ومما يميز السيدة عائشة وابن عباس عن ابن عمر وأبي هريرة، دأبهما على البحث عن علل الأحكام، وتحري غايات الشريعة، وعدم الوقوف عند ظاهر النصوص في أغلب الأحوال.
وقد سبق ذكر رأي السيدة عائشة - ﵂ - في حكم أكل الحمر الأهلية وميلها إلى الحل مستندة إلى عموم القرآن، وكان ابن عباس يميل نفس الميل، إلا أن مستنده فيما ذهب إليه أن النهي عن أكل لحم الحمر الأهلية مُعَلَّلٌ بِعِلَّةٍ يجب البحث عنها، ومقتضى ذلك أنه إذا زالت العلة زال النهي وعادت الإباحة.
وإذا كان ابن حزم قد اعتذر عن السيدة عائشة بأن النهي لم يبلغها ولو
_________________
(١) " الترمذي ": ٥/ ١٤٠، ١٤٦ وذكر ابن رشد أن الأولى إما أن يقال بأن لها الأمرين جميعًا أي السكنى والنفقة أخذًا بظاهر الكتاب وأما أَنْ يُخَصَّصَ العُمُومُ بحديث فاطمة فلا يكون لها سكنى ولا نفقة، أما أن يكون لها السكنى دون النفقة فهو ضعيف الدليل (انظر " بداية المجتهد ": ٢/ ٧٩).
[ ١٦٠ ]
فإنه لا يستطيع أن يعتذر بمثل ذلك عن ابن عباس الذي قد بلغه النهي، فلم يقف عند ظاهره، بل نظر إلى الدواعي التي دعت إليه، وإلى العلة التي كانت عليها مداره: فقد روي عنه أنه قال: «لَا أَدْرِي أَنَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ حَمُولَةَ النَّاسِ، فَكَرِهَ أَنْ تَذْهَبَ حَمُولَتُهُمْ، أَوْ [حَرَّمَهُ] فِي يَوْمِ خَيْبَرَ لَحْمَ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ» ويعلق ابن حزم بأن هذا ظن من ابن عباس ووهلة - أي غلط وسهو - لأن النبي - ﷺ - بَيَّنَ وجه النهي عنها، وكان ابن حزم قد روى من طريق " البخاري "، «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ» (١).
وكان البحث عن علة النهي عن أكل لحم الحمر الأهلية سببًا لاختلاف الصحابة، فمن قائل: حرمت لأنها كانت تأكل العذرة، ومن قائل: لأنها لم تخمس، وقائل: إنه خشي فناء الظهر، وقال بعضهم حرمت البتة (٢) بدون نظر إلى العلل.
وقد تأثر بابن عباس في هذه المسألة تلميذه سعيد بن جبير، فقد ذهب أيضًا إلى أن لحم الحمر حلال، فَقَدْ رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «أَصَبْنَا حُمُرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِخَيْبَرَ وَطَبَخْنَاهَا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ أَكْفِئُوا القُدُورَ بِمَا فِيهَا». قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا، لأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ الجِلَّة (٣).
ومما يُؤْثَرُ عن السيدة عائشة مندرجًا تحت هذا الاتجاه ما قالته خاصًا بخروج النساء إلى المساجد: «لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ
_________________
(١) انظر " المحلى ": ٧/ ٤٠٧.
(٢) انظر " الأحكام " لابن حزم: ٧/ ١٧، ١٨.
(٣) " بداية المجتهد ": ١/ ٣٨١.
[ ١٦١ ]
لَمَنَعَهُنَّ المَسَاجِدَ» (١). وهذا يعني أنها تأخذ في اعتبارها عامل الزمن، وَرُجْحَانَ المصلحة في ضوء المقصود العام من التشريع.
وأيضًا ما روي عنها في هدي التطوع إذا عطب منه شيء قبل أن يبلغ محله، فإن هذا الهدي يجب حينئذٍ أن ينحر ويخلي بينه وبين الناس ولا يأكل منه، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعَثَ بِالهَدْيِ مَعَ نَاجِيَةَ الأَسْلَمِيِّ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَانْحَرْهُ، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهِ فِي دَمِهِ، وَخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ». وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [هَذَا الحَدِيثُ]، فَزَادَ فِيهِ: «وَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ أَنْتَ، وَلَا أَهْلُ رُفْقَتِكَ». وَقَالَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ دَاوُدُ وَأَبُو ثَوْرٍ» (٢). ولكن الهدي إذا عطب في الطريق ولا يوجد فقراء يخل بينهم وبينه، أيمتنع المهدي من أكله أخذًا بظاهر النص النبوي الكريم، فيترك حينئذٍ للسباع، أم يأكله هو ومن معه تجنبًا لإضاعة المال وحذرًا من الإسراف المذموم؟ إن السيدة عائشة - ﵂ - تقول في ذلك: «أَكْلُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ تَرْكِهِ لِلسِّبَاعِ» (٣).
ويوضح هذا الاتجاه إلى التعليل أيضًا ما روي من نزول الرسول - ﷺ - بالأبطح عند النفر من الحج - والنفر: هو الرجوع من مِنَى إلى مكة بعد رمي الجمرات - فقد ذهب أبو هريرة وابن عمر إلى أن ذلك من النسك فجعلاه من سنن الحج، وذهب ابن عباس وعائشة إلى أنه كان اتفاقيًا وليس من السنن ويحكي ابن قدامة هذا الخلاف فيقول: «قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ
_________________
(١) انظر " المحلى ": ٣/ ١٢٩، ١٤٩. ٤/ ٢٠٠ وقد ناقش ابن حزم قول عائشة وَبَيَّنَ أنه لا حجة فيه من جهات كثيرة.
(٢) انظر " بداية المجتهد ": ١/ ١٠٦؛ و" الترمذي بشرح ابن العربي ": ٤/ ١٤٤.
(٣) " النكت الطريفة "، للكوثري: ص ١٦١، ١٦٢.
[ ١٦٢ ]
نَفَرَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُحَصَّبَ، وَهُوَ الأَبْطَحُ، وَحَدُّهُ مَا بَيْنَ الجَبَلَيْنِ إلَى المَقْبَرَةِ، فَيُصَلِّيَ بِهِ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، ثُمَّ يَضْطَجِعَ يَسِيرًا، ثُمَّ يَدْخُلَ مَكَّةَ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ، لاَ يَرَيَانِ ذَلِكَ سُنَّةً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: التَّحْصِيبُ لَيْسَ بِشَيْءِ، إنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ نُزُولَ الأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إذَا خَرَجَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا (١).
وهكذا الرمل في الطواف: كان ابن عباس يراه اتفاقيًا، لقول المشركين حطمتهم حمة يثرب، وقد ذهب حكمه لزوال سببه من النسك إذن فقد روى الإمام أحمد بإسناده عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَمَلَ بِالبَيْتِ، وَأَنَّهَا سُنَّةٌ، قَالَ: «صَدَقُوا وَكَذَبُوا»، قُلْتُ: كَيْفَ صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: «قَدْ رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالبَيْتِ، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ، قَدْ رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَالمُشْرِكُونَ عَلَى جَبَلِ قُعَيْقِعَانَ، فَبَلَغَهُ أَنَّهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ بِهِمْ هَزْلًا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا لِيُرِيَهُمْ أَنَّ بِهِمْ قُوَّةً» (٢).
والحق أن ابن عباس - ﵁ - كان أكثر هؤلاء الصحابة الأربعة الذين ذكرناهم إعمالًا للرأي، وأشدهم عناية بالمعنى، وكان علمه باللغة والشعر وتمرسه بأساليب العرب خير معين له على الفهم والتذوق وإدراك المقصود من الألفاظ وما وراء الألفاظ، سواء في القرآن أو في الحديث، ولقد اشتهر
_________________
(١) " المغني ": ٣/ ٤٥٧؛ وانظر "الفكر السامي ": ٢/ ٦٢.
