ثم يأتي الترمذي، فيسلك طريق البخاري في الاهتمام بفقه الحديث، ويليه مباشرة في الترتيب بين كتاب " السنن " - في وضوح الشخصية الفقهية - ولا شك أنه تأثر بالبخاري هنا، فضلًا عن تأثره به في العلل والتاريخ، كما سبق أن نقلنا تصريحه بذلك.
ولكن على الرغم من تأثره بالبخاري، وإعجابه به، كانت له طريقة خاصة في إثبات الآراء الفقهية، نوجز أهم ملامحها فيما يلي:
١ - ترجم الترمذي للأبواب بعناوين مختصرة غير أنها واضحة، ووثيقة الصلة بما عنونت له، مجردة من الإضافات والآراء. فإذا روى الأحاديث التي يريد روايتها في الباب المترجم له، عَقَّبَ عليها بنقدها من حيث الصناعة الحديثية، ثم من حيث الأحكام الفقهية المأخوذة من الأحاديث مُنَبِّهًا على مذاهب الصحابة والتابعين وتابعيهم في الأحكام.
٢ - وفي ذكر الآراء الفقهية التي يعقب بها على الأحاديث، عني الترمذي عناية كبيرة بذكر فقهاء أهل الحديث، حتى كاد ذلك يكون التزامًا منه في معظم أبواب الأحكام. ولا يغنيه عن ذكر آرائهم كون الحكم الفقهي موضع اتفاق بين معظم أهل العلم، كما في (بَابُ مَا جَاءَ فِي الوَلِيَّيْنِ يُزَوِّجَانِ) حيث روى فيه عن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا». فقد عقب عليه بقوله: «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلاَفًا: إِذَا زَوَّجَ أَحَدُ الوَلِيَّيْنِ قَبْلَ الآخَرِ، فَنِكَاحُ الأَوَّلِ جَائِزٌ، وَنِكَاحُ الآخَرِ مَفْسُوخٌ، وَإِذَا زَوَّجَا جَمِيعًا فَنِكَاحُهُمَا جَمِيعًا مَفْسُوخٌ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ» (١).
_________________
(١) " الترمذي بشرح ابن العربي ": ١/ ٣٠، ٣١.
[ ٣١٢ ]
وكذلك ما جاء في (بَابُ مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ المُتْعَةِ) من قوله: «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ وَأَمْرُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ» (١).
وهؤلاء الفقهاء الخمسة، بإضافة مالك بن أنس أحيانًا - هم الذين اعتنى الترمذي بذكر آرائهم، وهم الذين ذكر أسانيده إليهم في خاتمة " جامعه "، التي سبق الكلام عنها.
أما أبو حنيفة فلا يصرح باسمه إلا نادرًا (٢)، وإنما يذكره في جملة الكوفيين، أو يعبر عنه بقوله: «وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِرَاقِ»، أو «بَعْضُ النَّاسِ»، وهو في هذا التعبير الأخير متأثر بالبخاري، الذي دأب عليه في إشاراته إلى مدرسة أبي حنيفة.
ومن أمثلة هذا التعبير عند الترمذي قوله: بعد روايته للحديث: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» قال الترمذي (*): «وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِجَازَةِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ بِهَذَا الحَدِيثِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيثِ مَا احْتَجُّوا بِهِ لأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ»، وَهَكَذَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ. (٣).
_________________
(١) " الترمذي بشرح ابن العربي ": ٥/ ٤٨، ٤٩.
(٢) من هذا النادر ما ذكره في المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين وإن لم يكونا مُنَعَّلَيْنِ، فقد ذهب إلى الجواز الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، والمشهور أن أبا حنيفة يمنه، ولكن الترمذي روى عن صالح بن أحمد قال: سَمِعْتُ أَبَا مُقَاتِلٍ السَّمَرْقَنْدِيَّ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، وَعَلَيْهِ جَوْرَبَانِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ قَالَ: «فَعَلْتُ اليَوْمَ شَيْئًا لَمْ أَكُنْ أَفْعَلُهُ، مَسَحْتُ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَهُمَا غَيْرُ مُنَعَّلَيْنِ» (" السنن ": ١/ ١٦٨، ١٦٩).
(٣) " الترمذي ": ٥/ ٢٥، ٢٦. وانظر أيضًا: ٣/ ٦٥. ٥/ ٣٤، وكثير غيرها (**). [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]: (*) انظر صفحة ٥٢٩ من هذا الكتاب. (**) انظر " السنن "، الإمام الترمذي، تحقيق الشيخ أحمد شاكر: أَبْوَابُ الطَّهَارَةِ، (٧٤) بَابٌ مَا جَاءَ فِي المَسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ، حديث رقم ٩٩، ١/ ١٦٩، نشر دار إحياء التراث العربي. وانظر " عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي " أبو بكر بن العربي (ت ٥٤٣ هـ)، وضع حواشيه الشيخ جمال مرعشلي، أَبْوَابُ الطَّهَارَةِ، (٧٤) بَابٌ مَا جَاءَ فِي المَسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ، الطبعة الأولى: ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م، ١/ ١٢٤، حديث ٩٩، دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان.
