ومذهب الظاهرية في الإجماع مرتبط بمذهبهم في قصر الحجة على النصوص. كما أنه متأثر إلى حد كبير بمذهب الشافعي وأحمد بن حنبل فيه، وبالجملة التي شنها عليهم خصومهم. واتهموهم فيها بمخالفة الإجماع في المسائل التي شذوا فيها.
وكون الإجماع حجة هو موضع اتفاق بين الظاهرية وغيرهم (١)، وإنما الخلاف في ماهية هذا الإجماع.
وقد حكى ابن حزم فيه ما يقرب من سبعة عشر قولًا (٢)، والذي يهمنا هو ما حكاه من تصور داود الظاهري وكثير من أصحابه للإجماع، فقد قالوا: إنه لا إجماع إلا إجماع الصحابة - ﵃ -، لأنهم شهدوا التوقيف من رسول الله - ﷺ -، وقد صح أنه لا إجماع إلا عن توقيف، ولأنهم كانوا جميع المؤمنين، لا مؤمن من الناس سواهم، فإجماعهم حينئذٍ هو الإجماع المقطوع به، أما كل عصر بعدهم، فإنما هم بعض
_________________
(١) انظر " الإحكام ": ٤/ ١٢٨، ١٣١. وقد ذهب الشيعة والخوارج والنَظَّامُ من المعتزلة إلى أن الإجماع ليس حجة. (" أصول التشريع "، للأستاذ علي حسب الله).
(٢) انظر " الإحكام ": ٣/ ١٤٣، ١٤٦.
[ ٣٧٧ ]
المؤمنين لا كلهم، وليس إجماع بعض المؤمنين، إنما الإجماع إجماع جميعهم، وقد كان الصحابة عددًا محصورًا يمكن أن يحاط بهم وتعرف أقوالهم، وليس من بعدهم كذلك (١).
وقد ذهب ابن حزم أيضًا إلى أن الإجماع هو إجماع الصحابة، وقسمه إلى قسمين:
- أولهما: كل ما لا يشك أحد من المسلمين في أن من لم يقل به فليس مسلمًا، كالنطق بالشهادتين، وكوجوب الصلوات الخمس، وصوم رمضان، وتحريم الميتة والخنزير، والإقرار بالقرآن، وجملة الزكاة.
- ثانيهما: شيء شهده جميع الصحابة من فعل رسول الله - ﷺ -، أو تيقن أنه عرفه كل من غاب عنه منهم، كَفِعْلِهِ فِي خَيْبَرَ، إِذْ أَعْطَاهَا اليَهُودَ بِنِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ، يخرجهم المسلمون إذا شاءوا. ومخالفة هذا القسم الأخير، لا تؤدي إلى الكفر، إذا كانت المخالفة نتيجة الخطأ في الاجتهاد (٢).
ويقول ابن حزم: «وَأَمَّا نَحْنُ فَلَيْسَ هَذَا عِنْدَنَا إجْمَاعًا، وَلَا يَكُونُ إجْمَاعًا إلَّا مَا لَا شَكَّ فِي أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ يَقُولُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقُلْهُ فَهُوَ كَافِرٌ: كَالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، وَالحَجِّ إلَى مَكَّةَ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ» (٣).
وإذا قارنا مذهب الظاهرية في الإجماع، وبخاصة هذه العبارة الأخيرة لابن حزم، بما أثر عن الشافعي وأحمد من رأيهما في الإجماع - أدركنا تشابهًا كبيرًا في الفكرة، يوحي بتأثيرهما في أهل الظاهر.
_________________
(١) " الإحكام "، لابن حزم: ٤/ ١٤٧.
(٢) " الإحكام "، لابن حزم: ٤/ ١٤٩، ١٥٠؛ وانظر " النبذ " له: ص ٨، ١٧؛ و" رسالته في مسائل الأصول ": ص ٢٣، ٣٣.
(٣) " المحلى ": ٧/ ٣٢.
[ ٣٧٨ ]
فالشافعي - مع قوله بحجية الإجماع واستدلاله له - يقول: «لَسْتُ أَقُولُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: هَذَا مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ، إِلَّا لَمَّا لَا تَلْقَى عَالِمًا أَبَدًا إِلَّا قَالَهُ لَكَ، وَحَكَاهُ عَمَّنْ قَبْلَهُ، كَالظُّهْرِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَكَتَحْرِيمِ الخَمْرِ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا» (١).
وأحمد بن حنبل يقول: «مَنْ ادَّعَى الإِجْمَاعَ فَهُوَ كَاذِبٌ، لَعَلَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا، وَلَكِنْ يَقُولُ: لَا نَعْلَمُ النَّاسَ اخْتَلَفُوا، أَوْ لَمْ يَبْلُغْنَا» (٢).
ومما يدل على أن موقف الظاهرية من الإجماع متأثر كذلك بحملة خصومهم عليهم - أنهم مع تسليمهم بحجية الإجماع يختلفون مع الجمهور في موضعين: أحدهما أن الإجماع لا بد من استناده إلى نص. وثانيهما: كما يقول ابن حزم: «دَعْوَاهُمْ - أَيْ غَيْرَ الظَّاهِرِيَّةِ - الإِجْمَاعُ فِي مَوَاضِعَ ادَّعُوا فِيهَا البَاطِلَ بِحَيْثُ لَا يَقْطَعُ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ بِلَا بُرْهَانٍ: أَمَّا فِي مَكَانٍ قَدْ صَحَّ فِيهِ الاِخْتِلَافُ مَوْجُودًا وَإِمَّا فِي مَكَانٍ لَا نَعْلَمُ نَحْنُ فِيهِ اِخْتِلَافًا إِلَّا أَنَّ وُجُودَ الاِخْتِلَافِ فِيهِ مُمْكِنٌ» (٣).
