تعريف تخريج المناط اصطلاحًا
تخريج المناط اصطلاحًا هو: استنباط عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه من غير تعرُّضٍ لبيان عِلَّته لا صراحةً ولا إيماءً (١).
ومثاله: قوله ﷺ: " لا تبيعوا البُرَّ بالبُرِّ إلا مثلًا بمثل" (٢)، فإن هذا النصَّ لم يتضمن ما يدلُّ على عِلَّة تحريم الرِّبا في البُرِّ لا صراحةً ولا إيماءً، فيُجْتَهَد في استنباط عِلَّة الحُكْم بالنظر والاجتهاد القائم على الدلائل الشرعيَّة، فيقال -مثلًا-: عِلَّة تحريم الرِّبا في البُرِّ الطعم، أو الاقتيات، أو الكيل، أو غير ذلك (٣).
وهذا المعنى تكاد تتفق عليه تعريفات الأصوليين، إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك في نوع المسلك أو الطريق الذي تُسْتَنْبَط به العِلَّة في تخريج المناط: هل يُقْتَصَرُ في " تخريج المناط " على استخراج العِلَّة بمسلك المناسبة، أو يشمل كلَّ مسالك العِلَّة الاجتهادية سواءً المناسبة، أو السَّبْر والتقسيم، أو الدوران؟
وحاصل أنظار الأصوليين في الاصطلاح على ذلك تتمثل في اتجاهين:
الاتجاه الأول: ذهب أصحابه إلى أن العِلَّة في تخريج المناط تُسْتَنْبَط بأي
_________________
(١) ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (٨٥)، المستصفى (٣/ ٤٩٠)، روضة الناظر (٣/ ٨٠٥)، الإحكام للآمدي (٣/ ٣٨٠)، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (٧/ ٣٠٤٦)، الإبهاج (٣/ ٨٣)، البحر المحيط للزركشي (٧/ ٣٢٤).
(٢) سبق تخريجه: (٤٩).
(٣) ينظر: المراجع السابقة.
[ ١٥٩ ]
مسلكٍ من مسالكها الاجتهادية المُعْتَبرة كالمناسبة (١)، أو السَّبْر التقسيم (٢)، أو الدوران (٣).
وقد ذهب إلى هذا الاصطلاح: العُكْبَري، والغزالي، وابن قدامة، والآمدي، والأصفهاني، والقرافي، وصفي الدين الهندي، والإسنوي، وابن الهمام الحنفي، وتعريفاتهم على النحو الآتي:
- عرَّفه العُكْبَري بقوله: " أن ينصَّ الشارعُ على حُكْمٍ في مَحَلٍّ، ولا يتعرَّض لمناطه أصلًا، فيُسْتَنْبَط بالرأي والنظر" (٤).
- وعرَّفه الغزالي بقوله: " أن يُحُكْم بتحريمٍ في محلٍّ - مثلًا - ولا يُذكر إلا الحُكْم والمحل، ولا يتعرَّض لمناط الحُكْم وعِلَّته، فيُسْتَنْبَط المناط بالرأي والنظر" (٥).
- وعرَّفه ابن قدامة بقوله: " أن يَنُصَّ الشارعُ على حُكْمٍ في محلٍّ ولا يتعرض لمناطه أصلًا، فيُسْتَنْبَط المناط بالرأي والنظر" (٦).
قال الأمين الشنقيطي: " وظاهر كلام المؤلِّف - أي: ابن قدامة - أن مراده بتخريج المناط هو استخراج العِلَّة بالاستنباط مطلقًا، فيدخل فيه السَّبْر والتقسيم، والدوران الوجودي والعدمي، مع المناسبة والإخالة " (٧).
- وعرَّفه الآمدي بأنه: " النظر والاجتهاد في إثبات عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه دون عِلَّته " (٨).
_________________
(١) ينظر في تعريف المناسبة وبيان حجيتها: (١٤٥ - ١٦٠).
(٢) ينظر في تعريف السَّبْر والتقسيم وبيان حجيته: (١٦٣ - ١٦٩).
(٣) ينظر في تعريف الدوران وبيان حجيته: (١٧٤ - ١٧٩).
(٤) رسالة في أصول الفقه: (٨٥ - ٨٦).
(٥) المستصفى: (٣/ ٤٩٠).
(٦) روضة الناظر: (٣/ ٨٠٥).
(٧) مذكرة أصول الفقه: (٣٨٢).
(٨) الإحكام: (٣/ ٣٨٠).
