هذه هي الأصول التي يعتمد عليها الظاهرية في استنباط الأحكام، أجملنا منهجهم في الاستدلال بها، ورأينا كيف أن النص هو مركز دائرتها، وقطب رحاها.
أما الاجتهاد بالرأي، فلم يكتب الظاهرية بتجنبه وإهماله، بل وقفوا منه موقف الخصم الألد، والعدو المستبد، وحملوا عليه وعلى القائلين به - وهم جمهور الفقهاء - حملة عنيفة لم تخل من التحامل والتشنيع والتقريع.
و[الأصوليون] يُعَرِّفُونَ الاجتهاد بالرأي بأنه بَذْلُ الجهد للتوصل إلى الحكم في واقعة لا نص فيها، بالتفكير واستخدام الوسائل التي هدى الشرع إليها للاستنباط فيما لا نص فيه، كالقياس والمصلحة وغيرهما.
فالاجتهاد في النص لتعيين المراد منه لا يسمى اجتهادًا بالرأي، كما أن
_________________
(١) انظر " سنن أبي داود ": ٢/ ٣٠١، وقد كان (سَالِمٌ) ابنًا لأبي حذيفة بالتبني، فلما أبطل الله التبني أصبح في دخوله على امرأة أبي حذيفة حرج، فأمرها النبي - ﷺ - بإرضاعه، وكان سالم كبيرًا ومتزوجًا.
[ ٣٨٧ ]
الاجتهاد فيما لا نص فيه بغير الوسائل المشروعة لا يسمى في الاصطلاح الأصولي اجتهادًا بالرأي (١).
وقد أثر عن الصحابة والتابعين كثير من الآثار في ذم الرأي والتحذير منه، وفي الوقت نفسه روى عنهم كثير من الآثار التي تقر الرأي، وكثير من الفتاوى والأحكام التي اعتمدوا فيها عليه، ولما كان من غير المعقول أن ينهى السلف عن شيء ثم يستعملونه، ولا أن يحرموا شيئًا على غيرهم ويحلوه لأنفسهم، ولا أن يرد التحليل والتحريم على أمر واحد في وقت واحد - كان الأمر المنهي عنه غير الأمر المباح ولا بد، ولهذا قسم العلماء الرأي إلى رأي محمود، مأخوذ عن النصوص بالحمل عليها، أو باستعمال القواعد المستمدة منها، وإلى رأي مذموم يكون مخالفًا للنصوص المحكمة، معتمدًا على مجرى الهوى.
وقد عقد ابن عبد البر بَابًا في ذم القول في دين الله بالرأي والظن والقياس على غير أصل، وبعد أن حشد الآثار الكثيرة في ذلك عقب عليه بأن العلماء اختلفوا في تحديد الرأي المقصود إليه بالذم في هذه الآثار، فقالت طائفة: إن الرأي المذموم هو البدع المخالفة للسنن في الاعتقاد، كرأي جَهْمٍ وأهل الكلام، لأنهم استعملوا قياسهم ورأيهم في رد الأحاديث، فردوا حديث الشفاعة وسؤال القبر وغيرهما.
وذهب الأكثرون إلى أن الرأي المذموم المذكور في الآثار - هو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات في مسائل الفقه، ورد الفروع والنوازل بعضها على بعض قياسًا، دون ردها على أصولها، فاستعمل فيها الرأي قبل أن
_________________
(١) انظر " مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه "، للمرحوم الأستاذ عبد الوهاب خلاف: ص ٧، ٨.
[ ٣٨٨ ]
تنزل، ففي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل للسنن وبعث على جهلها (١).
هذا هو الرأي المحمود منه والمذموم، كما يفهمه الجمهور، فما هو مفهوم الرأي عند الظاهرية؟.
إنهم لا يقسمون الرأي هذا التقسيم، فالرأي كله سواء، وكله لا خير فيه، وكله مذموم.
ولقد عَرَّفَ ابن حزم الرأي بقوله: «الرَّأْيُ: مَا تَخَيَّلَتْهُ النَّفْسُ صَوَابًا دُونَ بُرْهَانٍ، وَلَا يَجُوزُ الحُكْمُ بِهِ أَصْلًا» (٢).
ولكنه يضطر، إزاء ما روي عن الصحابة والتابعين وغيرهم من قول بالرأي - إلى تعديل هذا التعريف بما يخفف من حدته، ويجعله أقرب إلى توضيح مفهومه عند أهل الظاهر، فيقول: «وَالرَّأْيُ هُوَ الحُكْمُ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ نَصٍّ، بَلْ بِمَا يَرَاهُ المُفْتِي أَحْوَطَ وَأَعْدَلَ فِي التَّحْرِيمِ أَوْ التَّحْلِيلِ» (٣).
