ونلاحظ هنا أن البخاري مع أخذه بالأحوط، فإن اتجاهه الظاهري قد غلب عليه، فلم يجعل للذرائع أثرًا في مقابلة عموم النص. ولذلك
_________________
(١) انظر " المغني ": ٤/ ١٧٤. ٦/ ١.
(٢) انظر " المحلى ": ٩/ ٤٧، ٥٢. والآية الأولى هي من ٢٧٥ البقرة، والثانية من ١١٩ [الأنعام].
[ ٤٤٨ ]
لا نستطيع أن نتابع ابْنَ المُنَيِّرِ في إطلاقه القول بأن البخاري يقول بسد الذرائع كذلك (١).
على أن الأحوط الذي يأخذ به البخاري، ليس في ترك ما يبيحه النص خوفًا من التجرأ على ما لا يبيحه، أو حذرًا من مفسدة يؤول إليها الفعل ولكن الأحوط عنده هو ترجيح لأحد النصين المتعارضين على الآخر: مثل ما ذكرناه من قبل، من أن البخاري روى حديث: «إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ» (*) ثم روى حديث: «المَاءُ مِنَ المَاءِ» ولما لم يتضح عنده وجه نسخ الحديث الأول للثاني، قال: «الغَسْلُ أَحْوَطُ» (٢).
ومثل ذلك أيضًا ما ذكره من الاختلاف في الفخذ، هل هو عورة، أو لا؟ فقد قال في ترجمته: (بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الفَخِذِ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَرْهَدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «الفَخِذُ عَوْرَةٌ» وَقَالَ أَنَسُ [بْنُ مَالِكٍ]: «حَسَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ فَخِذِهِ». [قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ]: «وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ حَتَّى يُخْرَجَ مِنَ اخْتِلاَفِهِمْ» وَقَالَ أَبُو مُوسَى: «غَطَّى النَّبِيُّ - ﷺ - رُكْبَتَيْهِ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ». وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: «أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ - وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي» (٣).
وفي الوضوء بالماء الذي ولغ فيه الكلب، يقول البخاري: (بَابُ المَاءِ الذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَانِ، وَكَانَ عَطَاءٌ: «لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا الخُيُوطُ وَالحِبَالُ، وَسُؤْرِ الكِلاَبِ وَمَمَرِّهَا فِي المَسْجِدِ». وَقَالَ الزُّهْرِيُّ:
_________________
(١) انظر: ما سبق في ص ٣٤٠.
(٢) انظر: ما سبق في ص ٣٢٧، ٣٢٨.
(٣) " البخاري بحاشية السندي ": ١/ ٥١. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]: (*) لم ترد الرواية في " صحيح البخاري " بهذه الصيغة وإنما ذكره بلفظ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ»، والصيغة وردت في ذكر الباب: (بَابٌ إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ). قارن بما ورد في ص ٣٢٧ من هذا الكتاب.
[ ٤٤٩ ]
«إِذَا وَلَغَ فِي إِنَاءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرُهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ» وَقَالَ سُفْيَانُ: «هَذَا الفِقْهُ بِعَيْنِهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] وَهَذَا مَاءٌ، وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ، يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ» (١).
هذه هي الحيطة في مفهوم البخاري، ولكن نطاقها لا يتسع عنده حتى تشمل مثلًا تحريم أو كراهة الاستنشاق أو المبالغة فيه للصائم، حتى لا يكون ذريعة إلى الفطر، بل نراه على العكس من ذلك يبقى العام على عمومه، فيقول: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِذَا تَوَضَّأَ، فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ المَاءَ» وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الصَّائِمِ وَغَيْرِهِ فَإِنِ اسْتَنْثَرَ، فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ لاَ بَأْسَ، [لَمْ] يَمْلِكْ) (٢).
ويبدو أن البخاري لم ير صحة الحديث المروي في ذلك، فقد روى الترمذي في (بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ مُبَالَغَةِ الاِسْتِنْشَاقِ لِلصَّائِمِ) عَنْ عَاصِمِ بْنَ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ الوُضُوءِ؟ قَالَ: «أَسْبِغِ الوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الاِسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا».
قال الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ كَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ السُّعُوطَ لِلصَّائِمِ، وَرَأَوْا أَنَّ ذَلِكَ يُفْطِرُهُ، وَفِي [الحَدِيثِ] مَا يُقَوِّي قَوْلَهُمْ» (٣). ورواه النسائي.
ويلاحظ أن البخاري لم ير بأسًا بالسعوط، ونقل ذلك عن الحسن في الباب السابق، بشرط ألا يصل إلى الحلق.
_________________
(١) " البخاري بحاشية السندي ": ١/ ٢٩.
(٢) " البخاري بحاشية السندي ": ١/ ٢١٧.
(٣) " الترمذي بشرح ابن العربي ": ٣/ ٣١٢، ٣١٣، وقد روى هذا الحديث النسائي: ١/ ٦٩.
[ ٤٥٠ ]
وقد سبق أن ذكرنا أن أحمد بن حنبل كره بيع السلاح في الفتنة، سَدًّا لذريعة الفساد، ولكن البخاري مال إلى سلامة هذا البيع وعدم كراهته، بدليل الترجمة التي قال فيها: (بَابُ بَيْعِ السِّلاَحِ فِي الفِتْنَةِ وَغَيْرِهَا وَكَرِهَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ بَيْعَهُ فِي الفِتْنَةِ). قال ابن بطال: «إِنَّمَا كُرِهَ بَيْعُ السِّلاَحِ فِي الفِتْنَةِ، لأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الإِثْمِ، وَمِنْ ثَمَّ كَرِهَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بَيْعَ العِنَبِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى فَسْخِ البَيْعِ. وَكَأَنَّ المُصَنِّفَ [أَشَارَ] إِلَى خِلاَفِ الثَّوْرِيِّ [فِي ذَلِكَ حَيْثُ] قَالَ: " بِعْ حَلاَلَكَ مِمَّنْ شِئْتَ "» (١) مُحْتِجًّا بعموم الآيات المبيحة للبيع، كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
والواقع أن البخاري إنما يقرر رأيه هو، ثم يشير إلى من خالفه فكره هذا البيع، وقد رأى البخاري أنه لا بأس بهذا البيع، بدليل الحديث الذي رواه في هذا الباب والذي يفيد جواز بيع السلاح في أثناء الحديث الذي رواه في هذا الباب والذي يفيد جواز بيع السلاح في أثناء المعارض. وهو ما رواه عَنْ أَبِي قَتَادَةَ - ﵁ - قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَامَ حُنَيْنٍ، فَأَعْطَاهُ - يَعْنِي دِرْعًا -[فَبِعْتُ] الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلاَمِ». أما الحيل، فقد أجمع المحدثون على تحريمها، ووقفوا من رفضها موقفًا متحدًا. ولما كان القول بالحيل مشهورًا عن أهل الرأي، وكان ذلك مما أدرجه أهل الحديث في قائمة اتهامهم لهم - أجلنا البحث فيها إلى الباب القادم، حيث إنها تشكل جانبًا هامًا من موضوعات الخلاف بين المحدثين وأهل الرأي.
وقبل أن ننتقل إلى هذا الباب، نلمح إلماحة يسيرة إلى الاتجاه الأخير عند المحدثين، وهو:
_________________
(١) " فتح الباري ": ٤/ ٢٧٠، ٢٧١.
[ ٤٥١ ]