وقد ذهب إلى ذلك أكثر الأصوليين من المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢).
ودليلهم: أن ذلك يثير غَلَبَة الظنّ، وما كان كذلك يجب العمل به، أما بالنسبة إلى الناظِر فظاهر، وأما المناظِر فوجه كونه حُجَّةً عليه أنه يفيد الظنَّ ما لم يدفعه، وما يفيد الظنَّ يجب العمل به، فإن كان المناظِر مجتهدًا وجب عليه، وإن كان مقلِّدًا توجَّه الإلزامُ على من قلَّده (٣).
واعتُرِض عليه: بأن إفادة غَلَبَة الظنَّ بعِلِّيَّة هذا الوصف غير مُسَلَّمٍ؛ لأن من الأحكام ما لا يُعلَّل بدليل أن عِلِّيَّة العِلَّة غير مُعَلَّلَةً، وإذا ثبت أن من الأحكام ما لا يُعَلَّل فلا مانع أن يكون هذا الحُكْم من جملة ما لا يُعَلَّل، ولو سُلِّم كونه مُعَلَّلًا فلا نُسَلِّم الحصر، فيجوز أن يُكْوَن هناك وصفٌ لم يُذْكَر وهو العِلَّة، وبهذين الاحتمالين اللذين لا ينفكان عنه لا يفيد غَلَبَة الظن (٤).
_________________
(١) ينظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٣٦١ - ٣٣٦٣)، الإبهاج (٣/ ٧٧)، نهاية السول (٤/ ١٣٢ - ١٣٣)، الغيث الهامع (٣/ ٧١٠)، شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٢٧١)، شرح الكوكب المنير (٤/ ١٤٦)، إرشاد الفحول (٢/ ٦٢٣ - ٦٢٤)، نشر البنود (٢/ ١٦٧).
(٢) ينظر: المستصفى (٣/ ٦١٨)، المحصول (٥/ ٢١٨ - ٢٢٠)، شرح تنقيح الفصول (٣٩٨)، نهاية الوصول (٨/ ٣٣٦١)، الإبهاج (٣/ ٧٧)، نهاية السول (٤/ ١٣٣ - ١٣٤)، البحر المحيط للزركشي (٧/ ٢٨٦)، شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٢٧١)، شرح الكوكب المنير (٤/ ١٥٠)، إرشاد الفحول (٢/ ٦٢٤).
(٣) ينظر: المحصول (٢/ ٢١٩ - ٢٢٠)، نهاية الوصول (٨/ ٣٣٦٢)، الإبهاج (٣/ ٧٨)، البحر المحيط للزركشي (٧/ ٢٨٦)، شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٢٧١)، شرح الكوكب المنير (٤/ ١٤٦)، إرشاد الفحول (٢/ ٦٢٤).
(٤) ينظر: المحصول (٢/ ٢١٩ - ٢٢٠)، نهاية الوصول (٨/ ٣٣٦٣ - ٣٣٦٥)، الإبهاج (٣/ ٧٨)، نهاية السول (٤/ ١٣٥)
[ ٢٠٩ ]
وأجيب عنه: بأن الأدلة العقلية والسمعية دلَّت على أن أحكام الله تعالى مُعَلَّلَةً بالحِكَم والمصالح، وما اسْتُدِلَّ به من أن عِلِّيَّة العِلَّة غير مُعَلَّلَةٍ فيه نظرٌ من وجهين:
الأول: أن عِلِّيَّة العِلَّة ليست مما نحن فيه.
والثاني: أنها من الأمور الاعتبارية التي لا تُعَلَّلَ، وعلى تسليم أن منها ما لا يُعَلَّل فالغالب فيها التعليل، وحينئذٍ يكون احتمال كون هذا الحُكْم غير مُعْلَّلٍ مرجوحًا لا ينافي غَلَبَة الظن.
وأما احتمال أن هناك وصفًا آخر فلا يكون الحصر فيما ذُكِر صحيحًا فلا يمنع غَلَبَة الظن؛ لأن الحاصر إن كان ناظرًا فحصره فيما ذكره إنما كان بحسب ما أدَّى إليه نظره واجتهاده فيجب عليه أن يعمل به ولا يكابر نفسه، وإن كان مناظرًا وهو عدلٌ فيه أهلية النظر فيكفي أن يقول: بحثتُ فلم أجد غيرَ هذه الأوصاف، والأصلُ عدمُ ما سواها، فيندفع عنه منعُ الحصر، ويلزمُ المعترِضَ قبولُه، ويكون حُجَّةً عليه، فإن أبدى المعترِض وصفًا آخر لم يذكره المُسْتَدِل وجب على المُسْتَدِل إبطاله وإلا انقطع (١).