[ ١٦٠ ]
- وعرَّفه الأصفهاني (١) بأنه: " استخراج عِلَّةٍ معينةٍ مع الدلالة على عِلِّتها بطرقها المذكورة " (٢).
ويعني بـ" طرقها المذكورة ": مسالك العِلَّة الاجتهادية كالسَّبْر والتقسيم، والمناسبة، والدوران.
- وعرَّفه القرافي بأنه: " تعيين العِلَّة من أوصافٍ غير مذكورةٍ في نصِّ الحُكْم " (٣).
وظاهر التعريفات السابقة أن " تخريج المناط " - عند أصحاب هذا الاتجاه - يشمل استنباط العِلَّة بأي مسلكٍ من مسالكها الاجتهادية المُعْتَبرة، كالمناسبة، أو السَّبْر والتقسيم، أو الدوران.
- وعرَّفه صفي الدين الهندي بأنه: " الاجتهاد والنظر في إثبات أصل عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه من غير تعرُّضٍ لبيان عِلَّته لا بالصراحة ولا بالإيماء " (٤).
ولمَّا مثَّل على تخريج المناط باستنباط عِلَّة تحريم الرِّبا في البُرِّ والشعير قال: " .. لا يتصور قياس مطعومٍ بمطعوم؛ لاندراج الكلِّ تحت النصّ، أو الكيل أو الوزن، أو القوت أو صلاحية الادخار، لكن المجتهدين نظروا واجتهدوا في استنباط عِلَّته بالطرق العقلية من المناسبة وغيرها فاستنبطوا عِلَّته، وقال كلُّ واحدٍ منهم بعليِّة ما أدى إليه اجتهادُه" (٥).
وهذا نصٌّ صريحٌ في أن تخريج المناط - عند صفي الدين الهندي - يشمل استنباط العِلَّة بأي مسلكٍ من مسالكها الاجتهادية المُعْتَبرة، كالمناسبة، أو السَّبْر والتقسيم، أو الدوران.
- وعرَّفه الإسنوي بأنه: " استخراج عِلَّة معينةٍ للحُكْم ببعض الطرق المتقدِّمة كالمناسبة " (٦).
_________________
(١) هو أبو الثناء شمس الدين محمود بن عبدالرحمن بن أحمد الأصفهاني، كان عالمًا بالتفسير والأصول والتعقليات من مؤلفاته: بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب في الأصول (ط)، وشرح مطالع الأنوار للأرموي في المنطق، وغيرها، توفي بالقاهرة سنة (٧٤٩ هـ). ينظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (١٠/ ٣٩٤)، طبقات الشافعية للإسنوي (١/ ١٧٢)، والأعلام للزركلي (٧/ ١٧٦).
(٢) الكاشف عن المحصول: (٦/ ٤٣٥).
(٣) نفائس الأصول: (٧/ ٣٠٨٩)، شرح تنقيح الفصول: (٣٨٩).
(٤) نهاية الوصول: (٧/ ٣٠٤٦).
(٥) المرجع السابق: (٧/ ٣٠٤٧).
(٦) نهاية السول: (٤/ ١٤٢).
[ ١٦١ ]
ويعني بقوله: " ببعض الطرق المتقدمة ": مسالك العِلَّة الاجتهادية كالمناسبة - وقد ذكرها - والسَّبْر والتقسيم، والدوران.
وهذا - أيضًا - نصٌّ صريحٌ في أن تخريج المناط لا يقتصر على استنباط العِلَّة بمسلك المناسبة فقط، بل يشمل كلَّ المسالك الاجتهادية المُعْتَبرة.
ويتضح من خلال النظر في التعريفات السابقة لـ " تخريج المناط" أن تلك التعريفات وإن كانت مختلفةً في بعض ألفاظها إلا أنها متقاربةٌ في معانيها، فأصحاب هذا الاتجاه يعتبرون أن " تخريج المناط " هو: الاجتهاد في استنباط عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه دون عِلَّته، وذلك بأي مسلكٍ من مسالك العِلَّة الاجتهادية، كالمناسبة، أو السَّبْر والتقسيم، أو الدوران.
الاتجاه الثاني: ذهب أصحابه إلى أن تخريج المناط إنما يُطْلَقُ على استنباط العِلَّة بمسلك المناسبة دون غيره من المسالك الاجتهادية الأخرى.
