والثاني: تنقيح المناط.
والثالث: تخريج المناط.
وقد ذكر هذا التقسيم ثلةٌ من الأصوليين منهم: الحسَن العْكْبَري (١)، والغزالي (٢)، وابن قدامة (٣)، والآمدي (٤)، والطُّوفي (٥)، والمرداوي (٦)، وابن بدران الدمشقي (٧)، ومحمد الأمين الشنقيطي (٨).
وبيان هذه الأنواع الثلاثة - إجمالًا - على النحو الآتي:
النوع الأول: تحقيق المناط.
ويطلق على ثلاثة معاني:
المعنى الأول: إثبات علة حكم الأصل في الفرع بعد معرفتها بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط (٩).
ومثاله: أن يُجعل (الطواف) عِلَّةً لطهارة الهرّ في قوله ﷺ: " إنها ليست
_________________
(١) ينظر: رسالة في أصول الفقه (٨٠).
(٢) ينظر: المستصفى (٣/ ٤٨٥).
(٣) ينظر: روضة الناظر (٣/ ٨٠٣).
(٤) ينظر: الإحكام (٣/ ٣٧٩).
(٥) ينظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٢٣٣).
(٦) ينظر: التحبير شرح التحرير (٧/ ٣٤٥١).
(٧) ينظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (٣٠٦ - ٣٠٩).
(٨) ينظر: مذكرة أصول الفقه (٤٢٩).
(٩) ينظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٣٧٩)، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (٧/ ٣٠٤٤)، شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٢٣٢)، الإبهاج للسبكي (٣/ ٨٢)، نهاية السول (٤/ ١٤٣)، التلويح على التوضيح (٢/ ١٦٢ - ١٦٣)، البحث المحيط للزركشي (٥/ ٢٥٦)، تيسير التحرير (٤/ ٤٢)، شرح الكوكب المنير (٤/ ٢٠٠ - ٢٠١)، إرشاد الفحول (٢/ ٩٢٠).
[ ٥٦ ]
بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات " (١)، فيبين المجتهد ثبوت العِلَّة - التي هي الطواف- في صغار الحشرات كالفأرة ونحوها، ليلحقها بالهِرّ في الطهارة (٢).
والمعنى الثاني: إثبات مقتضى قاعدةٍ شرعيةٍ ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباطٍ في بعض جزئياتها (٣).
ومثاله: أوجب الله المِثْلَ من النَّعمَ على المُحْرِم في جزاء الصيد بقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فالأصل الواجب هو المِثْل، والمثلية هي مناط الحكم، وقد عُلِمت بالنصّ، أما تحقُّق المثلية في البقرة عند الجناية على حمار الوحش- مثلًا - فلا يُعلَم إلا بنوعٍ من الاجتهاد والظنِّ المبني على الاستدلال بالأمارات (٤).
والمعنى الثالث: إثبات معنى لفظٍ عامٍّ أو مطلقٍ تعلَّق به حكمٌ شرعيٌّ في بعض أفراده (٥).
ومثاله: لفظ " الخمر " في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] فإنه لفظٌ عامٌ يتناول تحريم كل مُسْكرٍ من الأشربة والأطعمة؛ لقوله ﷺ: " كل مُسْكِرٍ
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه "، كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة، رقم (٧٥)، والترمذي في " جامعة "، كتاب الطهارة، باب ما جاء في سؤر الهرة، رقم (٩٢)، والنسائي في " سننه "، كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة والرخصة فيه، رقم (٣٦٧)، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الحاكم في " مستدركه " (١/ ١٦٠)، وابن خزيمة في " صحيحه "، رقم (١٠٤)، والبغوي في " شرح السنة " (٢/ ٦٩).
(٢) ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (٨٣)، روضة الناظر (٣/ ٨٠٢)، شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٢٣٥)، شرح الكوكب المنير (٤/ ٢٠١)، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (٣٠٦ - ٣٠٧).
(٣) ينظر: المستصفى (٣/ ٤٨٥ - ٤٨٧)، روضة الناظر (٣/ ٨٠١ - ٨٠٢)، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (٧/ ٣٠٤٤ - ٣٠٤٥)، شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٢٣٣)، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (٣٠٢ - ٣٠٣).
(٤) ينظر: المراجع السابقة.
(٥) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٩/ ٢٨٢ - ٢٨٣)، درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٧/ ٣٣٧)، الموافقات للشاطبي (٥/ ١٢).
[ ٥٧ ]
خمر" (١)، فيبين المجتهد ثبوت معنى الإسكار في بعض أفراده كالحشيشة مثلًا، فيتناولها الحكم الشرعي وهو " التحريم " (٢).