إذا جاء أشخاص من خارج المدينة يحملون بضاعة لعرضها في سوق المدينة، فقد نهى المدني عن تلقي هؤلاء الأغراب الجالبين بضائع إلى سوقها، باعتراض طريقهم والانفراد بهم والشراء منهم قبل بلوغهم إلى السوق، لما في ذلك من احتمال الإضرار بأهل السوق، حيث يحتكر المشتري هذه البضاعة، ثم يبيعها بالثمن الذي يحدده، ومن احتمال الإضرار بالجالب وغبنه، حيث تفوت عليه فرصة المنافسة في الشراء وبخاصة عندما يكون جاهلًا بالسعر، فيبيع بأقل من السعر العادي.
وقد أخذ الجمهور بظاهر النهي عن تلقي الركبان فمنع من تلقي الجلب في كل الأحوال، حتى يبلغ بالسلعة إلى السوق. أما أبو حنيفة والأوزاعي فقد بحثا عن علة النهي، وأداهما البحث إلى أن يجيزا تلقي الركبان إذا لم يضر بالناس، فإن أضر بهم كره ذلك البيع ووقع صحيحًا مع الإثم.
والجمهور مع منعه من هذا البيع، يذهب إلى صحته لو وقع، مع إثم المخالف للنهي، أو على أنه يقع غير لازم فيكون للجالب الخيار إذا ورد السوق.
أما أهل الظاهر ومعظم المحدثين فقد ذهبوا إلى بطلان ذلك البيع المنهي عنه ووجوب فسخه، لأنهم لا يفرقون بين أن يكون النهي لصفة ملازمة أو لأمر خارج عن المنهي عنه مجاور له.
وقد ترجم البخاري لتلقي الركبان بقوله: (بَابُ النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ وَأَنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ لِأَنَّ صَاحِبَهُ عَاصٍ آثِمٌ إِذَا كَانَ بِهِ عَالِمًا وَهُوَ خِدَاعٌ فِي
_________________
(١) انظر " الدراري المضيئة ": ٢/ ٢٦٠.
[ ٣٤٧ ]
البَيْعِ، وَالخِدَاعُ لَا يَجُوزُ) (١).
ويقرر ابن حزم مذهب الظاهرية فيقول: «وَلَا يَحِلُّ [لِأَحَدٍ] تَلَقِّي الجَلَبِ، سَوَاءٌ خَرَجَ لِذَلِكَ أَوْ كَانَ [سَاكِنًا] عَلَى طَرِيقِ الجَلَّابِ، وَسَوَاءٌ بَعُدَ مَوْضِعُ تَلَقِّيهِ أَمْ قَرُبَ، وَلَوْ أَنَّهُ عَلَى السُّوقِ عَلَى ذِرَاعٍ فَصَاعِدًا، لَا لِأُضْحِيَّةٍ، وَلَا لِقُوتٍ، وَلَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، أَضَرَّ ذَلِكَ بِالنَّاسِ أَوْ لَمْ يَضُرَّ.
فَمَنْ تَلَقَّى جَلَبًا - أَيَّ شَيْءٍ كَانَ - فَاشْتَرَاهُ فَإِنَّ الْجَالِبَ بِالْخِيَارِ إذَا دَخَلَ السُّوقَ مَتَى مَا دَخَلَهُ وَلَوْ بَعْدَ أَعْوَامٍ فِي إمْضَاءِ الْبَيْعِ، أَوْ رَدِّهِ».
واستدل بما رواه مسلم عن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَلَقَّوْا الجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ، فَهُوَ بِالخِيَارِ» (٢).
ويلاحظ أن البخاري لم يرو هذا الحديث، فلم يثبت الخيار للبائع لذلك.
• • •
هذه بعض الأمثلة (٣) التي تصور جانبًا من فقه المحدثين، وقد رأينا كيف اقتصروا في بعضها على مورد النص، وقدمنا مثالًا لذلك قصرهم على الكفارة على متعمد الفطر في رمضان بالجماع، دون غيره من المفطرات، ورأينا كيف أن أصحاب الصحاح والسنن جميعًا قد ذهبوا إلى ذلك، التزامًا منهم بمورد النص، وكيف أن الإمام أحمد بن حنبل قد أنكر على من سأله
_________________
(١) " البخاري ": ٢/ ١٢؛ " النووي على مسلم ": ١٠/ ١٦٣؛ و" أبا داود ": ٣/ ٣٦٥، ٣٦٦؛ و" ابن ماجه بحاشية السندي ": ٣/ ٨؛ و" بداية المجتهد ": ٢/ ١٣٨.
