وهذا النسخ هو النقطة الرابعة التي نتناولها في علاقة السنة بالقرآن، لنستشف منها اتجاه المحدثين.
وقد ذهب جمهور الفقهاء والأصوليين إلى أن نسخ السنة بالقرآن، ونسخ القرآن بالسنة، جائز في العقل وواقع بالفعل.
وحجتهم في ذلك محصورة في أن الرسول - ﷺ - لا ينطق عن الهوى، فسنته وحي كالقرآن وكل من عند الله تعالى، فما المانع حينئذٍ من أن ينسخ أحدهما الآخر؟.
[ ٢٢٧ ]
وذهب الشافعي - ﵁ - في أشهر قوليه إلى منع نسخ السنة بالقرآن. واختلف النقل عنه في سبب المنع: هل هو العقل، أو السمع؟ أو لا العقل ولا السمع ولكن السبب هو عدم الوقوع بالفعل. قال السبكي: «نَصُّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - لَا يَدُلُّ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا».
أما نسخ القرآن بالسنة فإن للشافعي فيه قولًا واحدًا هو المنع.
والنص الذي يشير إليه السبكي، هو قول الشافعي في " الرسالة ": «وَأَبَانَ اللهُ لَهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا نَسَخَ مَا نَسَخَ مِنَ الكِتَابِ بِالكِتَابِ، وَأَنَّ السُّنَّةَ لَا نَاسِخَةٌ لِلْكِتَابِ، وَإِنَّمَا هِيَ تَبَعٌ لِلْكِتَابِ، يُمَثِّلُ مَا نَزل نَصًّا، وَمُفَسِّرَةٌ مَعْنَى مَا أَنْزَل اللَهُ مِنْهُ جُمَلًا » (١).
وقوله: «وَهَكَذَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَهِ، لَا يَنْسَخُهَا إِلَّا سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللَهِ؛ وَلَوْ أَحْدَثَ اللَهُ لِرَسُولِهِ فِي أَمْرٍ سَنَّ فِيهِ، غَيْرَ مَا سَنَّ رَسُولُ اللَهِ: لَسَنَّ فِيمَا أَحْدَثَ اللَهُ إِلَيْهِ، حَتَّى يُبَيِّنَ لِلْنَّاسِ أَنَّ لَهُ سُنَّةٌ نَاسِخَةَ لِلَّتِي قّبْلَهَا مِمَّا يُخَالِفُهَا» (٢).
وبقول الشافعي قال أحمد بن حنبل من المحدثين (٣).
واحتج الشافعي لرايه بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٤)، والسنة ليست مثلًا للقرآن، ولا خيرًا منه. ورد المجيزون بأن المعنى: «نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا لَكُمْ أَوْ مِثْلَهَا لَكُمْ»، لأن القرآن أيضًا ليس بعضه خيرًا من بعض، وأيضًا فالسنة يمكن اعتبارها مثل القرآن، لأنها وحي مثله، ولاستوائها معه في وجوب الطاعة. وإنما افترقا في ألا يكتب في المصحف غير القرآن، ولا يتلى معه غيره مخلوطًا به،
_________________
(١) و(٢) " الرسالة "، للشافعي: ص ١٠٦، ١٠٨.
(٢) " النسخ في القرآن الكريم ": ١/ ٢٠٣، ٢٠٤.
(٣) [البقرة: ١٠٦].
[ ٢٢٨ ]
وفي أنه معجز دونها. وهذا لا يعترض به على أنها ليست مثله، إذ ليس في العلم شيئان إلا وهما يشتبهان من وجه، ويختلفان من آخر. لا بد من ذلك ضرورة، ولا سبيل إلى أن يختلفا من كل وجه، ولا أن يتماثلا من كل وجه.
كما استدل الشافعي أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ (١) وبقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ (٢). فكل هذه الآيات تنسب النسخ والتبديل إلى الله تعالى.
وقد نوقش الشافعي في معاني هذه الآيات، فالاستدلال بالآية الأولى مبني على القول بمفهوم المخالفة، وهذا غير مُسَلَّمٍ، إذ معنى الآية أن الله يبدل آية مكان آية، وهذا أَمْرٌ مُسَلَّمٌ، وليس في الآية ما ينفي أن الله يبدل وحيًا غير متلو مكان آية ببراهين أخرى.
وكذلك بالنسبة للآية الأخيرة، لأن الرسول لا يبدل شيئًا من تلقاء نفسه، وإنما يبدله بوحي من عند الله.
كما احتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣). وهذا يفيد أن السنة مقصورة على البيان، والبيان ينافي الرفع الذي يفيده النسخ، ورد المجوزون للنسخ بأن المراد بالتبيين في الآية هو التبليغ، وبأن النسخ نوع من أنواع البيان، لأنه بيان ارتفاع الأمر
_________________
(١) [النحل: ١٠١].
(٢) [يونس: ١٥].
(٣) [النحل: ٤٤].
[ ٢٢٩ ]
المنسوخ، وبيان إثبات الأمر الناسخ (١).
وما قالوه من أن المراد بالتبيين هو التبليغ غير مقبول، فإن البيان أمر زائد على التبليغ قطعًا. وما جاء في القرآن من أنه ليس عليه إلا البلاغ فالحصر فيه إضافي، يراد به أنه ليس عليه هداهم، فإن الله يهدي من يشاء (٢).
وقول الشافعي: «إِذَا أَحْدَثَ اللَهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ أَمْرًا بِرَفْعِ سُنَّةٍ تَقَدَّمَتْ، أَحْدَثَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - سُنَّةً تَكُونُ نَاسِخَةً لِتِلْكَ السُّنَّةِ الأُولَى» - أنكره عليه بعض أصحابه، وقال: «لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَكَانَ النَّاسُ إِذَا عَمِلُوا بِسُنَّةٍ نَاسِخَةٍ - صَحَّ أَنْ يُنْسَبَ النَّسْخُ إِلَيْهِمْ»، وهذا خطأ، فكذلك الأمر بالنسبة للرسول - ﷺ -، المفترض عليه الانقياد لأمر ربه - ﷿ -، فالناسخ هو الأمر الوارد له من الله، لا علمه الذي يأتي به انقيادًا لأمر الله (٣).
فإذا ادعى أن النسخ لم يقع بين القرآن والسنة، فهناك الأمثلة التي تثبت وقوعه: