أوجه الجمع والفرق بين أنواع الاجتهاد في المناط
تَقَدَّم أن أنواع الاجتهاد في المناط ثلاثة (١):
الأول: تنقيح المناط.
والثاني: تخريج المناط.
والثالث: تحقيق المناط.
وهذه الأنواع الثلاثة يوجد بينها قدرٌ مشتركٌ يجمعها، كما يوجد بينها اختلافٌ يُمَيِّزُ بعضها عن بعض، وقد اكتفى بعض الأصوليين في التفريق بينها بذكر حقيقة كلٍّ منها مع ضرب المثال الذي يوضِّح المراد، كلُّ ذلك على سبيل الإيجاز دون استطرادٍ أو تتبعٍ لوجوه الجمع والفرق بينها؛ لأنه لما ذُكِرَ " تنقيح المناط " ضمن مسالك العِلَّة ناسب في ذلك الموضع أن يُذْكَرَ " تخريج المناط " و" تحقيق المناط " كما جرت بذلك عادة الجدليين، فَنَبَّه الأصوليون على الفرق بينها بذكر حقيقة كلٍّ منها، وقد جرى ذلك بالقصد التابع لا بالقصد الأصلي.
ولهذا لما ذكر البيضاوي " تنقيح المناط " في المسلك التاسع ضمن الطرق الدالة على العِلِّية عرَّف السبكي " تنقيح المناط "، وضرب له أمثلةً توضِّح المراد منه ثم قال:
" فائدة: قد اقتصر المصنِّف على ذكر تنقيح المناط دون تحقيق المناط وتخريج المناط، ونحن لا نطيب قلبًا بإخلاء الشرح عن الكلام فيهما ليتحصَّل
_________________
(١) ينظر: (٤٥).
[ ٦٥ ]
التفرقة بينهما وبين تنقيح المناط " (١).
ولما ذكر صاحب " مراقي السعود " تنقيح المناط ضمن مسالك العِلَّة وأشار إلى تحقيق المناط، قال في " نشر البنود ": " وإنما ذكرته هنا جريًا على عادة أهل الجدل في قرانهم بين الثلاثة: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط." (٢).
ولكن لما أُفْرِدَ البحث - هنا - في أنواع الاجتهاد في المناط، واعتُبِرَ الموضوع مقصودًا بالأصالة اقتضى الحال استكمال النظر - قدر الإمكان - في أوجه الجمع والفرق بينها، مما يزيدها وضوحًا وتحريرًا من كلِّ وجه، وذلك من خلال مطلبين: