التعريف الذي سأعتمده في بحثي عند إطلاق العِلَّة هو التعريف الثالث الذي يَعْتَبِر "العِلَّة": الوصف الظاهر المنضبط المعرِّف للحُكْم بوضع الشارع.
وذلك لأن الشارع نَصَبَ الأوصاف الظاهرةَ علامةً على الأحكام؛ تيسيرًا على العباد في ربط الأحكام بأوصافها الظاهرة، وإن كانت تلك الأوصاف ليست عِلَلًا حقيقية؛ لأن العِلَّة الحقيقية هي الحكمة المقصودة من شَرْع الحُكْم، فالسرقة وصفٌ ظاهرٌ لوجوب القطع، أما العِلَّة الحقيقية لوجوب القطع فهي صيانة الأموال، ولكن لما كانت العِلَّة الحقيقية - وهي الحكمة - قد تخفى ولا تنضبط، ويتعذَّر الوقوف على حقائق مقاديرها؛ لاختلاف مراتبها التي لا نهاية لها بحسب الأشخاص والأزمان والأحوال، وليس كلُّ قَدْرٍ منها صالحًا لإناطة الحُكْم به، لذا فإن الشارع ناط الأحكام بالأوصاف الظاهرة المنضبطة كالسفر مثلًا، فإنه نِيْطَ به حُكْم قصر الصلاة والإفطار في رمضان، ولم يُنَطْ بالمشقة التي هي العِلَّة الحقيقية؛ لِما ذُكِرَ من اختلاف مراتبها، وعدم انضباطها (١).