(٢) " المسند ": ج ٣ حديث رقم ٢٠٢٩.
[ ١٦٣ ]
بين الصحابة بغوصه على معاني القرآن وحسن تفسيره له وبراعة استنباطه منه حتى لقب بترجمان القرآن. ومن أمثلة استنباطه من القرآن أنه سئل عن السجدة التي في (سورة ص) عند قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، فأجاب ابن عباس بقوله: أَتَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ وَفِي آخِرِهَا: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] قَالَ: «أُمِرَ نَبِيُّكُمْ - ﷺ - أَنْ يَقْتَدِيَ بِدَاوُدَ» (١).
وسأله رجل عن معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]- فَأَجَابَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَرَابَةُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «عَجِلْتَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ، إِلا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِيهِمْ قَرَابَةٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]: إِلاَّ أَنْ تَصِلُوا قَرَابَةَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ» (٢).
وقد جاءت روايات مختلفة في التيمم، بعضها يأمر بمسح الكفين والوجه، وبعضها الآخر يأمر بمسح اليدين إلى المرفقين مع الوجه. ولما سئل ابن عباس عن ذلك لَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يُرَجِّحَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ المُخْتَلِفَةِ عَنْ طَرِيقِ الأَسَانِيدِ بل اتجه إلى القرآن مستنبطًا منه إجابته، مدعمًا به رأيه فقال: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ حِينَ ذَكَرَ الوُضُوءَ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وَقَالَ فِي التَّيَمُّمِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، وَقَالَ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فَكَانَتِ السُّنَّةُ فِي القَطْعِ الكَفَّيْنِ، إِنَّمَا هُوَ الوَجْهُ وَالكَفَّانِ: «يَعْنِي التَّيَمُّمَ» (٣).
وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ ذَبْحَ ابْنَهُ فَقَالَ: «لاَ يَنْحَرِ ابْنَهُ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ»،
_________________
(١) " المسند " لابن حنبل: ج ٥ الحديث رقم ٣٣٨٨ وسجدة (سورة ص) في الآية رقم ٢٤ واستدلال ابن عباس بآيات سورة الأنعام من ٨٤ إلى ٩٠.
(٢) " المسند ": ٣/ ٣٢١ حديث رقم ٢٠٢٤ والآية من سورة الشورى رقم ٢٣.
(٣) " سنن الترمذي "، تحقيق الشيخ أحمد شاكر: ١/ ٢٧٢، ٢٧٣.
[ ١٦٤ ]
فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ يَكُونُ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ كَفَّارَةُ [اليَمِينِ]؟ فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣]، ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ مِنَ الكَفَّارَةِ مَا قَدْ رَأَيْتَ» (١).
ولفهمه القرآن ولدقته وعمقه في هذا الفهم كان محل إعجاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - وكان يدخل عليه وهو فتى في جملة المشيخة من أهل بدر، ولما استكثروا عليه ذلك أراد عمر أن يعطيهم صورة من فهم ابن عباس وفطنته، فسألهم عمر عن هذه السورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]. فَقَالُوا: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ إذَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ وَيَتُوبَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لابْنِ عَبَّاسٍ مَا تَقُولُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَ نَبِيَّهُ بِحُضُورِ أَجَلِهِ، فَقَالَ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، فَتْحُ مَكَّةَ، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢]، فَذَلِكَ عَلاَمَةُ مَوْتِكَ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]، فَتَوَجَّهُ عُمَرُ إِلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ تَقْدِيمَ ابْنَ عَبَّاسٍ قَائِلًا: «كَيْفَ تَلُومُونِي عَلَى مَا تَرَوْنَ؟» (٢).
إن ابن عباس كان عنده اتجاه أصيل للتعليل، والتنقيب عن المعاني والغوص وراءها، ولذلك لم يكن غريبًا أن يعرف بكثرة القياس والرأي تبعًا لما قدمناه عنه من كثرة الفتوى، مع جرأة في الإفتاء بمقتضى فهمه حتى ولو كانت فتواه مخالفة للرأي الشائع المعمول به.
_________________
(١) " المحلى " لابن حزم: ٨/ ١٥. ويشير ابن عباس إلى آيات الظهار من سورة المجادلة وقد وصف الله الظهار بأنه منكر من القول وزور، ومع ذلك أوجب فيه الكفارة وهي طاعة وعبادة.
(٢) " المسند " للإمام أحمد: ٥/ ٥٠ حديث رقم ٣١٢٧؛ وانظر " إعلام الموقعين " مع " حادي الأرواح ": ٢/ ٤٥، ٤٦ حيث بسط ابن القيم أسباب دقة هذا الاستنباط.
[ ١٦٥ ]
وسنعرض هنا أمثلة موجزة تبين أصالة هذا الاتجاه عنده.
فمن ذلك ما روي «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ القَبْضِ». فهل هذا النهي مقصور على الطعام، فيصح بيع غيره قبل القبض، أم أن المقصود هو النهي عن بيع كل شيء قبل القبض؟ وتخصيص الطعام بالذكر لكونه هو البيع الشائع الذي تكثر فيه المخاصمة؟ وإذا قيس على الطعام غيره في النهي، فهل يقتصر في هذا القياس على المنقول فقط، أم يقاس عليه كل بيع، منقولًا وغير منقول؟ إن ابن عباس - ﵁ - قَدْ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَوْلَهُ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ». ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ» (١).
ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد بإسناده عن جابر بن زيد (*)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ مَطَرٍ» قِيلَ لابْنِ عَبَّاسٍ وَمَا أَرَادَ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: «أَرَادَ أَنْ لاَ يُحْرِجَ أُمَّتَهُ» (٢).
_________________
(١) " المسند ": ٥/ ١٦١؛ وانظر " المغني ": ٤/ ١٠٧، ١١١.
(٢) " المسند ": ٣/ ٢٩٢ وقد صحح المرحوم الشيخ أحمد شاكر إسناد هذا الحديث وذكر أن الرواية تبين خطأ ظن الإمام مالك في تعليق له على هذا الحديث في " الموطأ " بقوله: «أَرَى ذَلِكَ [كَانَ] فِي مَطَرٍ» لأن هذه الرواية فيها فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ مَطَرٍ» وقد رواها الجماعة إلا البخاري. وفي حديث رقم ١٩١٨ روى جابر بن زيد عن ابن عباس: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا»، فَقِيلَ لِجَابِرٍ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ، وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ، وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ؟ قَالَ: «وَأَنَا أَظُنَّ ذَلِكَ». وذهب الشيخ شاكر إلى أن هذا الجمع الصوري من تأويل أبي الشعثاء، ولا حجة له فيه. ورجح أن الحديث ترخيص لمن يحال بينه وبين الصلاة في وقتها. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]: (*) ورد في " مسند الإمام أحمد " تحقيق الشيخ أحمد شاكر: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ )، حديث رقم ١٩٥٣، ٢/ ٤٦١، الطبعة الأولى: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م، نشر دار الحديث القاهرة. ورجح الشيخ شعيب الأرناؤوط (سعيد بن جبير)، انظر تعليق الشيخ شعيب الأرناؤوط على ذلك: " مسند الإمام أحمد "، تحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد، حديث رقم ١٩٥٣، ٣/ ٤٢٠، الطبعة الأولى: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م، نشر مؤسسة الرسالة. بيروت - لبنان.
