أما أبو داود والنسائي فيشتركان في أنهما اقتصرا في كتابيهما على أحاديث الأحكام، أو كادا يقتصران عليها، فلم يرويا أحاديث الفضائل والزهد والرقاق. كما اشتركا في التراجم الواضحة المختصرة التي تعبر عن اختياراتهم، أو تشير إلى آرائهم والتي تجردت من ذكر آراء الصحابة أو غيره فيها.
لكن التعليقات الفقهية على الأحاديث عند أبي داود، كانت أكثر منها عند النسائي، كما كان أبو داود أكثر تصريحًا برأيه، وذكرًا لآراء التابعين، وكثير من آراء أبي داود ينقلها عن أحمد بن حنبل، مما يبين تأثره به، ولا شك أنه تتلمذ عليه، حتى أتيح له أن يروي عنه كتابًا في المسائل.
ومن أمثلة نقله عن ابن حنبل، ما جاء في (بَابُ المُحْرِمِ يَمُوتُ كَيْفَ يُصْنَعُ بِهِ؟)، فإنه بعد أن روى الحديث في ذلك قال: «سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ،
_________________
(١) " الترمذي " بتحقيق شاكر: ١/ ٤٠، ٤١؛ وبـ " شرح ابن العربي ": ١/ ٤٤، ٤٥. وانظر ٢/ ٢٧، ٢٨ بـ " شرح ابن العربي ".
[ ٣١٦ ]
يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " خَمْسُ سُنَنٍ » (١).
وفي (بَابُ الرَّجُلِ يُكَفِّرُ قَبْلَ أَنْ يَحْنَثَ) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «سَمِعْت أَحْمَدَ، يُرَخِّصُ فِيهَا الكَفَّارَةَ قَبْلَ الحِنْثِ» (٢)، وفي (بَابٌ [فِي] الغُسْلِ مِنْ غَسْلِ المَيِّتِ)، روى حديث: «مَنْ غَسَّلَ المَيِّتَ فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، ثم قال: «هَذَا مَنْسُوخٌ، وسَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَسُئِلَ عَنِ الغُسْلِ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ؟ فَقَالَ: " يُجْزِيهِ الْوُضُوءُ "» (٣) (*).
أما اختياراته وذكره لآراء السلف، فيتضح في مثل ما رواه عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الخَيْلِ، وَالبِغَالِ، وَالحَمِيرِ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ»، حيث علق أبو داود على هذا الحديث بقوله: «وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «لَا بَأْسَ بِلُحُومِ الخَيْلِ، وَلَيْسَ العَمَلُ عَلَيْهِ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَهَذَا مَنْسُوخٌ، قَدْ أَكَلَ لُحُومَ الخَيْلِ جَمَاعَةٌ مَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْهُمْ: ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَفَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ، وَعَلْقَمَةُ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَذْبَحُهَا» (٤).
وروى عن أم سلمة قالت: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَعِنْدَهُ مَيْمُونَةُ، فَأَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُمِرْنَا بِالحِجَابِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «احْتَجِبَا مِنْهُ»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ أَعْمَى لاَ يُبْصِرُنَا، وَلاَ يَعْرِفُنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا؟، أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ؟».
_________________
(١) و(٢) " سنن أبي داود ": ٣/ ٢٩٧، ٢٩٨، ٣١١.
(٢) " سنن أبي داود ": ٣/ ٢٧٢، ٢٧٣.
(٣) " سنن أبي داود ": ٣/ ٤٨١، ٤٨٢. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]: (*) قال أبو الوليد ابن رشد: «وَفِيهِ أَثَرٌ ضَعِيفٌ: " مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ "». انظر " شرح بداية المجتهد ونهاية المقتصد "، شرح وتحقيق وتخريج الدكتور عبد الله العبادي، ١/ ٩١، الطبعة الأولى: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة - القاهرة. قال الزيلعي: «فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ، وَبَسَطَ الْبَيْهَقِيُّ الْقَوْلَ فِي طُرُقِهِ، وَقَالَ: الصَّحِيحُ وَقْفُهُ». انظر " نصب الراية "، للزيلعي (ت ٧٦٢ هـ)، تصحيح الشيخ محمد عوامة، ٢/ ٢٨٢، حديث رقم ٣١٠٣، الطبعة الأولى: ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م، نشر دار القبلة للثقافة الإسلامية - جدة. مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت - لبنان. المكتبة المكية.
