بعد أن ذكرنا كيف أثر الاتجاه الخلقي الديني عند المحدثين على سلوكهم عند الاستنباط، وعلى علاجهم للموضوعات، نتعرض الآن لبيان تأثير هذا الاتجاه على نظرتهم للأعمال، سواء من حيث الباعث عليها، أو من حيث مآلها وصيرورتها.
_________________
(١) انظر كتاب البيوع في " البخاري بحاشية السندي ": ٢ / ص ٢ وما بعدها؛ و" الترمذي ": ٥/ ١٩٨ وما بعدها؛ و" أبي داود ": ٣/ ٣٣٠ وما بعدها؛ و" ابن ماجه ": ٢/ ٧٢٣ وما بعدها؛ و" سنن النسائي ": ٢/ ٢٤٠ وما بعدها، المطبعة المصرية بالأزهر على نفقه المكتبة التجارية الكبرى.
[ ٤٢٩ ]
أما من حيث الباعث على العمل، فقد اهتم المحدثون بالنيات والمقاصد اهتمامًا كبيرًا. ولا أدل على ذلك من بدء البخاري " صحيحه " بحديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». بل يصرح البخاري بأن النية مؤثرة في الحكم على الفعل، سواء أكان عقدًا أم تصرفًا لفظيًا، وذلك حيث يقول في كتاب الحيل: (بَابٌ فِي تَرْكِ الحِيَلِ، وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فِي الأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا).
قَالَ ابْنُ المُنَيِّرِ في تعليقه على هذه الترجمة: «اتَّسَعَ البُخَارِيُّ فِي الاِسْتِنْبَاطِ، وَالمَشْهُورُ عِنْدَ النُّظَّارِ حَمْلُ الحَدِيثِ عَلَى العِبَادَاتِ، فَحَمَلَهُ البُخَارِيُّ عَلَيْهَا وَعَلَى المُعَامَلاَتِ، وَتَبِعَ مَالِكًا فِي القَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ وَاعْتِبَارِ المَقَاصِدِ. فَلَوْ فَسَدَ اللَّفْظُ وَصَحَّ القَصْدُ، أُلْغِيَ اللَّفْظُ وَأُعْمِلَ القَصْدُ تَصْحِيحًا وَإِبْطَالًا» (١).
ومن الفروع التي يظهر فيها أثر القصد واعتباره عند البخاري مسائل الطلاق، مثل كنايات الطلاق، التي يقول فيها: (باب إذا قال فارقتك، أو سرحتك، أو الخلية، أو البرة أو ما عنى به الطلاق - فهو على نيته) (٢).
وكما اعتبرت النية في كنايات الطلاق، فإنها تعتبر أيضًا في الألفاظ الصريحة للطلاق
، حيث لا يقع الطلاق إذا نطق بصريح لفظه إلا إذا توفر القصد والنية إلى إيقاعه. وكذلك لو نطق بلفظ الظهار الصريح، دون أن يقصد حقيقة الظهار فلا شيء عليه، ولا يعتبر ظهارًا.
وفي ذلك يقول البخاري: (بَابُ إِذَا قَالَ لاِمْرَأَتِهِ وَهُوَ مُكْرَهٌ: هَذِهِ
_________________
(١) " فتح الباري ": ١٢/ ٢٩٠، ولم يرو البخاري في هذا الباب شيئًا من الحديث.
(٢) " البخاري بحاشية السندي ": ٣/ ٢٧٠.
[ ٤٣٠ ]
أُخْتِي، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِسَارَةَ: " هَذِهِ أُخْتِي، وَذَلِكَ فِي ذَاتِ اللَّهِ ﷿ "» (١).
وفي ذلك دليل على أن قول المكره لا أثر له، لا في ظهار، ولا في طلاق، ولا في غيرهما كما صرح البخاري بذلك في الباب الذي ذكر فيه نماذج من الأشخاص الذين لا يتوفر عنصر القصد في تصرفاتهم، محتجًا بالحجة الرئيسية لهذا الاتجاه، وهو قوله - ﷺ -: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، مع احتجاجه بأقوال الصحابة والتابعين:
يقول البخاري: (بَابُ الطَّلاَقِ فِي الإِغْلاَقِ وَالكُرْهِ، وَالسَّكْرَانِ وَالمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا، وَالغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلاَقِ وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». وَتَلاَ الشَّعْبِيُّ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ المُوَسْوِسِ، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟» وَقَالَ عَلِيٌّ: بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَلُومُ حَمْزَةَ، فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ، مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ، ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ: هَلْ أَنْتُمْ إِلاَّ عَبِيدٌ لأَبِي، فَعَرَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا [مَعَهُ]. وَقَالَ عُثْمَانُ: «لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلاَقٌ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ». وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: «لَا يَجُوزُ طَلاَقُ المُوَسْوِسِ»).