[ ١٦٦ ]
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى الرِّجَالَ عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ، وهو نهي يتناول القليل والكثير. ولكن ابن عباس يرى أن المنهي عنه أن يكون الثوب كله حريرًا، ويقول: «إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ قَزٍّ». قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَمَّا السَّدَى وَالعَلَمُ فَلا نَرَى بِهِ بَأْسًا» (١). ولا يقف ابن عباس عند هذا الحد، بل يحاول أن يتلمس العلة في النهي عن لبس الحرير، ليربط بين العلة والحكم، فَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ يَعُودُهُ فِي مَرَضٍ مَرِضَهُ، فَرَأَى عَلَيْهِ ثَوْبَ إِسْتَبْرَقٍ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ كَانُونٌ عَلَيْهِ تَمَاثِيلُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، مَا هَذَا الثَّوْبُ الذِي عَلَيْكَ؟ قَالَ: [وَمَا هُوَ؟] قَالَ: إِسْتَبْرَقٌ، قَالَ: «وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ بِهِ، وَمَا أَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهُ إِلاَّ لِلتَّجَبُّرِ، وَالتَّكَبُّرِ، وَلَسْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ» قَالَ: فَمَا هَذَا الكَانُونُ الذِي عَلَيْهِ الصُّوَرُ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَلَا تَرَى كَيْفَ أَحْرَقْنَاهَا بِالنَّارِ؟» (٢).
فهو يعلل النهي عن لبس الحرير لما يبعثه على التجبر والخيلاء، كما أن النهي عن التماثيل واتخاذ الصور لما قد يكون من تعظيمها وما يؤدي إلى معاملتها بما يشعر بالاحترام والتقديس.
أما جرأته على الإفتاء بما يؤديه إليه اجتهاده حتى ولو خالف الرأي الشائع المعمول به بين الصحابة، فقد أثر عنه في ذلك ما لم يؤثر عن زملائه المكثرين من رواية الحديث. وليست الجرأة أن يفتي بما يخالف الحديث عن جهل به، فَإِذَا بَلَغَهُ عَدَلَ عَنْ رَأْيِهِ - كصنيع أبي هريرة في إبطاله صوم الجنب إذا أصبح من غير طهارة، ثم عدوله عن ذلك عندما بلغه حديث عائشة «أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا [مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ]، ثُمَّ يَصُومُ» (٣) - ولكننا نعني بالجرأة أن
_________________
(١) " المسند " لابن حنبل: ٢/ ٢٦٧.
(٢) " المسند " لابن حنبل: ج ٣ حديث رقم ٣٣٠٧.
(٣) انظر " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ": ص ١٢٤، ١٢٦.
[ ١٦٧ ]
يبلغه الحديث بما يخالف فتواه فلا يتزحزح عن رأيه، إما لترجيحه دخول الوهم والخطأ في روايته وإما لتأويله، وفي الحالتين يستلهم القرآن، ويستند إلى ما فهمه منه في موضوع النزاع، وقد كان من منهجه - كما قررنا فيما سبق - نقد الحديث وعرضه على القرآن، ولعله في ذلك متأثر بعمر بن الخطاب في رفضه لحديث فاطمة ورفضه لحديث الجنب كما تأثر به في ذلك ابن مسعود.
وقد سبق أن ذكرنا رأي ابن عباس في نكاح المتعة ومخالفته لكثير من الصحابة في القول بحليته مستندًا إلى ما فهمه من القرآن، ولم ير فيما روى في تحريم المتعة من الأحاديث ما يجعلها مُحَرَّمَةً عَلَى التَّأْبِيدِ، كما ذهب غيره، بل رأى أن المتعة حلال إذا دعت الضرورة، حرام عند عدم وجود الداعي إليها.
ورأي ابن عباس في الربا قريب من رأيه في نكاح المتعة، فقد كان يذهب إلى أن الربا المحرم هو ربا النسيئة، أما الزيادة في البيع [الحلال]، فلا ربا فيها، الذهب والفضة وغيرهما في ذلك سواء.
فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، قَالَ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، مَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ غَيْرَ هَذَا، فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الذِي تَقُولُ؟ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللهِ ﷿؟، فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللهِ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» (١).
وروى الترمذي حديث أبي سعيد الخدري فِي «نَهْيِ الرَّسُولِ - ﷺ -
_________________
(١) " صحيح مسلم ": ٥/ ١٢٣.
[ ١٦٨ ]
عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ بِالفِضَّةِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ»، ثم قال: «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ لاَ يَرَى بَأْسًا أَنْ يُبَاعَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ مُتَفَاضِلًا، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ، وقَالَ: " إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ "، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ حِينَ حَدَّثَهُ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ» (١).
ومما أشار إليه الترمذي من رجوع ابن عباس عن قوله قد فَصَّلَهُ ابن حزم بما رواه عن حيان بن عبيد الله، عن أبي مجلز، لكنه ضعف ما روي في ذلك ووصفه بأنه قول باطل، ثم قال: «وَرَوَى عَنْهُ طَاوُوسٌ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّوَقُّفِ. وَرَوَى الثِّقَةُ المُخْتَصُّ بِهِ خِلاَفَ هَذَا». ثُمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «مَا كَانَ الرِّبَا قَطُّ فِي هَاءٍ وَهَاتٍ. وَحَلَفَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بِاَللَّهِ مَا رَجَعَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ». ثم ذكر ابن حزم أن ذلك كان رأي ابن مسعود أيضًا وعليه كان عطاء وأصحاب ابن عباس وفقهاء أهل مكة (٢).
ومن ذلك رأيه في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها: هل تنتهي بوضع الحمل، أو لا بد من أقصى الأجلين: وضع الحمل وأربعة أشهر وعشر؟.
يبين لنا الترمذي موقف ابن عباس وأبي هريرة من هذه المسألة بِمَا رَوَاهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ تَذَاكَرُوا المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الحَامِلَ تَضَعُ عِنْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " تَعْتَدُّ آخِرَ الأَجَلَيْنِ "، وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: " بَلْ تَحِلُّ حِينَ تَضَعُ "، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي "، - يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ -، فَأَرْسَلُوا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ
_________________
(١) " الترمذي بشرح ابن العربي ": ٥/ ٢٥٠.
(٢) انظر " المحلى ": ٨/ ٤٧٩، ٤٩٤.
[ ١٦٩ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: " قَدْ وَضَعَتْ سُبَيْعَةُ الأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِيَسِيرٍ، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ "» (١).
ومن ذلك ما ذهب إليه ابن عباس من أن الأخت لا ترث أصلًا مع البنت ولا مع بنت الابن، لقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، ولفظ الولد يقع على المذكر والمؤنث، ولقوله - ﷺ -: «أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ [بِأَهْلِهَا]، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ».
وَرَأْيُ ابن عباس هنا مخالف لما ذهب إليه معظم الفقهاء من اعتبار الأخوات عصبة مع البنات، مستندين إلى ما روي مِنْ أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ سُئِلَ عَنْ [بِنْتٍ] وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ، فَقَالَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِلأُخْتِ النِّصْفُ، فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ، أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ -: «لِلاِبْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ ابْنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلأُخْتِ».
ولكن يبدو أن ابن عباس لا يعترف بصحة هذا الحديث لمخالفته ظاهر الآية السابقة، مع معارضته لحديث: «أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ [بِأَهْلِهَا]»، فقد روى ابن حزم عنه أنه قال: قال الله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «فَقُلْتُمْ أَنْتُمْ: لَهَا النِّصْفُ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ».
