رَوَى أَبُو بَكْرٍ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ «أَنَّ النَّبِيُّ - ﷺ - أَمَرَ بِالاِسْتِطَابَةِ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ».
- وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ إِذَا بَقِيَ بَعْدَ الثَّلاَثَةِ الأَحْجَارِ أَكْثَرُ مِنْ مِقْدَارِ الدِّرْهَمِ». يتوضأ: أي يستطيب بالماء ليحصل [الإنقاء].
والواقع أن انتقاد أبي حنيفة في هذه المسألة يمثل النظر الظاهري عند ابن أبي شيبة، فقد فهم أن الاقتصار على ثلاثة أحجار كاف في الإجزاء، ولو لم يحدث الإنقاء، امتثالًا للأمر في ذلك. على حين فهم أبو حنيفة أن المقصود هو الإنقاء، فإذا أنقى حجر واحد أو اثنان جاز، وإذا لم يتم الإنقاء بالأحجار، وجب استعمال ما يتم به وهو الماء. وقد ذهب النسائي إلى جواز الاقتصار على ما دون الأحجار الثلاثة.
وقد قدمنا أن اختلاف البيئة دفع بعض العلماء إلى أن يستهجن الاستنجاء بالماء، مع أن الرسول - ﷺ - كان يستعمله، وكان إذا خرج لحاجة حمل له أنس إداوة من ماء. وروى النسائي أن السيدة عائشة قالت لبعض النساء: «مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَسْتَطِيبُوا بِالمَاءِ، فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ مِنْهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ» (١)
_________________
(١) " النسائي "، المكتبة التجارية: ١/ ٣٩، ٤١، ٤٣؛ وانظر " شرح معاني الآثار ": ١/ ٧٢، ٧٣.
[ ٤٦٩ ]
والخلاف بين أبي حنيفة وأبي بكر هنا هو خلاف في فهم الحديث ومقاصد التشريع. وأعتقد أن الحق مع أبي حنيفة في هذه المسألة.