[ ٣١٣ ]
٣ - يرجح الترمذي بين الآراء المختلفة، ويصرح باختياره، وفي بعض الأحيان يعرض الآراء دون أن يبين الراجح منها، وغالبًا ما يكون ذلك إذا اختلف فقهاء الحديث فيما بينهم:
فمما صرح فيه بالترجيح ما جاء في الإبراد بالظهر، وأن تأخير صلاة الظهر في شدة الحر هو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق. أما الشافعي فذهب إلى أن الإبراد إنما يكون إذا كان المسجد بعيدًا، فأما المصلي وحده، والذي يصلي في مسجد قومه فالذي أحب له ألا يؤخر الصلاة في شدة الحر.
قال أبو عيسى: «وَمَعْنَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَأْخِيرِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ: هُوَ أَوْلَى وَأَشْبَهُ بِالاتِّبَاعِ، وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الرُّخْصَةَ لِمَنْ يَنْتَابُ مِنَ البُعْدِ وَالمَشَقَّةِ عَلَى النَّاسِ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلاَفِ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَأَذَّنَ بِلاَلٌ بِصَلاَةِ الظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا بِلاَلُ أَبْرِدْ، ثُمَّ أَبْرِدْ»، «فَلَوْ كَانَ الأَمْرُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ لَمْ يَكُنْ لِلإِبْرَادِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ مَعْنًى لاجْتِمَاعِهِمْ فِي السَّفَرِ، وَكَانُوا لاَ يَحْتَاجُونَ أَنْ يَنْتَابُوا مِنَ البُعْدِ» (١).
ومما رجح فيه أيضًا ما جاء في الحامل المتوفى عنها زوجها، هل تنتهي عدتها بوضع الحمل، أو تنتظر إلى أبعد الأجلين؟ فقد ذكر أن العمل عند أكثر أهل العلم على القول الأول: «وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ [مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَغَيْرِهِمْ]: تَعْتَدُّ آخِرَ الأَجَلَيْنِ وَالقَوْلُ الأَوَّلُ أَصَحُّ» (٢).
_________________
(١) " الترمذي " بتحقيق أحمد شاكر: ١/ ٢٩٥، ٢٩٧، والنص بأكمله من الصفحة الأخيرة.
(٢) " الترمذي بشرح ابن العربي ": / ١٧٠، وانظر أيضًا: ٥/ ١٩٥ - ١٩٧، ٣/ ١٤٦، ١٨١، ١/ ١٢٧ - ١٢٩ بشرح ابن العربي.
[ ٣١٤ ]
أما المواضع التي لا يرجح فيها فقد ذكرنا أن معظمها في مسائل اختلف فيها فقهاء أهل الحديث، وهو لا يترجم لها بما يمكن أن يشير إلى رأيه، وإنما يترجم ترجمة محايدة، مثل (بَابُ مَا جَاءَ فِي كَذَا)، كقوله: (بَابُ [مَا جَاءَ] إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ [مَنَامِهِ]، فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا)، وبعد أن روى هذا الحديث عن أبي هريرة ذكر آراء العلماء، فقال: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «أُحِبُّ لِكُلِّ مَنْ اسْتَيْقَظَ مِنَ النَّوْمِ، قَائِلَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، أَنْ لاَ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا، فَإِنْ أَدْخَلَ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا، كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَلَمْ يُفْسِدْ ذَلِكَ المَاءَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ نَجَاسَةٌ». وقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا فَأَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يُهْرِيقَ المَاءَ».
وقَالَ إِسْحَاقُ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ النَّوْمِ، بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ، فَلاَ يُدْخِلْ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا» (١).
وكقوله بعد أن روى حديث: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْتَثِرْ، وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ»: «وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِيمَنْ تَرَكَ المَضْمَضَةَ وَالاسْتِنْشَاقَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إِذَا تَرَكَهُمَا فِي الوُضُوءِ حَتَّى صَلَّى أَعَادَ الصَّلاَةَ، وَرَأَوْا ذَلِكَ فِي الوُضُوءِ وَالجَنَابَةِ سَوَاءً، وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وقَالَ أَحْمَدُ: الاسْتِنْشَاقُ أَوْكَدُ مِنَ الْمَضْمَضَةِ».
قال أبو عيسى: «وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: يُعِيدُ فِي الجَنَابَةِ، وَلَا يُعِيدُ فِي الوُضُوءِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَبَعْضِ أَهْلِ الكُوفَةِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُعِيدُ فِي الوُضُوءِ، وَلَا فِي الجَنَابَةِ، لِأَنَّهُمَا سُنَّةٌ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَلاَ تَجِبُ الإِعَادَةُ عَلَى مَنْ تَرَكَهُمَا فِي الوُضُوءِ، وَلَا فِي
_________________
(١) " الترمذي " بتحقيق شاكر: ١/ ٣٦، ٣٧؛ وبـ " شرح ابن العربي ": ١/ ٤٠، ٤٢.
[ ٣١٥ ]
الجَنَابَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي آخِرَةٍ» (١).
ويلاحظ أنه ترجم لهذا الباب بقوله: (بَابُ مَا جَاءَ فِي المَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ).
وبهذه الطريقة التي تعنى بذكر الآراء المختلفة في موضوع الحديث، يعتبر " جامع الترمذي " مصدرًا جيدًا للخلافات بين الفقهاء، وبخاصة الفقهاء الخمسة الذين حرص على ذكر آرائهم. كما يمتاز باختصار طرق الحديث، فلا يروي منه إلا أصحها ثم يشير إلى الطرق الأخرى بقوله: «وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ» مثلًا.