وَرُوِيَ عَنْهُ أيضًا أنه قال: «أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: وَلَا فِي قَضَاءِ
_________________
(١) " الترمذي بشرح ابن العربي ": ٥/ ١٧٠، ١٧١ ولا أدري هل رجع ابن عباس إلى الحديث في هذه المسألة، أو اكتفى بما رآه في الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
[ ١٧٠ ]
رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَسَتَجِدُونَهُ فِي النَّاسِ كُلِّهِمْ: مِيرَاثُ الأُخْتِ مَعَ الْبِنْتِ؟» (١). وقد أخذ بقول ابن عباس في ذلك داود الظاهري.
ومن ذلك أيضًا رأي ابن عباس في ميراث الجدة، فقد ذهب الجمهور إلى إعطاء الجدة السدس، على اختلاف بينهم في توريث الجدات إذا اجتمعن وفي حجبهن، يستندون في ذلك إلى ما روي مِنْ «أَنَّ الجَدَّةَ جَاءَتِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ - ﵁ - تَسْأَلُهُ عَنْ مِيرَاثِهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿ [شَيْءٌ] وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - شَيْئًا، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَعْطَاهَا السُّدُسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ المُغِيرَةُ، فَأَنْفَذَهُ أَبُو بَكْرٍ لَهَا، ثُمَّ جَاءَتِ الجَدَّةُ الأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ - ﷿ - شَيْءٌ، وَمَا كَانَ القَضَاءُ الذِي قَضَى بِهِ إِلاَّ لِغَيْرِكَ، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الفَرَائِضِ، وَلَكِنَّهُ ذَلِكَ السُّدُسُ، فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ فَهُوَ لَكُمَا، وَأَيَّتُكُمَا انْفَرَدَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا» (٢).
أما رأي ابن عباس فهو رأي مخالف لما ذهب إليه الجمهور، ولذلك وصفه ابن رشد بأنه «رَأْيٌ شَاذٌّ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وَلَكِنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ القِيَاسِ» (٣)، وهو متلائم مع منهجه في تحكيم القرآن، فكما أن الأب في عرف القرآن
_________________
(١) انظر " المحلى " لابن حزم: ٩/ ٢٥٦، ٢٥٨؛ و" إعلام الموقعين " مع " حادي الأرواح ": ٢/ ١٩٣، ٢١٤.
(٢) " بداية المجتهد " لابن رشد: ٢/ ٢٩٣، ٢٩٤.
(٣) " بداية المجتهد " لابن رشد: ٢/ ٢٩٣.
[ ١٧١ ]
يطلق على الجد ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١)، ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (٢) فكذلك الأم تطلق على الجدة، قال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ (٣). فإذا كان أبو بكر - ﵁ - يرى أن نصيب الجدة غير مذكور في القرآن فإن ابن عباس يرى أنه مذكور في القرآن، داخل في قوله تعالى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، وعلى ذلك فالجدة أم عند عدم الأم، لها السدس عند وجود جمع من الإخوة أو وجود أولاد للمتوفى، ولها الثلث فيما عدا ذلك، وقد روى ابن حزم بسنده عن ابن عباس قال: «الجَدَّةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ إذَا لَمْ تَكُنْ أُمٌّ»، وبسنده عن طاووس مثل ذلك، وبقوله في ذلك أخذ ابن حزم الظاهري (٤). وإعطاء الجدة الثلث قول انفرد به ابن عباس وهو مصدر وصف رأيه في ذلك بالشذوذ، هذا مع عدم أخذه بما روى من الحديث في ذلك.
ويدعونا الكلام في الفرائض والمواريث إلى أن نشير إلى ظاهرة هامة عند ابن عباس، هي أنه - على الرغم من اتجاهه إلى التعليل، وأصالة هذا الاتجاه عنده كما سبق أن قررناه - كان يبدو أحيانًا متمسكًا بظاهر اللفظ، مناظرًا من يخالفه في ذلك ولعل آراءه في الفرائض هي أبرز الأمثلة على هذا الجانب من فقهه. وجدير بالذكر أن كثيرًا من آرائه في الفرائض أخذ بها أهل الظاهر، كما ظهر في المثالين السابقين، وكما سيتبين مما يأتي، وهذا يؤكد ما سبق أن ذكرناه في بداية الفصل من أن عصر الصحابة هو الملتقى الذي تتجمع عنده معظم الاتجاهات أو تتفرع منه معجم التيارات الفقهية.
_________________
(١) [الحج: ٧٨].
(٢) [يوسف: ٣٨].
(٣) الأعراف: ٢٧].
(٤) انظر " المحلى ": ٩/ ٢٧٢، ٢٧٣.
[ ١٧٢ ]
وقد لاحظ ابن القيم هذه العلاقة التي بين عصر الصحابة وبين الاتجاهات التي ظهرت فيما تلاه من عصور، وضرب لذلك مثلًا باجتهاد الصحابة عِنْدَمَا أَمَرَهُمْ الرَّسُولُ - ﷺ - يَوْمَ الأَحْزَابِ بِأَنْ يُصَلُّوا العَصْرَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، «فَاجْتَهَدَ بَعْضُهُمْ وَصَلَّاهَا فِي الطَّرِيقِ، وَقَالَ: لَمْ يُرِدْ مِنَّا التَّأْخِيرَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ سُرْعَةَ النُّهُوضِ، فَنَظَرُوا إلَى الْمَعْنَى، وَاجْتَهَدَ آخَرُونَ وَأَخَّرُوهَا إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَصَلَّوْهَا لَيْلًا، نَظَرُوا إلَى اللَّفْظِ، وَهَؤُلَاءِ سَلَفُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، [وَهَؤُلَاءِ] سَلَفُ أَصْحَابِ الْمَعَانِي وَالْقِيَاسِ» (١).
فمن مسائل الميراث التي مال فيها ابن عباس إلى ظاهر اللفظ:
١ - أنه ذهب إلى أن الاثنين من الإخوة أو الأخوات لا يحجبان الأم من الثلث إلى السدس، واشترط لتأثيرهم في نصيبها أن يكونوا ثلاثة فصاعدًا، تمسكًا بظاهر اللفظ في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١].
وقد روى ابن حزم بسنده أَنَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَقَالَ لَهُ: «إنَّ الأَخَوَيْنِ لا يَرُدَّانِ الأُمَّ إلَى السُّدُسِ، إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] وَالأَخَوَانِ فِي لِسَانِ قَوْمِك لَيْسُوا بِإِخْوَةٍ؟». فَقَالَ عُثْمَانُ: «لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْقُضَ أَمْرًا كَانَ قَبْلِي، تَوَارَثَهُ النَّاسُ وَمَضَى فِي الأَمْصَارِ» (٢) وإلى هذا ذهب ابن حزم.
وجمهور الصحابة - كما أشار سيدنا عثمان في مناظرته لابن عباس - على أن الاثنين لهما حكم الجمع في الميراث، فيدخلان في لفظ (الإِخْوَةِ)، فإن قاعدة الفرائض المستنبطة من آيات المواريث - أن كل حكم اختص به الجماعة عن الواحد فإن الاثنين يشتركان فيه، فالإخوة لأم مثلًا: بين الله سبحانه نصيب
_________________
(١) " إعلام الموقعين " مع " حادي الأرواح ": ٢/ ٢٤٤، ٢٤٥.
(٢) انظر " المحلى " لابن حزم: ٩/ ٢٥٨ و٢٦٠، وانظر احتجاج ابن القيم لرأي الجمهور في " إعلام الموقعين ": ٢/ ٥٣، ٥٥، وانظر في الاختلاف في أقل الجمع: " الإحكام " لابن حزم: ٤/ ١، ٨.