ثم يذكر البخاري في الترجمة نفسها أن الطلاق المعلق على شرط لا يقع إلا بوقوع الشرط سواء بدئ بلفظ الطلاق أو بدئ بالشرط: أي لا فرق
_________________
(١) " البخاري بحاشية السندي ": ٣/ ٢٧٢.
[ ٤٣١ ]
بين أن يقول: «أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ خَرَجْتِ» مثلًا، وقوله: «إِنْ خَرَجْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ». ويذكر في ذلك أقوال التابعين، واشتراطهم النية في بعض ألفاظ الطلاق، فيقول: (وَقَالَ عَطَاءٌ: «إِذَا [بَدَا] بِالطَّلاَقِ فَلَهُ شَرْطُهُ». وَقَالَ نَافِعٌ: «طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ البَتَّةَ إِنْ خَرَجَتْ». فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إِنْ خَرَجَتْ فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ». وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «فِيمَنْ قَالَ: إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلاَثًا: يُسْأَلُ عَمَّا قَالَ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ بِتِلْكَ اليَمِينِ؟ فَإِنْ سَمَّى أَجَلًا أَرَادَهُ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ، جُعِلَ ذَلِكَ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ». وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «إِنْ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ، نِيَّتُهُ، وَطَلاَقُ كُلِّ قَوْمٍ بِلِسَانهِمْ» وَقَالَ الحَسَنُ: «إِذَا قَالَ: الْحَقِي بِأَهْلِكِ، نِيَّتُهُ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «الطَّلاَقُ عَنْ وَطَرٍ، وَالعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ»، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «إِنْ قَالَ: مَا أَنْتِ بِامْرَأَتِي، نِيَّتُهُ، وَإِنْ نَوَى طَلاَقًا فَهُوَ مَا نَوَى». وَقَالَ عَلِيٌّ: «أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ القَلَمَ رُفِعَ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ». وَقَالَ عَلِيٌّ: «وَكُلُّ الطَّلاَقِ جَائِزٌ، إِلَّا طَلاَقَ المَعْتُوهِ») (١).
وفي كتاب الأيمان، يترجم البخاري بَابًا يسميه (بَابُ النِّيَّةِ فِي الأَيْمَانِ) يكرر فيه روايته واستدلاله بحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢).
كما يعقد أبوابًا أخرى توضح أثر النية والقصد في الأيمان مثل (بَابُ ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ، وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ [حَلِيمٌ]﴾ [البقرة: ٢٢٥]). روى فيه أن عائشة فسرت نزول هذه الآية بقولها:
_________________
(١) " البخاري بحاشية السندي ": ٣/ ٢٧٢.
(٢) " البخاري بحاشية السندي ": ٤/ ١٥٨. ورواه النسائي أيضًا في (بُابُ النِّيَّةُ فِي اليَمينِ). انظر " النسائي ": ٧/ ١٣، المكتبة التجارية.
[ ٤٣٢ ]
«أُنْزِلَتْ فِي قَوْلِهِ: لَا وَاللَّهِ، بَلَى وَاللَّهِ».
ثم أتبع البخاري ذلك بقوله: (بَابُ إِذَا حَنِثَ نَاسِيًا فِي الأَيْمَانِ وَقَوْلِ اللَهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] وَقَالَ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]، وهو يميل في هذا الباب إلى أن يحنث ناسيًا، فلا إثم عليه ولا تلزمه كفارة (١).
وكذا نجد الاهتمام بالنية في أبواب الطلاق عند أبي داود. فقد قال في إحدى تراجمه (بَابٌ [فِي] الطَّلاَقِ عَلَى غَلَطٍ)؛ وروى فيه حديث عائشة مرفوعًا: «لَا طَلاَقَ، وَلَا عَتَاقَ فِي غِلاَقٍ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «الغِلاَقُ: أَظُنُّهُ فِي الغَضَبِ» (٢).
ويقول في باب آخر: (بَابٌ فِيمَا عُنِيَ بِهِ الطَّلاَقُ وَالنِّيَّاتُ)، وروى فيه حديث عمر المشهور في النيات: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ » كما روى في هذا الباب أن أحد الصحابة قد قال لامرأته: «الْحَقِي بِأَهْلِكِ». فلم يعتبر ذلك طلاقًا، لأنه لم يكن يقصد الطلاق، وذلك في قصة كعب بن مالك أحد المخلفين الثلاثة عن غزوة تبوك، حَيْثُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَنْ اعْتَزِلْ امْرَأَتَكَ»، فقال كعب: «أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟»، قَالَ: «لَا، بَلِ اعْتَزِلْهَا فَلاَ تَقْرَبَنَّهَا»، [فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي]: «الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي هَذَا الأَمْرِ» (٣).
وكذلك نجد ابن ماجه يروي في (بَابُ طَلاَقِ المَعْتُوهِ وَالصَّغِيرِ وَالنَّائِمِ).
_________________
(١) " البخاري بحاشية السندي ": ٤/ ١٥٣.