هذه ملامح من فكرة الظاهرية عن الإجماع، وهي في جوهرها تؤكد أن الإجماع عندهم لا يخرج عن أن يكون نصوصًا مجمعًا عليها.
الدَّلِيلُ:
بعد أن عرضنا لمفهوم النصوص والإجماع عند الظاهرية، ننتقل
_________________
(١) " أصول التشريع "، للأستاذ علي حسب الله: ص ١٠٢. وانظر " الشافعي "، للأستاذ أبي زهرة: ص ٢٥١، ٢٦٢.
(٢) " أصول التشريع "، للأستاذ علي حسب الله: ص ٩٧؛ وانظر " ابن حنبل "، للأستاذ أبي زهرة: ص ٢٥٩، ٢٦٩.
(٣) " الإحكام ": ٤/ ١٣١.
[ ٣٧٩ ]
الآن إلى الأصل الأخير من الأصول التي ذكرها ابن حزم فيما نقلناه عنه في بداية حديثنا عن أصول أهل الظاهر، وهذا الأصل هو الدليل.
ويذكر ابن عبد البر أن داود بن علي ومن قال بقوله قد نفوا القياس في التوحيد والأحكام جميعًا، ولكنهم أثبتوا الدليل والاستدلال في الأحكام.
ثم بَيَّنَ أن الدليل عند داود ومن تابعه، نحو قول الله - جَلَّ وَعَزَّ -: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، لو قال قائل: فيه دليل على رد شهادة الفساق كان مستدلا مصيبًا. ونحو قول الله - ﷿ - ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] كان فيه دليل على قبول خبر العدل. ونحو قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، دليل على أن كل مانع من السعي إلى الجمعة فتركه واجب، لأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن جميع أضداده.
ثم ذكر ابن عبد البر أن العلماء قد اختلفوا في هذا الاستدلال على وجهين:
أولهما - أنه نوع من أنواع القياس فيدخله ما يدخل القياس من العلل.
وثانيهما - أنه هو النص بعينه وفحوى خطابه.
ثم رجح أنه غير قياس، فقال: «القِيَاسُ الذِي لَا يُخْتَلَفُ أَنَّهُ قِيَاسٌ هُوَ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ إِذَا أَشْبَهَهُ، وَالحُكْمُ لِلنَّظِيرِ بِحُكْمِ نَظِيرِهِ إِذَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ، وَالْحُكْمُ لِلْفَرْعِ بِحُكْمِ أَصْلِهِ إِذَا قَامَتْ فِيهِ العِلَّةُ التِي مِنْ أَجْلِهَا وَقَعَ الحُكْمُ» (١).
والأمثلة التي ذكرها ابن عبد البر ليوضح بها معنى الدليل، فيها ما يوهم أن الظاهرية يقولون بمفهوم المخالفة إذا كان الدليل على قبول خبر الواحد العدل مقصورًا عندهم على قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦]، فقط مع ما قد ذكرناه عنهم من رفضهم هذا المفهوم، إذ هو غير منصوص.
_________________
(١) انظر " جامع بيان العلم ": ٢/ ٧٤، ٧٨.
[ ٣٨٠ ]
وقد رد ابن حزم هذا التأويل الموهم بقوله: «وَلَوْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا هَذِهِ الآيَةَ وَحْدَهَا، لَمَا كَانَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ العَدْلِ، وَلَا عَلَى المَنْعِ مِنْ قَبُولِهِ بَلْ إِنَّمَا مَنَعَ فِيهَا مِنْ قَبُولِ خَبَرِ الفَاسِقِ فَقَطْ، وَكَانَ يَبْقَى خَبَرُ العَدْلِ مَوْقُوفًا عَلَى دَلِيلِهِ، وَلَكِنْ لَمَّا اسْتَفَاضَتْ هَذِهِ الآيَةُ التِي فِيهَا المَنْعُ مِنْ قَبُولِ خَبَرِ الفَاسِقِ، إِلَى الآيَةِ التِي فِيهَا قَبُولُ نَذَارَةِ النَّافِرِ لِلْتَّفَقُّهِ، صَارَتَا مُقَدَّمَتَيْنِ أَنْتَجَتَا قَبُولَ خَبَرِ الوَاحِدِ العَدْلِ، دُونَ الفَاسِقِ بِضَرُورَةِ البُرْهَانِ» (١).
وهو يشير إلى أن قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]، يوجب قبول الخبر النافر للتفقه. ولا يخلو هذا النافر من أن يكون عدلًا أو فاسقًا، ولا سبيل إلى قسم ثالث، وقد أمر الله - ﷾ - بالتوقف في قبول خبر الفاسق بقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦]. فلم يبق إلا قبول خبر العدل، وهذا استدلال بمنطوق النصوص، لا بمفهومها.