[ ١٧٣ ]
الواحد والواحدة عند الانفراد ثم نص على نصيبهم عندما يكونون أكثر من واحد، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، فإن قوله: ﴿أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ أي أكثر من أخ أو أخت، أي أكثر من واحد أو واحدة، فيدخل فيه الاثنان، وكوضعه تعالى نصيب الأختين فما فوقهما في مقابلة نصيب الواحدة المنفردة ﴿ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ﴾ [النساء: ١٧٦]، وقد قال ابن القيم في الموازنة بين رأي ابن عباس ورأي الجمهور في هذه المسألة: «وَنَظَرُهُ أَقْرَبُ إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَنَظَرُ الصَّحَابَةِ أَقْرَبُ إلَى المَعْنَى» (١).
ومن المسائل التي خالف ابن عباس فيها الجمهور بسبب ميله إلى الظاهر - نصيب الأم إذا انحصرت التركة في الأبوين وأحد الزوجين: فقد ذهب الجمهور إلى أن لها حينئذٍ ثلث الباقي بعد نصيب أحد الزوجين، إذ لو أعطيت ثلث الكل لكان نصيبها ضعف نصيب الأب في وجود الزوج، وقريبًا من نصيبه في وجود الزوجة، مع أن الملاحظ في نظام التوريث أنه إذا اجتمع ذكر وأنثى في طبقة واحدة كالابن والبنت، والجد والجدة، والأب والأم، والأخ والأخت، فإما أن يأخذ الذكر ضعف ما تأخذه الأنثى، أو يساويها. فأما أن تأخذ الأنثى ضعف الذكر فهذا خلاف قاعدة الفرائض التي أوجبها شرع الله وحكمته، وقد عهدنا الله سبحانه أعطى الأب ضعف ما أعطى الأم إذا انفرد الأبوان بميراث ابنهما، وساوى بينهما عند وجود ولد له، ولم يفضلها عليه في موضع واحد، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن لها ثلث الباقي بعد نصيب أحد الزوجين.
أما ابن عباس فقد ذهب إلى أن نصيب الأم هو ثلث التركة كلها، وجد أحد الزوجين أو لم يوجد، تَمَسُّكًا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١].
_________________
(١) " إعلام الموقعين ": ٢/ ٥٢.
[ ١٧٤ ]
وتسفر مناظرته في هذه المسألة لزيد بن ثابت عن ميله الواضح لظاهر اللفظ فيها، فقد أرسل ابن عباس إلى زيد بن ثابت: أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ؟. فَقَالَ زَيْدٌ: «إِنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ تَقُولُ بِرَأْيِكَ، وَأَنَا رَجُلٌ أَقُولُ بِرَأْيِي» (١).
وقد روى الدارمي عن إبراهيم النخعي قال: «خَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَهْلَ القِبْلَةِ فِي امْرَأَةٍ وَأَبَوَيْنِ: جَعَلَ لِلأُمِّ الثُّلُثَ مِنْ جَمِيعِ المَالِ» (٢).
ومذهب ابن عباس في هذه المسألة هو ما ذهب إليه بعده أهل الظاهر، كداود وابن حزم (٣).
ومن رأي ابن عباس أيضًا رفض العول، مخالفًا بذلك جمهور الصحابة، وقد أخذ برأيه في رفض العول داود وابن حزم وغيرهما من أهل الظاهر، تَشَبُّثًا منهم بأن مجموع الأنصبة يجب ألا يزيد على الواحد الصحيح، فالتركة تستوعب نصفين، فإذا وجد من له الثلث معهما لم يصادف هذا الثلث مقابلًا له من التركة، وهذا أمر بديهي، وإذا كان بعض الورثة حينئذٍ لن يكون له حظ من التركة، وجب أن ينظر فيمن يقدم منهم ليكون أولى بأخذ نصيبه، وقد رأى ابن عباس أن التركة إذا تزاحمت فيها الفروض قدم من الورثة من ينتقل من فرض مقدر إلى فرض آخر مقدر، فإذا بقي منها شيء أخذه من ينتقل من فرض مقدر إلى نصيب غير مقدر. فمثلًا إذا كان الورثة زوجًا وأختًا شقيقة وَأُمًّا، فللزوج النصف، وللأخت النصف، وللأم الثلث، فابن عباس يقدم الزوج والأم، فيأخذان نصيبهما كاملًا، لأنهما ينتقلان من فرض مقدر هو النصف للزوج والثلث إلى فرض مقدر وهو الربع للزوج والسدس للأم وما بقي بعد نصيبهما تأخذه الأخت لأنها تنتقل من فرض
_________________
(١) و(٢) " سنن الدارمي ": ٢/ ٣٤٦.
(٢) انظر " المحلى ": ٩/ ٢٦١، ٢٦٢؛ و" بداية المجتهد ": ٢/ ٢٨٧، ٢٨٨؛ و" إعلام الموقعين ": ٢/ ٥، ٥٩.
[ ١٧٥ ]
مقدر هو النصف إلى نصيب غير مقدر عندما تكون عصبة بالغير أو مع الغير، فإذا لم يبق من التركة شيء لم تأخذ شيئًا.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: «أَعَالَ الفَرَائِضَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْ قَدَّمَ مَنْ قَدَّمَ اللَّهُ، وَأَخَّرَ مَنْ أَخَّرَ اللَّهُ مَا عَالَتْ فَرِيضَةٌ»، قِيلَ لَهُ: وَأَيُّهَا قَدَّمَ اللَّهُ، وَأَيُّهَا أَخَّرَ اللَّهُ؟. قَالَ: «كُلُّ فَرِيضَةٍ لَمْ يُهْبِطْهَا اللَّهُ ﷿ عَنْ مُوجَبِهَا إِلاَّ إِلَى فَرِيضَةٍ أُخْرَى، فَهِيَ مَا قَدَّمَ اللَّهُ، وَكُلُّ فَرِيضَةٍ إِذَا زَالَتْ عَنْ فَرْضِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلاَّ مَا بَقِيَ فَتِلْكَ التِي أَخَّرَ اللَّهُ فَالأَوَّلُ مِثْلُ الزَّوْجَةِ وَالأُمِّ، وَالمُتَأَخِّرُ مِثْلُ الأَخَوَاتِ وَالبَنَاتِ». قَالَ: «فَإِذَا اجْتَمَعَ الصِّنْفَانِ بُدِئَ مَنْ قَدَّمَ اللَّهُ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ فَلِمَنْ أَخَّرَ اللَّهُ، وَإِلاَّ فَلاَ شَيْءَ لَهُ»، قِيلَ لَهُ: فَهَلاَّ قُلْتَ هَذَا القَوْلَ لِعُمَرَ: قَالَ: «هِبْتُهُ» (١).
ورأي الجمهور أقرب للعدل والنظر من رأي ابن عباس، فالورثة أشبه بالغرماء في مال المدين إذا قصر عن الوفاء بكل حقوقهم. فإن المال حينئذٍ يقسم بقدر حصصهم من الدين، ولا يحق لبعضهم أن يستوفي حقه كاملًا على حساب حرمان الآخرين.
هذا هو ابن عباس، آثرناه بمزيد من البيان بعد أن أجملنا الخطوط العامة لرواة الحديث من الصحابة، ووصفنا الملامح الرئيسية لفقههم.
ونرى لزامًا علينا - لتتضح الصورة، وتتميز الفروق - أن نذكر ابن عمر من بين المجموعة الثانية كطرف مقابل لابن عباس -، فنختصه بكلمة تجلي لنا جوانب من شخصيته، وتكشف لنا عن بعض اتجاهاته في الفقه، لتسهل الموازنة بين المجموعتين.