[ ٣١٧ ]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «هَذَا لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - خَاصَّةً، أَلَا تَرَى إِلَى اعْتِدَادِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ»، قَدْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ» (١).
وفي باب المستحاضة، بعد أن ذكر أبو داود ما يفيد أن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ، قال: «وَهُوَ قَوْل الحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٍ، وَمَكْحُولٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَسَالِمٍ، وَالقَاسِمِ، أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَدَعُ الصَّلاَةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا» (٢).
ويشير إلى رأي ربيعة ومالك، فيذكر عَنْ رَبِيعَةَ، «أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى عَلَى المُسْتَحَاضَةِ وُضُوءًا [عِنْدَ] كُلِّ صَلاَةٍ إِلاَّ أَنْ يُصِيبَهَا حَدَثٌ غَيْرُ الدَّمِ، فَتَتَوَضَّأُ» ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ابْنَ أَنَسٍ (٣).
وفي الكلام على سترة المصلي، ومنعه من يمر أمامه روى حديث: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَّيْطَانٌ» نقل أبوداود أن سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ: «يَمُرُّ الرَّجُلُ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ يَدَيَّ وَأَنَا أُصَلِّي فَأَمْنَعُهُ، وَيَمُرُّ الضَّعِيفُ فَلاَ أَمْنَعُهُ» (٤).
أما النسائي فلا تكاد تلمح له تعقيبات فقهية، ولا تلمس منه اهتمامًا بذكر الآراء، سواء أكانت آراء الصحابة، أم آراء غيرهم من التابعين وأئمة المذاهب.
_________________
(١) " سنن أبي داود ": ٤/ ٨٩، ٩٠.
(٢) " سنن أبي داود ": ١/ ١١٧.
(٣) " سنن أبي داود ": ١/ ١٢٩.
(٤) " سنن أبي داود ": ١/ ٢٦١.
[ ٣١٨ ]
ويلاحظ أن النسائي كرر كثيرًا من أبواب الطهارة، ولعل ذلك لأنه بدأ كتابه بقوله: (تَأْوِيلُ قَوْلِهِ ﷿: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]). فذكر ما يتعلق بتأويل هذه الآية من الوضوء والغسل وموجباتهما، ونواقضهما، وبعد أن انتهى من تفسيره عاد فذكر أبواب المياه والغسل على حدة، كما يلاحظ أنه قد يكرر الحديث الواحد تحت عدة تراجم، مثل ما رواه من قوله - ﷺ -: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الاخْتِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ»، فقد روي هذا الحديث بطرق مختلفة، تنتهي كلها إلى الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وترجم له من الأبواب: (ذِكْرُ الفِطْرَةِ - الاخْتِتَانُ - تَقْلِيمُ الأَظْفَارِ - نَتْفُ الإِبْطِ - وَحَلْقُ العَانَةِ) (١).
أما آراء النسائي فيمكن أن تستنبط من تراجمه، التي راعى فيها أن تكون موجزة، تتحاشى التحليل والتحريم بقدر الإمكان، مثل: (بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي)، (التَّلَقِّي)، (النَّجَشُ)، (الْبَيْعُ فِيمَنْ يَزِيدُ) (٢)، والعناوين الثلاثة الأولى روى فيها ما يفيد النهي، وروى في الأخير ما يفيد الجواز، وهو «أَنَّ [رَسُولَ اللَّهِ]- ﷺ - بَاعَ قَدَحًا وَحِلْسًا فِيمَنْ يَزِيدُ»، وَالحِلْسُ: كساء يلي ظهر البعير يفرش تحت القتب.