(٢) " المحلى "، لابن حزم: ٨/ ٤٤٩، ٤٥٢.
(٣) ومن الأمثلة النهي عن النجش أو التناجش. ورأيهم في بطلان الصلاة في الأرض المغصوبة، وبطلان كل عقد منهي عنه، حتى البيع في وقت النداء يوم الجمعة (انظر " البخاري بحاشية السندي ": ٢/ ١١؛ و" النووي على مسلم ": ١٠/ ١٥٩؛ و" المستصفى ": ١/ ٧٩؛ و" المغني ": ٤/ ٢١٢).
[ ٣٤٨ ]
التسوية بين الجامع وغيره، رَادًّا عليه بأن النص ورد في المجامع، ولم يأت في غيره نص. ثم لم ينس أن ينبه القياسيين على أن هناك فرقًا بين الفطر بالجماع والفطر بالأكل والشرب، وأن هذا الفرق يمنع إلحاق أحدهما بالآخر، وأن التغليظ بإيجاب الكفارة يناسب أحدهما دون الآخر. ولعله أخذ من الشافعي هذه الحجة التي تمنع قياس الفطر بغير الجماع على الفطر بالجماع.
وقد رأينا في هذا المثال نفسه، كيف أن إسحاق بن راهويه - وهو من أئمة الحديث، والذي بالغ في التمسك بالظاهر في بعض المواقف، حتى جعل ترك السواك وتخليل اللحية مبطلًا للصلاة - قد خالف أصحابه في هذه المسألة وذهب إلى مساواة المفطر المتعمد بالأكل والشرب، بالمفطر المتعمد بالجماع.
كما رأينا فيما تقدم من الأمثلة، كيف أن المحدثين يحملون معظم الأوامر والنواهي على الوجوب، وكيف حكموا بالبطلان على أفعال منهي عنها، لا يفرقون بين أن يكون النهي لذات الشيء، أو لصفة ملازمة له، أو لأمر خارج عن ماهيته مجاور له، لأن كل ذلك وقع على وجه لا يريده الشارع، وكل شيء ليس على وفق إرادة الشارع فهو مردود، كما حكم البخاري برد البيوع المتلقاة، وسندهم في ذلك، النهي الخاص بها، مع النص العام في ذلك، وهو قوله - ﷺ -: «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهُوَ رَدٌّ»، أي مردود.
فموجب الأمر عند البخاري هو الوجوب، وموجب النهي عنده هو التحريم إلا إذا دل دليل على إخراج الأمر والنهي عن موجبهما، وقد استنتجنا هذا المذهب للبخاري من الأمثلة السابقة، ومن غيرها من الجزئيات العديدة التي عرض لها في " صحيحه "، بل نراه يصرح بهذا المذهب في الترجمة التي قال فيها: (بَابُ نَهْيِ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى التَّحْرِيمِ إِلَّا مَا تُعْرَفُ إِبَاحَتُهُ، وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ، نَحْوَ قَوْلِهِ حِينَ أَحَلُّوا: «أَصِيبُوا مِنَ
[ ٣٤٩ ]
النِّسَاءِ»، وَقَالَ جَابِرٌ: «وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ» وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ [الجَنَازَةِ]، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» (١).
ومذهب البخاري في موجب الأمر والنهي هو مذهب الظاهرية، لا يفارقه إلا في إجازته أن يكون الدليل المخرج لهم عن موجبهما غير منصوص، والظاهرية يشترطون فيه أن يكون منصوصًا.
وقد رأينا في الأمثلة السابقة كيف التقى المحدثون مع أهل الظاهر وكيف صدروا في استخلاصهم للأحكام عن منهج واحد.
ولكن هل يعني هذا أن المحدثين هم الظاهرية، وأن الظاهرية هم المحدثون؟
إن مما لا شك فيه أن بينهما تشابهًا وتلاقيًا كبيرًا في الفكرة والمنهج، ولكن بينهما أيضًا من الفروق ما يجعل من أهل الظاهر فرقة خاصة، لها كيانها المستقل عن أهل الحديث.
ونستطيع أن نصف العلاقة بين المحدثين والظاهرية، بعبارة موجزة نستعيرها من المناطقة، فنقول: إن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا، بمعنى أن كل ظاهري فهو من أهل الحديث، ولكن ليس كل محدث ظاهريًا.
وفي الصفحات التالية نعرض للعلاقة بين المحدثين والظاهرية، ثم نوجز القول في أصول الظاهرية ومواطن الخلاف بينهم وبين المحدثين، وعلاقة الظاهرية بالمذاهب الأربعة.