بعد استعراض تعريفات الأصوليين والمقارنة بينها يظهر لي أن التعريف الأرجح لـ"تنقيح المناط " هو الذي يجمع بين الصورتين الداخلتين تحت هذا النوع من الاجتهاد في العِلَّة وهو: " أن يدلَّ نصٌّ ظاهرٌ على التعليل بوصفٍ، فَيُحْذَف خصوصه عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعمِّ، أو يقترن بالحُكْم أوصافٌ مذكورةٌ في النصِّ لامدخل لها في العِلِّيَّة، فَتُحْذَف عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي".
وأصل هذا التعريف مُسْتَخْلَصٌ من تعريف تاج الدين ابن السُّبكي في " جمع الجوامع " (٣)، مع اعتبار أن " تنقيح المناط " من طرق الاجتهاد في العِلَّة بعد ثبوتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه، لا باعتبار أنه مسلكٌ مستقِلٌ من مسالك العِلَّة.
وفيما يأتي شرحٌ للتعريف وبيانٌ لأهم محترزاته:
قوله: (أن يدلَّ نصٌّ) المقصود بالنصِّ - هنا -: اللفظ الوارد في الكتاب أو السُّنَّة، وليس المراد منه ما يقابل الظاهر.
قوله: (ظاهرٌ) قيدٌ يخرج النصَّ الصريح الذين يُعَيِّن العِلَّة، وهو ما صرَّح الشارع فيه بكون الوصف عِلَّةً للحُكْم من غير احتياجٍ فيه إلى نظرٍ واستدلال، كما لو قال: العِلَّة كذا أو لأجل كذا (٤).
_________________
(١) ينظر: (١٠٠).
(٢) ينظر: (١١٢ - ١١٣).
(٣) ينظر: (٩٥).
(٤) ينظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٣١٧)، البحر المحيط للزركشي (٧/ ٢٣٨)، شرح الكوكب المنير (٤/ ١١٧)، إرشاد الفحول (٢/ ٦١٦).
[ ٨٧ ]
كقوله ﵊: " إنما جُعِل الاستئذان من أجل البصر" (١).
قوله: (على التعليل بوصفٍ) أي: على تعليل الحُكْم المذكور في النصِّ بوصفٍ من الأوصاف.
قوله: (فَيُحْذَف خصوصه عن الاعتبار) أي: يُلغي المجتهد خصوص ذلك الوصف عن اعتباره عِلَّةً في الحُكْم؛ لأن ذلك الوصف ليس عِلَّةً لذاته، بل لما يلازمه.
قوله: (ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعمِّ) أي: يُعلَّق الحُكْم وجودًا وعدمًا سواءٌ كان أمرًا أو نهيًا بالمعنى الأوسع الذي ثبت بالشرع اعتباره وصفًا مؤثرًا في الحُكْم.
قوله: (أو) للتنويع، وذلك ليشمل التعريف الصورتين الداخلتين تحت " تنقيح المناط ".
قوله (يقترن بالحُكْم أوصاف) أي: يقترن بالحُكْم المذكور في النصِّ مجموع أوصاف.
قوله: (لا مدخل لها في العِلِّيَّة) أي: لا تأثير لتلك الأوصاف في الحكم؛ إما لكونها طرديةً كالطول والقصر، أو لثبوت الحُكْم بدون تلك الأوصاف، أو لغير ذلك كما سيأتي بيانه في طرق تنقيح المناط (٢).
قوله: (فَتُحْذَف عن الاعتبار) أي: فيُلْغِي المجتهد اعتبار تلك الأوصاف عِلَّةً للحُكْم؛ لعدم اعتبار الشارع لها.
قوله: (ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي) أي: يُعلَّق الحُكْم وجودًا وعدمًا بالباقي من الأوصاف التي لم تُحْذَف؛ لكونها أوصافًا صالحةً للتأثير في الحُكْم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه "، كتاب الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر، رقم (٦٢٤١)، وأخرجه مسلم في " صحيحه "، باب تحريم النظر في بيت غيره، رقم (٢١٥٦).
(٢) ينظر: (١١٨ - ١٢٤).
[ ٨٨ ]