(٢) " سنن أبي داود ": ٢/ ٣٤٧، ٣٤٨. وقد فسر الإغلاق أيضًا بالغضب كل من مسروق، والشافعي، وأحمد (انظر " إعلام الموقعين ": ٣/ ٦٢).
(٣) " سنن أبي داود ": ٢/ ٣٥٢.
[ ٤٣٣ ]
حديث عائشة مرفوعًا: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ، أَوْ يُفِيقَ»، وزاد بعض الرواة: [قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ] (*): «وَعَنِ المُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ». كما روى ابن ماجه أيضًا في (بَابُ طَلاَقِ المُكْرَهِ وَالنَّاسِي) الأحاديث التي تفيد عدم المؤاخذة بالأعمال الناتجة عن خطأ، أو نسيان، أو إكراه، أو غضب (١).
وهكذا يهتم أهل الحديث بالنيات والمقاصد، ولا يكتفون بظواهر الألفاظ، ولا يحكمون بموجبها حتى يتوفر القصد إلى اللفظ وإلى موجبه معًا، «فَلَا بُدَّ مِنْ إرَادَتَيْنِ: إرَادَةِ التَّكَلُّمِ بِاللَّفْظِ اخْتِيَارًا، وَإِرَادَةِ مُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ» (٢).
ولا فرق في تأثير القصد والنية في الأعمال بين العبادات وغيرها، فكل تصرفات الإنسان الاختيارية التي يوجه إليه التكليف فيها تعتبر فيها النيات ولا بد. وفي ذلك يقول ابن القيم: «وَقَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ التِي لَا يَجُوزُ هَدْمُهَا أَنَّ المَقَاصِدَ وَالاِعْتِقَادَاتِ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ وَالعِبَارَاتِ كَمَا هِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّقَرُّبَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، فَالقَصْدُ وَالنِّيَّةُ وَالاِعْتِقَادُ يَجْعَلُ الشَّيْءَ حَلاَلًا [أَوْ] حَرَامًا، وَصَحِيحًا [أَوْ] فَاسِدًا، وَطَاعَةً [أَوْ] مَعْصِيَةً، كَمَا أَنَّ القَصْدَ فِي العِبَادَةِ يَجْعَلُهَا وَاجِبَةً أَوْ مُسْتَحَبَّةً أَوْ مُحَرَّمَةً أَوْ صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً» (٣).
وليس هذا التأثير للقصود مقصورًا على التصرفات اللفظية مثل ألفاظ اليمين والطلاق والعتاق وغيرها، بل إن تأثيرها يمتد إلى العقود أيضًا، بل يذهب بعضهم إلى أن اعتبار القصود في العقود أولى من اعتبار الألفاظ،
_________________
(١) " سنن ابن ماجه ": ٧/ ٦٥٨، ٦٦٠.
(٢) " إعلام الموقعين ": ٣/ ٦٩ مطبعة الكردي سنة ١٣٢٥ هـ.
(٣) " إعلام الموقعين ": ٣/ ٢٢. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]: (*) أبو بكر بن أبي شيبة، انظر " السنن "، ابن ماجه، حديث رقم ٢٠٤١، ١/ ٦٥٨، (تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي) - حديث رقم ٢٠٤١، ٣/ ١٩٨ (تحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط).
[ ٤٣٤ ]
فإن الألفاظ مقصودة لغيرها، ومقاصد العقود هي التي تراد لأجلها، فإذا ألغيت واعتبرت الألفاظ التي لا تراد لنفسها، كان هذا إلغاء لما يجب اعتباره، واعتبارًا لما قد يسوغ إلغاؤه.
ومما يدل على تأثير النية في الإنسان أن صورة الفعل قد تكون واحدة، ومع ذلك فإن حكمها باختلاف النية: فالرجل إذا اشترى أو اقترض أو استأجر، ونوى ذلك لموكله - كان له وإن لم يتكلم به في العقد، وإن لم ينوه له وقع الملك للعاقد.
وإذا كان القول والفعل الواحد يوجب الملك لمالكين مختلفين عند تغير النية - ثبت أن للنية تأثير في العقود والتصرفات.
ومن ذلك كان الله حرم أن يدفع الرجل إلى غيره مالًا ربويًا، بمثله على وجه البيع إلا أن يتقابضا، وجوز دفعه بمثله على وجه القرض. وقد اشتركا في أن كل منهما يدفع ربويًا ويأخذ نظيره، ولكن القصد فرق بينهم، فإن مقصود القرض إرفاق المقترض، وليس مقصوده المعاوضة والربح.
وكما يقول الشاطبي: «وَالعَمَلُ الوَاحِدُ يُقْصَدُ بِهِ أَمْرٌ فَيَكُونُ عِبَادَةً، وَيُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ آخَرَ، فَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ يُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ فَيَكُونُ إِيمَانًا، وَيُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ فَيَكُونُ كُفْرًا، كَالسُّجُودِ لِلَّهِ أَوْ لِلصَّنَمِ» (١).