أما مسلم فقد تأخرت مرتبته عن كتاب السنن من حيث العمل الفقهي في " صحيحه "، بل كان الوحيد من بين أهل الحديث، الذي روى الأحاديث دون أن يفصل بينها بتراجم توضح رأيه وتدل على استنباطه، وقد نقل النووي في مقدمته لـ " صحيح مسلم "، عن ابن الصلاح - أن السر في ترك مسلم للترجمة، هو خشيته من أن يزداد بها حجم الكتاب، أو لغير ذلك. ونستطيع أن نقول إن السبب غير ذلك، فإن تراجم الكتاب كله لن تزيد في حجمه صفحة أو صفحتين. والملاحظ أن " صحيح مسلم " مرتب ترتيبًا متقنًا حسب أبواب الفقه المختلفة، يجمع الأحاديث بطرقها في كل باب،
_________________
(١) " سنن الدارمي ": ٢/ ٧.
(٢) " سنن الدارمي ": ٢/ ١٣.
(٣) انظر مثلًا في " سنن ابن ماجه ": ٢/ ٩٨٦، ٩٨٧، تعليق محمد فؤاد عبد الباقي.
[ ٣٢٢ ]
فلعله أهمل الترجمة ليجعل القارئ أمام الحديث وجهًا لوجه يستنبط منه ما يشاء دون أن يوعز إليه برأيه، أو يشير إليه بما يمكن أن يستنبط منه، بل يرويه له مجردًا من رأيه، بل ومن رأى غيره من الصحابة والتابعين وتابعيهم، إذ الترجمة في حقيقتها ليست إلا انعكاسًا لفهم المؤلف ورأيه، فيما يدل عليه المروي تحت ترجمته.
وكما خلا " صحيح مسلم " من التراجم، خلا من أي تعقيبات فقهية له أو لغيره، وإن كانت روايته لحديث ما دليلًا على أنه يذهب إليه ما دام صحيحًا في نظره، أما الضعيف فلا يرويه ولا يقول به، كما يمكن أن يستنبط رأيه فيما التزمه في موضوعات مختلف الحديث، وهي التي نشرع فيها الآن.