛ ورواه الخطيب في " الجامع ": لوحة ١٣١ من قول أبي هريرة.
(٤) " الجامع لأخلاق الراوي ": لوحة ١٣١؛ ورواه ابن عبد البر في " جامع بيان العلم ": ١/ ٢٤ من قول الزهري؛ ورواه صاحب " مجمع الزوائد ": ١/ ١٣١ نقلًا عن الطبراني في " الأوسط " وزاد فيه جزءًا من قول أبي هريرة التالي وقال: فيه يزيد بن عياض وهو كذاب.
(٥) المصدران السابقان الأولان في الهامش السابق.
(٦) " المحدث الفاصل ".
[ ٢٥ ]
هذه النصوص وكثير غيرها تنبئ عن أهمية الفقه، وبالتالي عن مكانة الفقيه لأن الإسلام يحرص على العلم وَيُجِلُّ العُلَمَاءَ، ويسند إليهم ما هو من وظيفة الأنبياء، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ (١)، ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ﴾ (٢)، ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٣). هذا (الإنذار) الذي أمر به النبي - ﷺ - قد كلف به العلماء وأمروا بالتفقه من أجله ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ (٤)، ولهذا كان للفقيه في الإسلام مركز الريادة والتوجيه، والإنكار والتقويم والإرشاد إلى النهج الواضح في شؤون الدين والدنيا، منصاعًا لمبدأ الإسلام في المزج بينهما مزجًا تامًا تجعل فيه الدنيا مزرعة للآخرة، وتجعل فيه الآخرة حافزًا على الإنتاج والعمل الصالح في الدنيا.
ولهذا كان علماء الدين في الإسلام عنوانًا لمستوى السلوك في المجتمع الإسلامي وكتابًا تُدوَّنُ فيه أدوار القوة والضعف التي يمر بها، وميزانًا يوزن به استمساكه بالقيم الدينية ومقومات حياته الروحية أو إهداره لهذه القيم: فحيث وجد علماء يرفعون لواء الحق ولا يبالون بما يلقون في سبيله فإننا نحكم بوجود روح دينية عامة. وحيث ينغمس علماء الدين في ترف الحياة، ويفقدون استقلالهم الفكري فيجعلون الحق طوعًا لمن يملك الرهبة أو الرغبة - فإننا نحكم بأن القيم الدينية تمر بأزمة حادة لأن خطورة عالم الدين أو الفقيه تتركز في أنه مَثَلٌ وَقُدْوَةٌ وأن له خبرة في الأحكام فقوله فيها مصدق، ورأيه فيها له وزنه، فإذا لم يكن لديه من فقهه ما يَزَعُهُ عن تنكب الطريق - كان له أثر بالغ في تشويه الدين وتضليل العامة، وهذا ما حدا بعض العلماء إلى التنبيه على خطورة اقتصار الفقيه على معرفة الأحكام، بَلْ صَرَّحَ الغزالي بأن المشاهد أن التجرد لمعرفة هذه الأحكام يقسي القلب
_________________
(١) [هود: ١٢].
(٢) [إبراهيم: ٤٤].
(٣) [الشعراء: ٢١٤].
(٤) [التوبة: ١٢٢].
[ ٢٦ ]
وينزع الخشية منه (١).
إنَّ النصوص التي أشادت بالعلماء والفقهاء إنما امتدحتهم إذا امتلأت قلوبهم بالتقوى ونفوسهم بالخشية وإذا نصبوا من أنفسهم أعوانًا على الحق، إن قوله تعالى في مدح العلماء: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قد سبقه مباشرة قول الله - ﷿ - ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ (٢).
_________________
(١) انظر " إحياء علوم الدين ": ١/ ٢٨.
(٢) [الزمر: ٩].
[ ٢٧ ]