وقد يفسر الترجمة في بعض الأحيان مثل قوله: «النَّهْيُ عَنِ المُصَرَّاةِ: وَهُوَ أَنْ يَرْبِطَ أَخْلاَفَ النَّاقَةِ، أَوِ الشَّاةِ، وَتُتْرَكَ مِنَ الحَلْبِ يَوْمَيْنِ، وَالثَّلاَثَةَ حَتَّى يَجْتَمِعَ لَهَا لَبَنٌ فَيَزِيدَ مُشْتَرِيهَا فِي قِيمَتِهَا لِمَا يَرَى مِنْ كَثْرَةِ لَبَنِهَا» (٣).
_________________
(١) " سنن النسائي بشرح السيوطي وحاشية السندي ": ١/ ١٣، ١٥، طبع المطبعة العصرية بالأزهر، سنة ١٣٤٨ هـ - ١٩٣٠ م.
(٢) " سنن النسائي ": ٧/ ٢٥٦، ٢٥٩.
(٣) " سنن النسائي ": ٧/ ٢٥٢.
[ ٣١٩ ]
والنسائي يرتب أبوابه الأول فالأول بحسب ترتيبها في الشرع، بحيث لو جمعت تراجم الغسل من الجنابة مثلًا لكانت أشبه شيء حينئذٍ بمتون الفقه، حيث تجمع المسائل مجردة من دليلها، وها هي ذي أبواب الغسل من الجنابة: (ذِكْرُ غُسْلِ الجُنُبِ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الإِنَاءَ - بَابُ [ذِكْرِ] عَدَدِ غَسْلِ اليَدَيْنَ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الإِنَاءَ - إِزَالَةُ [الجُنُبِ] الأَذَى عَنْ جَسَدِهِ بَعْدَ غَسْلِ يَدَيْهِ - بَابُ إِعَادَةِ الجُنُبِ غَسْلَ يَدَيْهِ بَعْدَ إِزَالَةِ الأَذَى عَنْ جَسَدِهِ - بَابُ تَخْلِيلِ الجُنُبِ رَأْسَهُ - بَابُ ذِكْرِ مَا يَكْفِي الجُنُبَ مِنْ إِفَاضَةِ المَاءِ عَلَى رَأْسِهِ - بَابُ ذِكْرِ العَمَلِ فِي الغُسْلِ مِنَ الحَيْضِ - بَابُ تَرْكِ الوُضُوءِ مِنْ بَعْدِ الغُسْلِ - بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي غَيْرِ المَكَانِ الذِي يُغْتَسَلُ فِيهِ - بَابُ تَرْكِ المِنْدِيلِ بَعْدَ الغُسْلِ) (١).
على أن النسائي يمتاز من بين كتاب السنن، بذكره موضوعًا هَامًّا غفلوا عنه، هو موضوع التوثيق، ففي معرض حديثه عن حكم كراء الأرض وما وقع فيه من الاختلاف، ذكر نموذجًا لكتابة مزارعه، قال فيه: قال أبو عبد الرحمن - أي النسائي -: «كِتَابَةُ مُزَارَعَةٍ عَلَى أَنَّ البَذْرَ وَالنَّفَقَةَ عَلَى صَاحِبِ الأَرْضِ، وَلِلْمُزَارِعِ رُبُعُ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ ﷿ مِنْهَا».
ثم ذكر صورة لهذا الكتاب.
ثم روى عن سعيد بن المسيب صورة لكتاب مقارضة، وبعده ذكر صورًا مختلفة لكتابة عقد شركة، ثم صورة لتفرق زوجين، ماذا يكتب لتوثيق ذلك، إلى غير ذلك من الموضوعات التي تحتاج إلى توثيق (٢).
_________________
(١) " سنن النسائي ": ١/ ٤٨ - ٥٠، وانظر مثل هذا الترتيب في أبواب كتاب الافتتاح في الصلاة: ١/ ١٤٠ وما بعدها.
(٢) انظر " النسائي ": ٧/ ٥٠ وما بعدها، المطبعة المصرية بالأزهر، نشر المكتبة التجارية.
[ ٣٢٠ ]