وأول ما يطالعنا من سلوك ابن عمر وشخصيته هو حرصه على السنة وتمسكه بها، واقتداؤه بالرسول - ﷺ - اقتداءً تامًا لا استثناء فيه حتى لقد رأى معاصروه أنه قد بالغ في ذلك، فقد «ذَكَرَ نَافِعٌ أنَّ عَبْدَ اللهِ تَتَبَّعَ
_________________
(١) انظر " المحلى " لابن حزم: ٩/ ٢٦٢، ٢٧٦؛ و" بداية المجتهد ": ٢/ ٢٩٢.
[ ١٧٦ ]
أَمْرَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَآثَارَهُ، وَأَفْعَالَهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ خِيفَ عَلَى عَقْلِهِ» (١).
ومن أمثلة تحريه وحمله نفسه على أن يكون سلوكه مطابقًا سلوك الرسول - ﷺ - ما يرويه مُجَاهِدٌ أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ، فَمَرَّ بِمَكَانٍ فَحَادَ عَنْهُ، فَسُئِلَ لِمَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ هَذَا فَفَعَلْتُ».
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ - ﵀ - بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا كَانَ حِينَ رَاحَ رُحْتُ مَعَهُ، حَتَّى أَتَى الإِمَامَ فَصَلَّى مَعَهُ الأُولَى وَالعَصْرَ، ثُمَّ وَقَفَ مَعَهُ وَأَنَا وَأَصْحَابٌ لِي حَتَّى أَفَاضَ الإِمَامُ فَأَفَضْنَا مَعَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى المَضِيقِ دُونَ المَأْزِمَيْنِ، فَأَنَاخَ وَأَنَخْنَا، وَنَحْنُ نَحْسَبُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ، فَقَالَ غُلاَمُهُ الذِي يُمْسِكُ رَاحِلَتَهُ: إِنَّهُ لَيْسَ يُرِيدُ الصَّلاَةَ، وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا انْتَهَى إِلَى هَذَا المَكَانِ قَضَى حَاجَتَهُ، فَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» (٢).
وقد عرف ابن عمر بهذا الحرص الشديد على الاقتداء والتأسي، وذاعت شهرته بذلك في الأوساط المختلفة حتى غلب على ظن كثير من الناس، أن ما صدر عنه من أفعال وتصرفات تمثل صورة من أفعال الرسول - ﷺ -، ولها ارتباط بما صدر عنه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وقد كان ابن عمر يعلم أنه - لتأسيه بالرسول - ﷺ - - صار قدوة، ولذلك، كان يحرص عندما يصدر منه فعل ليس متابعًا فيه للرسول، على أن ينبه الناس إلى ذلك، مثل ما روي أنه أمر أصحابه أن يمسحوا على خفافهم، ولكنه خلع نعليه، وغسل رجليه، ولما خشي أن يظن الناس أن غسل القدمين أفضل من المسح على الخفين وأن يتابعوه في فعله اضطر أن
_________________
(١) " تذكرة الحفاظ ": ١/ ٢٧.
(٢) " مجمع الزوائد ومنبع الفوائد " لنور الدين بن علي بن أبي بكر الهيثمي: ١/ ١٣٧ و١٧٤.
[ ١٧٧ ]
ينبههم إلى أنه غسل قدميه استجابة لميله الطبيعي إلى غسل القدمين وَقَالَ: «حُبِّبَ إلَيَّ الوُضُوءُ». وَقَالَ: «إنِّي لَمُولَعٌ بِغَسْلِ قَدَمَيَّ، فَلَا تَقْتَدُوا بِي» (١).
وكما كان ابن عمر حريصًا على تتبع أمر الرسول - ﷺ - وآثاره وأفعاله - كان حريصًا على حفظ حديثه ينقله بألفاظه، لا يزيد فيها ولا ينقص منها، وينقل لنا أبو جعفر محمد بن علي [بن الحسين بن علي] (*) بن أبي طالب هذا الجانب من شخصية ابن عمر فيقول: «لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدِيثًا أَحْذَرَ أَلاَّ يَزِيدَ فِيهِ أَوْ يُنْقِصَ مِنْهُ، وَلاَ، وَلاَ مِنْ ابْنِ عُمَر» (٢) (*).
أما سرعة استجابته للحديث وأخذه به وقلة نقده له - فهي ظاهرة واضحة عند ابن عمر. وإذا كان ابن عباس يبلغه الحديث فيما يخالف اجتهاده، فيعلله أو يؤوله - كما سبق أن قدمنا - فإن ابن عمر على العكس من ذلك، متى يبلغه الحديث يرجع إليه دون معارضة، ودون ضرب الأمثال له، كما أخذ ذلك أبو هريرة على ابن عباس.
وقد ذكرنا من قبل رأي ابن عباس في ربا الفضل، وثباته على هذا الرأي رغم معارضته لحديث أبي سعيد الخُدري، وقد صح عن ابن عمر أنه كان يقول بقول ابن عباس في الربا (٣)، ولكنه ما لبث أن رجع عنه عندما بلغه الحديث في ذلك. وهذا فرق هام بين ابن عمر وابن عباس - ﵃ -.
ولعل أوضح مثال يؤكد هذا الفرق بينهما هو ما أثر عنهما في حكم المزارعة، واختلاف موقفهما حيال ما روي فيها، فقد كان شائعًا بينهم إجارة الأرض ببعض ما يخرج منها حتى حديث بعض متأخري الصحابة أن النبي
_________________
(١) انظر " المغني ": ١/ ٢٨٢.
(٢) " تذكرة الحفاظ ": ١/ ٣٧؛ ورواه الدارمي في " سننه " (ج ١ ص ٤) بلفظ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا لَمْ يَعْدُهُ، وَلَمْ يُقَصِّرْ دُونَهُ» والمعنى يحتمل الحرص على السنة والامتثال لها كما يحتمل التقيد بألفاظ الحديث.
(٣) انظر: المحلى ٨/ ٤٩١. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]: (*) انظر " السنن " للإمام الدارمي (ت ٢٥٥ هـ)، تحقيق حسين سليم أسد الداراني، المُقَدِّمَةُ، (٣١) بَابُ: مَنْ رَخَّصَ فِي الْحَدِيثِ إِذَا أَصَابَ الْمَعْنَى، حديث رقم ٣٢٧، ١/ ٣٤٨، الطبعة الأولى: ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م، دار المغني للنشر والتوزيع - المملكة العربية السعودية. وانظر تخريج الحديث فيه. وانظر أيضًا " سنن ابن ماجه ": انظر: ابن ماجه: " السنن "، تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، المقدمة، (١) بَابُ اتِّبَاعِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حديث رقم ٤، ١/ ٤، طبعة سنة: ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م، نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان. وانظر " تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف " لِلْمِزِّي، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، الطبعة الاولى:١٩٩٩ م، حديث رقم ٧٤٤٢، ٥/ ٣٢٦، نشر دار الغرب الإسلامي. بيروت - لبنان. و" الجامع المسند " للدكتور بشار عواد معروف ومن معه، حديث رقم ٧١٨٤، ١٠/ ٢٢، الطبعة الأولى: ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م، دار الجيل. بيروت - لبنان. والشركة المتحدة - الكويت.
[ ١٧٨ ]
- ﷺ - نهى عنها. فماذا كان موقف هذين الصحابيين الجليلين من هذا النهي؟ أما ابن عباس فقد نقد ما روي في المزارعة، وعلله بسهو الراوي أو بعدم إحاطته بالظروف التي قيل فيها الحديث، فلم يعمل بما روي فيها.