فالرأي عند الظاهرية هو الحكم بغير نص، أو بتعبير آخر: هو الحكم المستمد من غير الأصول التي ارتضاها أهل الظاهر، كالقياس، والمصلحة والاستحسان، والذرائع، وما بنيت عليه هذه الأصول من تعليل الأحكام.
ولا يجوز الحكم بالرأي، ولا يحل للعمل به لأحد من المسلمين. هذا هو حكم الظاهرية على الرأي.
ويحاول ابن حزم أن يقرر أن هذا الرأي بكل أنواعه - بدعة
_________________
(١) انظر " جامع بيان العلم وفضله ": ٢/ ١٣٣، ١٣٩، وانظر أنواع الرأي الباطل في " إعلام الموقعين ": ١/ ٧٧ وما بعدها.
(٢) " الإحكام "، لابن حزم: ١/ ٤٥.
(٣) " ملخص إبطال القياس "، لابن حزم: ص ٤.
[ ٣٨٩ ]
مستحدثة، عند بيانه للتسلسل التاريخي لنشأة الرأي، فيعترف بأن الرأي قد حدث في قرن الصحابة بعد الرسول - ﷺ -، ومع ذلك فكل من روى عنه الصحابة شيء من الرأي، فهو متبرئ [منه] غير قاطع به.
ثم حدث القياس في القرن الثاني، فقال به بعضهم وأنكره سائرهم.
ثم حدث الاستحسان في القرن الثالث، ويعرف الاستحسان بأنه «فَتْوَى المُفْتِي بِمَا يَرَاهُ حَسَنًا فَقَطْ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى، وَقَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَالأَهْوَاءُ تَخْتَلِفُ فِي الاسْتِحْسَانِ».
ثم حدث التعليل والتقليد في القرن الرابع: والتعليل هو أن يستخرج المفتي علة الحكم الذي جاء به النص. وهذا باطل، لأنه إخبار عن الله أنه حكم بكذا من أجل تلك العلة، وإخبار عن الله بما لم يخبر به عن نفسه (١).
ويقول ابن حزم: «وَلَا يَحِلُّ الحُكْمُ بِالرَّأْيِ» (٢)، «وَلَا يَحِلُّ الحُكْمُ بِالقِيَاسِ فِي الدِّينِ، وَالقَوْلُ بِهِ بَاطِلٌ مَقْطُوعٌ عَلَى بُطْلاَنِهِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى» (٣) «فَقَدْ صَحَّ أَنَّ القَوْلَ بِالقِيَاسِ وَالتَّعْلِيلِ بَاطِلٌ وَكَذِبٌ، وَقَوْلٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَحَرَامٌ لَا يَحِلُّ البَتَّةَ» (٤).
هذه هي نظرة أهل الظاهر للرأي، كما عبر عنها ابن حزم بأسلوبه الحاد وهذا هو حكمهم عليه. ومن قبل ابن حزم قرر داود الظاهري هذه المبادئ، واتخذ من الرأي موقف العداء، وأصدر حكمه عليه، فقال: «وَالقَوْلُ بِالقِيَاسِ لَا يَجِبُ، وَالقَوْلُ بِالاِسْتِحْسَانِ لَا يَجُوزُ»، ثم قال: «وَلَا [يَجُوزُ] أَنْ يُحَرِّمَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَيُحَرِّمُ مُحَرِّمٌ غَيْرَ مَا حَرَّمَ،
_________________
(١) انظر المصدر السابق: ٤ - ٦.
(٢) : (٤) " النبذ " لابن حزم: ص ٤١ و٤٤ و٤٩.
[ ٣٩٠ ]
لأَنَّهُ يُشْبِهُهُ إِلَّا أَنْ يُوقِفَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى عِلَّةٍ مِنْ أَجْلِهَا وَقَعَ التَّحْرِيمُ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: حَرَّمْتُ الحِنْطَةَ بِالحِنْطَةِ لأَنَّهَا مَكِيلَةٌ، وَاغْسِلْ هَذَا الثَّوْبَ لأَن فِيهِ دَمًا، أَوْ اقْتُلْ هَذَا إِنَّهُ أَسْوَدٌ، يَعْلَمُ بِهَذَا أَنَّ الذِي أَوْجَبَ الحُكْمَ مِنْ أَجْلِهِ هُوَ مَا وَقَفَ عَلَيْهِ وَمَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَالبَعِيدُ وَاقِعٌ بِظَاهِرِ التَّوْقِيفِ وَمَا جَاوَزَ ذَلِكَ فَمَسْكُوتٌ عَنهُ دَاخِلٌ فِي بَابِ مَا عَفَى عَنهُ» (١).
