أما بالنسبة للذرائع، فقد صرح ابن القيم بأن هناك رباطًا وثيقًا يربطها بالمقاصد، «فَمَنْ سَدَّ الذَّرَائِعَ اعْتَبَرَ المَقَاصِدَ وَقَالَ: [يُؤَثِّرُ] الشَّرْطُ [مُتَقَدِّمًا وَمُقَارِنًا]، وَمَنْ لَمْ يَسُدَّ الذَّرَائِعَ لَمْ يَعْتَبِرْ المَقَاصِدَ وَلاَ الشُّرُوطَ المُتَقَدِّمَةَ» (١).
وهذا الذي يقوله ابن القيم من وجود تلازم بين الذرائع والقصد - ليس على إطلاقه، إذ لا يتضح في جميع الصور، فقد تكون النية حسنة، والقصد ممدوحًا ومع ذلك لا يؤذن في الفعل المتوفر فيه هذه النية الحسنة نظرًا لمآل الفعل، وعظم المفسدة المترتبة عليه. وهذا يدل على أن الأصل في اعتبار سد الذرائع هو النظر في مآلات الأفعال وما تنتهي في جملتها إليه، والنظر في هذه المآلات لا يكون إلى مقصد العامل ونيته، بل إلى نتيجة العمل وثمرته، وبحسب النية يثاب الشخص أو يعاقب في الآخرة، وبحسب النتيجة والثمرة يحسن الفعل في الدنيا أو يقبح، ويطلب أو يمنع ولذلك كان النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، كان هذا النهي ملاحظًا فيه النتيجة الواقعة؛ لا النية الدينية المحتسبة لمن يسب الأوثان.
فمبدأ سد الذرائع لا ينظر فقط إلى النيات والمقاصد الشخصية، بل يقصد مع ذلك إلى النفع العام، أو إلى دفع الفساد العام، فهو ينظر إلى النتيجة مع القصد أو إلى النتيجة وحدها (٢).
_________________
(١) " إعلام الموقعين ": ٣/ ١١٩، وقد استغرق بحثه للذرائع وتأييده لها حتى ص ١٣٦. والمراد بالذريعة ما كان من قول أو فعل وسيلة وطريقًا مؤديًا إلى شيء آخر. والمقصود بسد الذرائع: منع ما يجوز من ذلك إذا كان موصلًا إلى ما لا يجوز. (انظر " أصول التشريع "، للأستاذ علي حسب الله: ص ١٨٣).
(٢) انظر " مالك "، للأستاذ محمد أبو زهرة: ص ٤٠٦، ٤٠٧. الطبعة الثانية. والآية ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ ١٠٨ من سورة الأنعام.
[ ٤٤٤ ]
ولذلك جعل الشاطبي القول بسد الذرائع نتيجة من نتائج الاعتبار بمآلات الأفعال، لا من نتائج الاعتبار بالنيات والمقاصد (١)، إلا إذا أردنا بالمقاصد هنا ما هو مقصود للشريعة، لا الباعث الشخصي.
وقد ذكر الشاطبي أن النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا لأن المجتهد لا يحكم على فعل المكلف إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون الفعل مشروعًا لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ذلك. فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى إلى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا منعًا من إطلاق القول بالمشروعية. وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية، ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزي، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية.
ثم يقول الشاطبي: «وَهُوَ مَجَالٌ لِلْمُجْتَهِدِ صَعْبُ المَوْرِدِ، إِلاَّ أَنَّهُ عَذْبُ المَذَاقِ مَحْمُودُ الغَبِّ، جَارٍ عَلَى مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ» (٢).