وأما ابن عمر، فمع تشككه في صحة الحديث فيها، لمناقضته لما مضى عليه العمل في عهد النبوة وفي عهد الخلفاء الراشدين، ولما كان يعلمه من أن الرسول - ﷺ - أقر هذا التعامل، عندما عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج من الأرض - فإنه لم يسعه إلا أن يأخذ به، ويمتثل له ويفضل أن يتهم نفسه ولا يتهم الرواية.
والأحاديث في المزارعة كثيرة لا تخلو من تعارض، ويهمنا هنا أن نذكر ما يوضح هذا الفرق الذي ذكرناه بين ابن عمر وابن عباس.
فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ عَنْ رَافِعِ بْنَ خَدِيجِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ، قَالَ ظُهَيْرٌ: " لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقًا "، قُلْتُ: مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَهُوَ حَقٌّ، قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟»، قُلْتُ: نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبُعِ، وَعَلَى الأَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، قَالَ: «لَا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، [أَوْ أَزْرِعُوهَا]، أَوْ أَمْسِكُوهَا» قَالَ رَافِعٌ: قُلْتُ: سَمْعًا وَطَاعَةً (١).
وَرَوَى البُخَارِيُّ معنى ذلك عن جابر وأبي هريرة.
ثُمَّ رَوَى البُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، لَمْ يَنْهَ عَنْهُ وَلَكِنْ قَالَ: «أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مَعْلُومًا» (٢).
_________________
(١) و(٢) " البخاري بحاشية السندي ": ٢/ ٣٠، ٣١.
[ ١٧٩ ]
وروى الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمْ يُحَرِّمِ المُزَارَعَةَ، وَلَكِنْ أَمَرَ أَنْ يَرْفُقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ» (١).
أما ابن عمر فيتبين موقفه مما رواه البخاري عن نافع أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - ﵄ -: «كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ» ثُمَّ حُدِّثَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ» فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى رَافِعٍ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ». فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «قَدْ عَلِمْتَ أَنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، بِمَا عَلَى الأَرْبِعَاءِ، وَبِشَيْءٍ مِنَ التِّبْنِ» (٢).
إن هذه الرواية توضح شك ابن عمر في صحة الحديث، وتشير إلى القلق الذي نشب في نفسه بين قبول هذا الحديث أو رفضه. فماذا كانت نتيجة هذا الصراع؟. إن الرواية التالية تبين أن هذا الصراع قد انتهى إلى ما يتسق مع شخصية ابن عمر ومنهجه، مِنْ أَخْذٍ بِالحَدِيثِ وَامْتِثَالٍ لَهُ، فحرم المزارعة على نفسه، رغم الظواهر التي تشكك في صحة الحديث، وترجح غلبه الوهم أو الخطأ في روايته، فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - ﵄ -، قَالَ: «كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّ الأَرْضَ تُكْرَى»، ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ
_________________
(١) " الترمذي بشرح ابن العربي ": ٦/ ١٥٥؛ وانظر " مسند أحمد ": ٤/ ٢١٠ وفيه: «لأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ [أَخَاهُ] أَرْضَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا كَذَا وَكَذَا» - لِشَيْءٍ مَعْلُومٍ -. قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَهُوَ الْحَقْلُ، وَهُوَ بِلِسَانِ الْأَنْصَارِ: الْمُحَاقَلَةُ». ويؤيد ابن عباس ما رواه أبو داود عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَا وَاللَّهِ أَعْلَمُ بِالحَدِيثِ مِنْهُ إِنَّمَا أَتَاهُ رَجُلاَنِ، [قَالَ مُسَدَّدٌ]: مِنَ الأَنْصَارِ، [ثُمَّ اتَّفَقَا]، قَدِ اقْتَتَلاَ، فَقَالَ [رَسُولُ اللَّهِ ﷺ] (*): «إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنَكُمْ فَلاَ تُكْرُوا الْمَزَارِعَ»، زَادَ مُسَدَّدٌ، فَسَمِعَ قَوْلَهُ: «لَا تُكْرُوا المَزَارِعَ»، " سنن أبي داود ": ٣/ ٣٤٩؛ وانظر " بداية المجتهد ": ٢/ ١٨٤، ١٨٦؛ و" أسباب اختلاف الفقهاء " للخفيف: ص ٣٨، ٤٠؛ و" المحلى ": ٨/ ٢١١، ٢٢٤؛ و" المغني ": ٥/ ٣٦٠، ٣٦٢، ٣٧٨، ٣٨٢.
(٢) " البخاري بحاشية السندي ": ٢/ ٢١. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]: (*) في الكتاب المطبوع قد يظن القارئ أنه حديث مقطوع (من قول مسدد)، لأنه لم يذكر (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ)، انظر " السنن "، لأبي داود السجستاني (ت ٢٧٥هـ)، تحقيق عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، (١٧) كِتَاب الْبُيُوعِ (٣١) بَابٌ فِي الْمُزَارَعَةِ، حديث رقم ٣٣٩٠، ٣/ ٤٤٢، الطبعة الأولى: ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م، نشر دار ابن حزم. بيروت - لبنان.
[ ١٨٠ ]
يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، «فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ» (١).
ولعل ورع ابن عمر وحيطته لدينه هي الدوافع في اتجاهه هذا بل هي الضوء الذي يفسر كثيرًا من تصرفاته.
وكان هذا الورع يحمله على أن يترك بعض الحلال مخافة أن يقترب من الحرام، وقد روى مالك عنه أنه قال: «إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَجْعَلَ بَيْنِي وَبَيْنَ الحَرَامِ سُتْرَةً مِنَ الحَلاَلِ» (٢).
كما كان هذا الورع يحمله على التشديد على نفسه وعلى غيره، فقد صح عنه «أَنَّهُ كَانَ يُدْخِلُ المَاءَ فِي بَاطِنِ عَيْنَيْهِ فِي الوُضُوءِ وَالغُسْلِ» (٣) (*). وقد تميز ابن عمر بشدته هذه وعرف بها، وكانت موازنة أبي جعفر المنصور في ذلك بين ابن عمر وابن عباس موازنة صادقة صحيحة، عندما طلب من الإمام مالك أن يكتب للناس كتابًا يتجنب فيه «رُخَصَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَشَدَائِدَ ابْنَ عُمَرَ».
وإذا استعرضنا طرفًا من المسائل التي استدركتها السيدة عائشة على ابن عمر - وجدناه يميل في معظمها إلى جانب الشدة، أخذًا بالحيطة حتى يبلغه عن النبي - ﷺ - خلاف ما ذهب إليه، فيترك قوله.
فمن ذلك أنه كان يقول: «فِي القُبْلَةِ الوُضُوءُ»، فاستدركت عليه السيدة عائشة وَقَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ [ثُمَّ] لاَ يَتَوَضَّأُ» (٤).
_________________
(١) " البخاري بحاشية السندي ": ٢/ ٣١.
(٢) " المحلى " لابن حزم: ١/ ٢٠١، وقد عَرَّفَ ابن حزم الورع بأنه تجنب ما لا يظهر فيه ما يوجب اجتنابه خوفًا من أن يكون ذلك فيه (" الإحكام ": ١/ ٤٥). وفي ابن عمر يقول ابن مسعود: «إِنَّ مِنْ أَمْلَكِ شَبَابِ قُرَيْشٍ لِنَفْسهِ عَنِ الدُّنْيَا عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ»، ويقول جابر: «مَا مِنَّا أَحَدٌ أَدْرَكَ الدُّنْيَا إلاَّ وَقَدْ مَالَتْ بِهِ إلاَّ ابْنُ عُمَرَ». انظر " سير أعلام النبلاء ": ٣/ ١٣٩، ١٤٠.
(٣) انظر " المحلى ": ٢/ ٧٦؛ وفي " المغني: ١/ ١٠٧ أنه عمي بسبب ذلك.