وأهم ما يحتج به الظاهرية في إبطال الرأي، هو أن نصوص القرآن والسنة بما فيها من معان عامة - وافية بأحكام الحوادث، دون حاجة إلى الرأي. لأن الله تعالى يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وما لم ينص على حكمه فهو مباح، لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
والحكم بالرأي معناه ادعاء المفتي بأن حكمه المبني على الرأي هو حكم الله، ولا تصح هذه الدعوى إلا بالنص القاطع على ذلك، وحيث لا يوجد نص قاطع بأن حكم الله في هذه المسألة هو كذا، فالحكم بالرأي حينئذٍ هو قول بغير علم، وقطع على الله بالظن، وكلاهما قد حرم علينا، بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]، وبقوله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: «إِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ».
ويضاف إلى ذلك الآثار الكثيرة الواردة في ذم الرأي والقياس، ثم
_________________
(١) " طبقات الشافعية "، للسبكي: ٢/ ٤٦؛ وانظر " الفكر السامي " للحجوي: ٢/ ٢٥.
[ ٣٩١ ]
محاولة التشكيك في الآثار التي اعترفت بالرأي وأقرت به، كتضعيفهم حديث معاذ، الذي قال له رسول الله - ﷺ - حينما بعثه إلى اليمن: «كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟»، قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟»، قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟»، قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَدْرِي وَقَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ» (١).
هذه لمحة بسيطة عن وجهة نظر الظاهرية في إبطالهم الرأي. فلسنا في مجال بسط الأدلة ولا الرد عليها، فقد اكتظت صفحات عديدة من كتب الأصول بإيراد الأدلة ومناقشتها وموازنتها، ويكفينا أن نشير هنا إلى أن القائلين بالرأي يستندون في القول به إلى القرآن والسنة والآثار أيضًا وأنهم ليسوا خارجين على النصوص، وإنما هم يوسعون مجال العمل بها، وأنهم لا يقولون على الله ما لا يعلمون، بل يقولون عليه ما أرشدهم الله ورسوله إليه. وأن الظن ليس مذمومًا على إطلاقه، بل هو لفظ مشترك في اللغة، يطلق على الشك والتردد كما يطلق على الراجح بين طرفي الاعتقاد غير الجازم، كما يطلق على اليقين ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦]، لأنه لا بد من اليقين في الإيمان بالآخرة، كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣]، كما
_________________
(١) انظر الجزء الأول من " إعلام الموقعين " فقد أفاض في حجج الآخذين بالقياس والمانعين منه؛ وانظر " الإحكام " لابن حزم، الأبواب ٣٤ و٣٥ و٣٨ و٣٩ من الأجزاء ٦ و٧ و٨؛ و" ابن حزم "، لأبي زهرة: ص ٣٨٢، ٤٣٧؛ و" المستصفى ": ٢/ ٢٢، ٢٨؛ وانظر حديث معاذ في " الترمذي ": ٦/ ٦٨، ٧٠، ومناقشة ابن العربي لمن ضعفه في: ص ٧٢، ٧٣.
[ ٣٩٢ ]
يطلق الظن على التهمة ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]- في قراء الظاء - أي بمتهم.
فالظن المذموم هو ما كان بمعنى الشك، فطرفاه مستويان لا راجح فيها فهذا يحرم العمل به اتفاقًا، وهو المعنى بأكذب الحديث، وهو الذي لا يغني من الحق شيئًا، وهو بعض الإثم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. وأما الظن الذي بمعنى الطرف الراجح، فهو متعبد به قطعًا، بل أكثر الأحكام الشرعية دائرة عليه، ومنه حديث: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ». وهذا هو الظن الراجح الصادر عن أمارة صحيحة (١).
ويجدر بنا أن نشير إلى أن داود بن علي الظاهري، ليس أول من قال بنفي القياس، بل سبقه في ذلك النَظَّامُ، الذي يعتبره ابن عبد البر أول من أحدث نفي القياس مخالفًا بذلك علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم الذين كانوا يستعملون القياس ويجيزونه، وقد تابع إبراهيم بن سيار النظام على ذلك بعض أصحابه، وقد خالفه في ذلك بعض أئمة الاعتزال، منهم أبو الهذيل العلاف، الذي رد على النظام وقمعه. ومنهم بشر بن المعتمر الذي كان شيخ البغداديين ورئيسهم، وكان أشد الناس نصرة للقياس واجتهاد الرأي في الأحكام، وكان هو وأبو الهذيل كأنما ينطقان في ذلك بلسان واحد (٢).