رأى البخاري أن نواقض الوضوء محصورة فيما خرج من السبيلين وفي النوم الثقيل والإغماء فقط، ورأى أن ذلك هو الموافق لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] و[المائدة: ٦]، فإن الغائط كناية عن الحدث الموجب للوضوء، وهو لا يكون إلا بخروج شيء من أحد السبيلين، وكذلك فيما يكون مظنة لخروج شيء، وهو النوم الثقيل أو الإغماء. أما ما عدا ذلك من خروج دم أو غير السبيلين، أو مس الذكر، أو لمس المرأة، أو الضحك في الصلاة، أو أكل ما مسته النار: لحوم إبل أو غيرها - فإنه لا وضوء فيه.
ولم يرو البخاري أحاديث مس الذكر أصلًا، لا الموجبة للوضوء، ولا المرخصة فيه، كما لم يرو أحاديث الوضوء مما مسته النار أو أكل لحوم الإبل، ولا المرخصة في شيء من ذلك.
وقد أعلن عن رأيه في عدة تراجم، يرد فيها على ما يعتبره بعض العلماء من نواقض الوضوء، مما يخالف مذهبه، كقوله: (بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الوُضُوءَ إِلاَّ مِنَ المَخْرَجَيْنِ: مِنَ القُبُلِ وَالدُّبُرِ، [وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى]: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] وَقَالَ عَطَاءٌ: - فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ، أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ القَمْلَةِ - «يُعِيدُ الوُضُوءَ». وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلاَةِ أَعَادَ الصَّلاَةَ [وَلَمْ يُعِدِ] الوُضُوءَ» وَقَالَ الحَسَنُ: «إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ [وَأَظْفَارِهِ]، أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ فَلاَ وُضُوءَ عَلَيْهِ» وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ» وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ [النَّبِيَّ]- ﷺ - كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ، وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلاَتِهِ». وَقَالَ الحَسَنُ: «مَا زَالَ
[ ٣٢٤ ]
المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ». وَقَالَ طَاوُوسٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، [وَعَطَاءٌ]، وَأَهْلُ الحِجَازِ: «لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ». وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. وَبَزَقَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى دَمًا فَمَضَى فِي صَلاَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَالحَسَنُ: «فِيمَنْ يَحْتَجِمُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلاَّ غَسْلُ مَحَاجِمِهِ».
وقوله: (بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ إِلاَّ مِنَ الغَشْيِ المُثْقِلِ).
وقوله: (بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّوِيقِ وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ، [وَعُمَرُ]، وَعُثْمَانُ، ﵃، «فَلَمْ يَتَوَضَّأُوا»).
وأخيرًا: (بَابُ الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ، وَمَنْ لَمْ يَرَ مِنَ النَّعْسَةِ وَالنَّعْسَتَيْنِ، أَوِ الخَفْقَةِ وُضُوءًا) (١).
أما مسلم فقد روى أحاديث الوضوء مما مست النار، ثم أحاديث في ترك ذلك، ثم روى حديث الوضوء من لحوم الإبل دون الغنم، فكأنه يرى استثناء لحوم الإبل من نسخ الوضوء مما مسته النار، وهذا هو مذهب عامة المحدثين (٢).
فالترمذي ذكر (بَابُ الوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ)، ثم (بَابُ تَرْكِ الوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ) (٣).
_________________
(١) " البخاري بحاشية السندي ": ١/ ٣٠، ٣٣.
(٢) " صحيح مسلم ": ١/ ١٨٧، ١٨٩، دار الطباعة العامرة، سنة ١٣٢٩ هـ.
(٣) " الترمذي بشرح ابن العربي ": ١ / [١٠٨]، ١١٦.
[ ٣٢٥ ]
وكذلك فعل أبو داود: (بَابُ الوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ) ثم (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ). ولكنه كان يرى الوضوء من أكل ما مسته النار، ويذهب إلى أن ترك الوضوء منه هو المنسوخ، بالإضافة إلى أنه كان يرى الوضوء من لحوم الإبل كعامة أهل الحديث. ولهذا ذكر (بَابُ الوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ) بمفرده، ثم بعده ببابين ذكر (بَابٌ فِي تَرْكِ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ) ثم أعقبه بقوله: (بَابُ التَّشْدِيدِ فِي ذَلِكَ)، وقد روى أبو داود في (بَابٌ [فِي] الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ) أحاديث مختلفة لم يبين وجه الجمع بينها (١).
وكذلك النسائي (بَابُ الوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ)، ثم (بَابُ تَرْكِ الوُضُوءِ مِنْ ذَلِكَ).
(بَابُ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)، ثم (بَابُ تَرْكِ الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ) (٢).
وكذلك فعل ابن ماجه: (بَابُ الوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ)، ثم (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ).
و(بَابُ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)، ثم (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ)، ثم (بَابُ مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ مِنْ [لُحُومِ] الإِبِلِ) (٣).
وقد رأينا أن بعض المحدثين يُعَنْوِنُ للأحاديث المعارضة للباب الذي قدمه عليها بـ (بَابُ تَرْكِ كَذَا)، وهذ العنوان يشير إلى ميل المؤلف
_________________
(١) " أبو داود ": ١/ ٤، ٩٢.
(٢) " سنن النسائي ": ١/ ١٠٠، ١٠٨.
(٣) " سنن ابن ماجه ": ١/ ٩١، ٩٢.
[ ٣٢٦ ]
للنسخ، على حين يعنون آخرون بقولهم: (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي كَذَا) وهو عنوان يفيد أن العمل بالأحاديث المتقدمة لم يهمل، بل العمل بها لا يخلو عن احتياط وإن كان العمل بالأحاديث المعارضة لها جائزًا.