(٤) " الإجابة ": ص ١١٨، ١١٩. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]: (*) قارن بالصفحة ٢٧٠ من هذا الكتاب.
[ ١٨١ ]
ومن ذلك أنه كان يمنع المحرم أن يتطيب قبل إحرامه، وكان يقول: «لَأَنْ أُصْبِحَ مُطَّلِيًا بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا»، ولما بلغ ذلك السيدة عائشة قالت: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا»، وفي لفظ " البخاري ": قالت: «يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا» (١).
ومن ذلك أنه كان يأمر بقطع الخفين للمرأة المحرمة إذا لم تجد نعلًا ثُمَّ حَدَّثَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ، أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - حَدَّثَتْهَا، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَانَ رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِي الخُفَّيْنِ» فَتَرَكَ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ (٢).
وهذا الورع ذاته كان من العوامل التي دفعت ابن عمر إلى الإقلال من الفتوى، وإلى كثرة إجابته بقوله: «لَا أَعْلَمُ»، كما كان سببًا في ميله إلى الظاهر في أغلب الأحيان، وحرصه على ظاهر اللفظ، دون تأويل له أو نظر إلى المعنى، كما سبق أن رأينا صورة من ذلك في أخذه بظاهر ما روى في قطع الصلاة بالكلب والحمار والمرأة إذا مر أحدها أمام المصلي .. ويشاركه في هذا الاتجاه أبو هريرة (٣).
لكن هذا الاتجاه إلى الظاهر لم يكن مذهبًا ملتزمًا لا يعدل عنه، بل كان الأمر مرتبطًا بمدى الاطمئنان النفسي والأخذ بالأحوط. فلو اقتضى الورع والأخذ بالأحوط أن تصرف الألفاظ عن ظاهرها، وأن تتجاوزه إلى المعاني المقصودة من ورائها - فإن الظاهر حينئذٍ يطرح ولا يلتزم.
_________________
(١) " الإجابة ": ص ١١٤.
(٢) المصدر نفسه: ص ١١٧، ١١٨.
(٣) ومن أمثلة أخذ أبي هريرة بالظاهر أيضًا اعتباره غسل يوم الجمعة واجبًا (" الموطأ ": ١/ ١٠١)، وجعله الضجعة التي بين سُنَّةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ الفَجْرِ فَرْضًا لروايته آثارًا في ذلك أخذها على ظاهرها، وتبعه فيها أهل الظاهر (انظر " المحلى ": ١/ ١٩٦).
[ ١٨٢ ]
ولعل أبرز مثال لذلك ينبئ عما وراءه، هو ما روي عنه في (الإيلاء) وهو في اللغة الحلف والقسم واليمين، ولكن معناه الفقهي مختلف فيه، لاختلافهم فيما يكون به المرء موليًا:
(أ) هل هو الحلف ألا يجامع الزوج زوجته على وجه الضرر والغضب؟
(ب) أو هو كل يمين حالت دون الجماع، دون فرق بين الرضا والغضب؟.
(ج) أو هو كل يمين يؤدي إلى الإضرار بالزوجة، سواء أكانت اليمين على ترك الجماع أو على عدم الكلام معها مثلًا؟
وقد التقت الأقوال الثلاثة السابقة حول ضرورة اليمين في اعتبار الإيلاء، فهي من أهم شروطه.
(د) أما الرأي الرابع فهو رأي ابن عمر، فقد ذهب إلى أن الزوج إذا هجر زوجته فهو إيلاء، ولو لم يذكر الحلف، ولو لم يكن هناك قسم: قال الجصاص تعليقًا على رأي ابن عمر: «وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ أَنَّ الهِجْرَانَ يُوجِبُ الطَّلاَقَ، فَإِنَّهُ قَوْلٌ شَاذٌّ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ إذَا حَلَفَ ثُمَّ هَجَرَهَا مُدَّةَ الإِيلاَءِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ خِلاَفُ الكِتَابِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وَالأَلِيَّةُ اليَمِينُ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَهِجْرَانُهَا لَيْسَ بِيَمِينٍ، فَلاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الكَفَّارَةِ» (١).
ولا شك أن ابن عمر قد علم أن الإيلاء معناه اليمين، إذ هو عربي يفهم ألفاظ القرآن ويحتج بفهمه ولغته وقد احتج الجصاص بفهم ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، حيث قال: «عَزِيمَةُ الطَّلاَقِ انْقِضَاءُ الأَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ» قبل الفيء إليها. «لأَنَّهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ شَرْعًا أَوْ لُغَةً، وَأَيُّ الْوَجْهَيْنِ كَانَ فَحُجَّتُهُ ثَابِتَةٌ» (٢).
_________________
(١) " أحكام القرآن " للجصاص ": ١/ ٣٥٦، ٣٦٠.
(٢) (*) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]: (*) لم يذكر المؤلف المصدر في الكتاب المطبوع وإنما أشار إلى الترقيم (٢)، وتبين أنه المصدر السابق. انظر " أحكام القرآن " للجصاص "، تحقيق محمد صادق قمحاوي - عضو لجنة مراجعة المصاحف بالأزهر الشريف: ٢/ ٥٠، طبعة سنة ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت وانظر أيضًا " أحكام القرآن " للجصاص " تحقيق عبد السلام محمد علي شاهين: ١/ ٤٣٦، الطبعة الأولى: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م، نشر دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان.
[ ١٨٣ ]
إن ابن عمر في هذه المسألة جاوز اللفظ ولم يقف عنده، وتوجه مباشرة إلى الغاية والمعنى المقصود من الإيلاء. ورأيه في ذلك له وزنه وقيمته. ويسد الطريق أمام من يهجرون زوجاتهم بقصد الإضرار، آمنين من تطبيق حكم الإيلاء عليهم، ما داموا لم يستكملوا المظهر الشكلي وهو القَسَمَ وَاليَمِينَ.
ومن ذلك أيضًا رأى ابن عمر في حكم المرأة الحامل في رمضان إذا خافت على ولدها وصعب عليها الصيام: فقد سئل عن ذلك فأجاب: «تُفْطِرُ، وَتُطْعِمُ، مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ - ﷺ -».
ويعلق الإمام مالك على رأي ابن عمر بقوله: «وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَرَوْنَ عَلَيْهَا القَضَاءَ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَيَرَوْنَ ذَلِكَ مَرَضًا مِنَ الأَمْرَاضِ مَعَ الخَوْفِ عَلَى وَلَدِهَا» (١).
ولكن رأي ابن عمر في ذلك رأي سديد، فالله تعالى أوجب الصيام على المكلفين. ثم استثنى نوعين: أولهما: المريض والمسافر، بشرط أن يقضيا ما رخص لهما في فطره، وثانيهما: المطيق له، بشرط الفدية. وكأنه يذهب إلى أن معنى الإطاقة هي استطاعة الصوم مع شدة وجهد لا يخلو من ضرر أو خطر. والقول بنسخ هذا الحكم قول مرجوح (٢).
وبهذا نكون قد أتينا على ما أردنا بيانه في هذا الكتاب من تحديد أهل الحديث وإثبات أن لهم مذهبًا فقهيًا مستقلًا، وإيضاح اتجاهات سلفهم مِنْ مُحَدِّثِي الصَّحَابَةِ. ونشرع الآن في بيان ملامح مذهب المحدثين ومنهجهم الفقهي.
_________________
(١) " الموطأ ": ١/ ٣٠٨.
(٢) انظر " النسخ في القرآن الكريم "، للأستاذ الدكتور مصطفى زيد: ص ٦٣٩، ٦٤٤.
[ ١٨٤ ]