وقد ذهب إلى هذا الاصطلاح: ابن الحاجب (١)، وابن السبكي (٢)، والزركشي (٣)، والمرداوي (٤)، وابن النجار الفتوحي (٥)، والشوكاني (٦)، وعبدالله الشنقيطي (٧)، ومحمد الأمين الشنقيطي (٨).
قال ابن الحاجب: " الرابع - أي: من مسالك العِلَّة -: المناسبة والإخالة، ويُسَمَّى تخريج المناط، وهو: تعيين العِلَّة بمجرد إبداء المناسبة من ذاته لا بنصٍّ ولا غيره " (٩).
_________________
(١) ينظر: مختصر ابن الحاجب (١/ ١٠٨٤).
(٢) ينظر: جمع الجوامع (٩١).
(٣) ينظر: البحر المحيط (٧/ ٢٦٢).
(٤) ينظر: التحبير شرح التحرير (٧/ ٣٣٦٨).
(٥) ينظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ١٥٢ - ١٥٣).
(٦) ينظر: إرشاد الفحول (٢/ ٦٢٥).
(٧) ينظر: نشر البنود (٢/ ١٧٠).
(٨) ينظر: نثر الورود (٤٦٩)، مذكرة أصول الفقه (٣٨٢).
(٩) مختصر ابن الحاجب: (١/ ١٠٨٤).
[ ١٦٢ ]
وقد اسْتُدْرِك على ابن الحاجب تسميته مسلك المناسبة بـ " تخريج المناط"؛ وذلك لأن المناسبة هي دليل العِلَّة، وشأن الدليل ثبوته في نفس الأمر من غير اعتبار نظر المُسْتَدِل فيه سابق الوجود عليه، أما تخريج المناط فهو فعل المُسْتَدِل (١).
وأجيب عن ذلك: بأن المناسبة دليل العِلَّة، وتخريج المناط إقامة الدليل، وكلٌّ من الدليل وإقامته يصح أن يُنْسَب إليه الثبوت المطلوب؛ لأن الدليل يثبت المطلوب بواسطة النظر، وإقامة الدليل الذي هو النظر فيه يثبت المطلوب، فهما كالشيء الواحد، فيصح إطلاق المسلك على كلٍّ منهما (٢).
والظاهر من كلام ابن الحاجب أن المُسمَّى بتخريج المناط هو تخريج المناسبة لا المناسبة نفسها، لأنه عرَّف تخريج المناط بأنه "تعيين العِلَّة. . . الخ"، وتعيين العِلَّةً هو فعل المجتهد، أما المسلك في نفسه فهو الملائمة والموافقة بين الوصف المُعَيَّن والحُكْم (٣).
ولهذا صرَّح ابن السبكي ومن تَبِعَهُ بأن تخريج المناط هو استخراج العِلَّة بمسلك المناسبة.
قال ابن السبكي: " الخامس - أي: من مسالك العِلَّة -: المناسبة والإخالة، ويُسمَّى استخراجها تخريج المناط، وهو: تعيين العِلَّة بإبداء مناسبةٍ مع الاقتران والسلامة عن القوادح " (٤).
وقد وصف المحلِّي طريقة ابن السبكي في إطلاق مُسَمَّى " تخريج المناط" على استخراج العِلَّة بمسلك المناسبة بأنها " أقعد " من طريقة ابن
_________________
(١) ينظر: الآيات البينات على شرح المحلي على جمع الجوامع (٤/ ١١٨)، سلم الوصول للمطيعي (٤/ ١٤٢)، نشر البنود (٢/ ١٧٠)، نبراس العقول (٢٧٦).
(٢) ينظر: الآيات البينات على شرح المحلي على جمع الجوامع (٤/ ١١٩)، نشر البنود (٢/ ١٧٠)، نثر الورود (٤٦٩).
(٣) ينظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٣٩)، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (٤/ ٣٣٠)، حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٢٧٣).
(٤) جمع الجوامع: (٩١).
[ ١٦٣ ]
الحاجب الذي أطلق المُسمَّى على المسلك نفسه (١).
ووجْهُ ذلك: أن المناسبة والإخالة معنيان قائمان بالوصف المناسب - وهو الملائمة والموافقة - فلا يناسبهما التسمية بتخريج المناط، ولا التعريف بتعيين العِلَّة؛ إذ التخريج والتعيين فعلان للمُسْتَدِل (٢).
وبهذا يتضح أن أصحاب الاتجاه الثاني يعتبرون تخريج المناط بأنه: الاجتهاد في استنباط عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه دون عِلَّته، وذلك بمسلك المناسبة دون غيره من المسالك الاجتهادية الأخرى.