العلاقة بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم
تقدَّم أن تنقيح المناط هو: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على التعليل بوصفٍ، فَيُحْذَف خصوصه عن الاعتبار، ويُناط الحُكْم بالمعنى الأعمِّ، أو يقترن بالحُكْم أوصافٌ مذكورةٌ في النصِّ لا مدخل لها في العِلِّية، فتُحْذَف عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي (١).
كما تقدَّم أن السَّبْر والتقسيم هو: حصر الأوصاف الموجودة في الأصل المقيس عليه، وإبطال ما لا يصلح منها للعِلِّية، فيتعين الباقي عِلَّةً (٢).
فهل يوجد فرقٌ بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم، وما العلاقة بينهما؟
اختلف الأصوليون في ذلك على ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: ذهب إلى أن تنقيح المناط يختصُّ بالأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ، أما السَّبْر والتقسيم فإنه يختصُّ بالأوصاف المستنبَطة الصالحة للعِلِّية، حيث لا يوجد نصٌّ يدل على مناط الحُكْم صراحةً أو إيماءً.
قال زكريا الأنصاري (٣):
"السَّبْر يجب فيه حصر الأوصاف الصالحة للعِلِّية، ثم إلغاؤها ما عدا ما ادُّعيَّ عِلِّيته، وتنقيح المناط بالمعنى المذكور إنما يُلاحَظ فيه الأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ" (٤).
وقال ابن العطَّار: " والفرق بين المسلك بهذا المعنى ومسلك السَّبْر: أن
_________________
(١) ينظر: (٧١).
(٢) ينظر: (١٠٣).
(٣) هو: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري المصري الشافعي، كان قاضيًا، ومفسِّرًا، ومن حفاظ الحديث، له تصانيف كثيرة، منها: غاية الوصول (ط) في أصول الفقه، ولب الأصول (ط) في أصول الفقه اختصره من جمع الجوامع، وحاشية على شرح المحلي على جمع الجوامع (ط)، وأسنى المطالب في شرح روض الطالب (ط) في الفقه، وغيرها، توفي بالقاهرة سنة (٩٢٦ هـ). ينظر في ترجمته: الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة (١/ ١٩٦)، الأعلام للزركلي (٣/ ٤٦ - ٤٧).
(٤) حاشية زكريا الأنصاري على شرح المحلي على جمع الجوامع: (٣/ ٣٩٢).
[ ١٣٣ ]
السَّبْر يجب فيه حصر الأوصاف الصالحة للعِلِّية ثم إلغاؤها ما عدا ما ادُّعيَّ عِلِّيته، وتنقيح المناط بالمعنى المذكور إنما يُلاحَظ فيه الأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ، وإن كان الحصر فيه أيضًا موجودٌ لكنه غير ملاحَظٍ فهو حاصلٌ غير مقصود، وحينئذٍ فلا يقال مع عدم الحصر لا يتأتَّى معرفة الصالح للعِلِّية من غيره حتى يُحذْفَ غير الصالح عن الاعتبار" (١).
الاتجاه الثاني: ذهب إلى أن تنقيح المناط لا يجب فيه تعيين العِلَّة، أما السَّبْر والتقسيم فلابد من تعيين الجامع، والاستدلال على العِلِّية.
وهذا مبنيٌّ على تعريف تنقيح المناط بأنه: الإلحاق بإلغاء الفارق، وذلك بأن يقال: هذا الحُكْم لابدَّ له من عِلَّة، وهي إما المشترك بين الأصل والفرع أو المختصُّ بالأصل، والثاني باطل؛ لأن الفارق ملغي، فيتعيَّن الأول، فيلزم ثبوت الحُكْم في الفرع لثبوت عِلِّيته فيه (٢).
قال ابن السبكي: " فإن قلت: هذه الطريقة بعينها هي طريقة السَّبْر والتقسيم، قلت: كذا قال الإمام، ولكن يمكن أن يُفرَّق بينهما بأن السَّبْر والتقسيم لابدَّ فيه من تعيين الجامع والاستدلال على العِلِّية، وأما هذا فلا يجب فيه تعيين العِلَّة، ولكن ضابطه أنه لا يحتاج إلى التعرُّض للعِلَّة الجامعة، بل يُتَعَرَّض للفارق، ويُعْلَم أنه لا فارق إلا كذا، ولا مدخل له في التأثير " (٣).
وقال الشوكاني: "وقد زعم الفخر الرازي أن هذا المسلك هو مسلك السَّبْر والتقسيم فلا يحسُنُ عدُّه نوعًا آخر، ورُدَّ عليه بأن بينهما فرقًا ظاهرًا، وذلك أن الحصر في دلالة السَّبْر والتقسيم لتعيين العِلَّة إما استقلالًا أو اعتبارًا، وفي تنقيح المناط لتعيين الفارق وإبطاله، لا لتعيين العِلَّة " (٤).
الاتجاه الثالث: ذهب إلى أن تنقيح المناط هو استخراج العِلَّة بطريق السَّبْر والتقسيم.
_________________
(١) حاشية ابن العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع: (٢/ ٣٣٧).
(٢) ينظر: (٦٥ - ٦٧).
(٣) الإبهاج: (٣/ ٨١).
(٤) إرشاد الفحول: (٢/ ٦٤١).
[ ١٣٤ ]
وهذا مبنيٌّ - أيضًا - على تعريفهم تنقيح المناط بأنه: الإلحاق بإلغاء الفارق، وذلك بأن يقال: هذا الحُكْم لابد له من مؤثِّر، وذلك المؤثِّر إما القدر المشترك بين الأصل والفرع، أو القدر الذي امتاز به الأصل عن الفرع، والثاني باطل؛ لأن الفارق ملغي، فثبت أن المشترك هو العِلَّة، فيلزم من حصوله في الفرع ثبوت الحُكْم (١).
قال الفخر الرازي: " فهذا طريقٌ جيد، إلا أنه استخراج العِلَّة بطريق السَّبْر؛ لأنَّا قلنا: حُكْم الأصل لابدَّ له من عِلَّة، وهي إما جهة الإشتراك أوجهة الامتياز، والثاني باطل، فتعيَّن الأول، وجهة الاشتراك حاصلةٌ في الفرع، فعِلَّة الحُكْم حاصلةٌ في الفرع، فيلزم تحقُّق الحُكْم في الفرع، فهذا هو طريقة السَّبْر والتقسيم من غير تفاوتٍ أصلًا " (٢).
أما الشيخ الأمين الشنقيطي فقد اعتبر النوع الثاني فقط من تنقيح المناط هو بعينه طريق السَّبْر والتقسيم (٣).
قال﵀-: "النوع الثاني من تنقيح المناط هو بعينه السَّبْر والتقسيم" (٤).
والنوع الثاني - كما تقدَّم (٥) هو: " أن يقترن بالحُكْم أوصافٌ مذكورةٌ في النصِّ لا مدخل لها في العِلِّية، فتُحْذَف عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي ".