يُقَسِّم الأصوليون المناسب إلى أقسامٍ مختلفةٍ بحسب اعتباراتٍ عِدَّة (٣)، وأهم هذه التقسيمات ما كان بحسب اعتبار شهادة الشرع له بالملاءمة وعدمه؛ لأن هذا التقسيم يتبيَّن به ما يصلح للتعليل من الأوصاف باتفاق، وما هو مردودٌ باتفاق، وما هو مختلَفٌ فيه.
_________________
(١) ينظر: (١٥٤ - ١٦٠).
(٢) ينظر: شفاء الغليل (١٤٣)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٣٩)، البحر المحيط للزركشي (٥/ ٢٠٦)، شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٢٧٣)، شرح الكوكب المنير (٤/ ١٥٢)، إرشاد الفحول (٢/ ٨٩٦).
(٣) قسَّم الأصوليون المناسب باعتبار ذات المناسبة إلى: حقيقي وإقناعي، والحقيقي إلى: دنيوي وأخروي، والحقيقي الدنيوي إلى: ضروري، وحاجي، وتحسيني. وقسَّموا المناسب باعتبار مراتب إفضائه إلى المقصود من شرع الحكم إلى: ما يكون حصول المقصود منه يقينًا، أو ظنًا، أو يحتمل على السواء، أو يكون نفي الحصول أرجح، أو يكون فائتًا بالكلية. وقسَّموا المناسب باعتبار شهادة الشرع له بالملاءمة وعدمه إلى: ما عُلِم من الشارع اعتباره، وما عُلِم من الشارع إلغاؤه، وما لم يُعْلَم من الشارع إلغاؤه ولا اعتباره. وللأصوليين طرقٌ مختلفةٌ في ترتيب هذه الأقسام وتسمياتها تختلف باختلاف جهات النظر فيها. ينظر: المستصفى (٣/ ٦٢٠ - ٦٢٣)، المحصول (٥/ ١٥٩ - ١٦٧)، الإحكام للآمدي (٣/ ٣٤٠ - ٣٥٦)، شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٣٨٩ - ٣٩٤)، شرح تنقيح الفصول (٣٠٣ - ٣٠٦)، نهاية السول (٤/ ٨٠ - ١٠٣)، بيان المختصر للأصفهاني (٣/ ١١٤ - ١٣٠)، البحر المحيط للزركشي (٥/ ٢٠٨ - ٢٢٠)، شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٢٧٦ - ٢٨٥)، شرح الكوكب المنير (٤/ ١٥٩ - ١٧٧)، فواتح الرحموت (٢/ ٣١١ - ٣١٣)، إرشاد الفحول (٢/ ٩٠٠ - ٩٠٨).
[ ١٨٩ ]
وينقسم المناسب باعتبار شهادة الشرع له بالملائمة وعدمها إلى ثلاثة أقسام (١):
القسم الأول: ما عُلِمَ اعتبار الشرع له.
والمراد بالاعتبار: إيراد الحكم على وفق الوصف، لا التنصيص عليه، ولا
الإيماء إليه، ولا ثبوته بالإجماع، وإلا لم تكن العلة مستفادة من طريق المناسبة (٢).
ويُسمَّى هذا الوصف بـ: " المناسب الملائم "، وله أربعة أحوال (٣):
الحالة الأولى: أن يعتبر نوع الوصف في نوع الحكم، كقياس القتل بالمثقَّل على القتل بالجارح في وجوب القصاص، بجامع كونه قتلًا عمدًا عدوانًا، فإنه قد عُرِف تأثير خصوص كونه قتلًا عمدًا في خصوص الحكم، وهو وجوب القصاص في النفس في القتل بالمحدَّد.
الحالة الثانية: أن يُعتَبر نوع الوصف في جنس الحكم، كقياس تقديم الإخوة لأبوين على الإخوة لأب في النكاح على تقديمهم في الإرث، فإن الإخوة من الأب والأم نوعٌ واحدٌ في الصورتين، ولم يُعرَف تأثيره في التقديم في ولاية النكاح، ولكن عُرِف تأثيره في جنسه، وهو التقدم عليهم، فيما ثبت لكل واحدٍ منهم عند عدم الأمر، كما في الإرث.
الحالة الثالثة: أن يُعتَبر جنس الوصف في نوع الحكم، كقياس إسقاط القضاء عن الحائض، على إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين عن المسافر،
_________________
(١) ينظر: المحصول (٥/ ١٦٣ - ١٦٦)، الإحكام للآمدي (٣/ ٣٥٣ - ٣٥٦)، شرح تنقيح الفصول (٣٠٥ - ٣٠٦)، نهاية السول (٤/ ٩١ - ٩٦)، البحر المحيط للزركشي (٥/ ٢١٣ - ٢١٦)، شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٢٨٢ - ٢٨٥)، شرح الكوكب المنير (٤/ ١٧٣ - ١٧٧).
(٢) ينظر: شفاء الغليل (١٨٩)، نهاية السول (٤/ ٩٣ - ١٠٣)، البحر المحيط للزركشي (٥/ ٢١٤)، إرشاد الفحول (٢/ ٩٠٤)، نبراس العقول (١/ ٣١٣).
(٣) ينظر: المحصول (٥/ ١٦٣ - ١٦٦)، الإحكام للآمدي (٣/ ٣٥٣ - ٣٥٦)، شرح تنقيح الفصول (٣٠٥ - ٣٠٦)، نهاية السول (٤/ ٩١ - ٩٦)، البحر المحيط للزركشي (٥/ ٢١٤ - ٢١٥)، شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٢٨٢ - ٢٨٥)، شرح الكوكب المنير (٤/ ١٧٣ - ١٧٧).
[ ١٩٠ ]
بتعليل المشقة، والمشقة جنس، وإسقاط قضاء الصلاة نوعٌ واحد، ويُستعمَل على صنفين، إسقاط قضاء الكل، وإسقاط قضاء البعض.
الحالة الرابعة: اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم، وذلك كتعليل كون حدِّ الشرب ثمانين بأنه مَظِنَّة القذف؛ لكونه مَظِنَّة الافتراء، فوجب أن يُقام مقامه قياسًا على الخلوة فإنها لما كانت مَظِنَّة الوطء أُقيمت مقامه.
القسم الثاني: ما عُلِمَ إلغاء الشرع له.
والمقصود بالإلغاء: إيراد الأحكام على عَكْسِه (١).
ويُسمَّى هذا الوصف بـ: " المناسب المُلْغَى "، وفي تسميته بالمناسب تجوُّز؛ لأن المناسبة - هنا - متوهَمة، وقد شهد الشرع ببطلانها، فيُعَدُّ الوصفُ ساقطَ الاعتبار، ولا يصح تعليل الأحكام به (٢).
ومثاله: ما أفتى به يحيى الليثي (٣) أحدَ حكامِ الأندلس عندما سُئِل عن الكفارة المترتِّبة على إفطاره في نهار رمضان بالجماع عَمْدًا، فأفتاه بوجوب صوم شهرين متتابعين، فلما أُنِكر عليه حيث لم يأمره بإعتاق رقبةٍ مع اتساع مالِهِ قال: لو أمرته بذلك لسهل عليه واستحقر إعتاق رقبةٍ في جنب قضاء شهوته، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به (٤).
فهذا الوصف الذي علَّلَ به الليثي فتواه وصفٌ ملغي؛ لأن الشارع لم يعتبره، حيث لم يفرِّق في الحُكْم بين مَلِكٍ وغيره، بل أوجب الكفارة مُرَتَّبَةً، فذكر العِتْقَ أَوَّلًا ثم الصيام ثانيًا، فيكون تقديم الصوم على العِتْقِ على خلاف ما اعتبره الشارع، فيكون ساقطَ الاعتبار.
_________________
(١) ينظر: نهاية السول (٤/ ٩١)، نبراس العقول (١/ ٢٩٨).
(٢) ينظر: المحصول (٥/ ١٦٥)، الإحكام للآمدي (٣/ ٣٥٧)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٤٢)، نهاية السول (٤/ ٩١)، شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٢٨٤)، شرح الكوكب المنير (٤/ ١٧٩).
(٣) هو: يحيى بن يحيى بن كثير بن وِسْلاس الليثي البربري المصمودي الأندلسي المالكي، عالم الأندلس وفقيهها في عصره، وصاحب الدرجة العليا في الحديث، توفي سنة (٣٦٧ هـ). ينظر في ترجمته: الديباج المذهب (٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨)، شجرة النور الزكية (٦٣).
(٤) ينظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٣٥٧)، نهاية السول (٤/ ٩٢ - ٩٣)، بيان المختصر للأصفهاني (٣/ ١٣٠)، شرح المحلي على جمع الجوامع (١/ ٢٨٤)، شرح الكوكب المنير (٤/ ١٨٠).
[ ١٩١ ]
القسم الثالث: ما لم يُعْلَم من الشرع إلغاؤه ولا اعتباره.
والمراد بذلك: أن الوصف لم يشهد له دليلٌ معينٌ بالإلغاء أو الاعتبار، وهو- أي: الوصف - ملائمٌ لتصرفات الشارع في الجملة (١).
ويُسمَّى هذا الوصف بـ: "المناسب المرسل" (٢).
وهو دليلٌ مستقلٌّ خارجٌ عن قياس العِلَّة؛ لأن القياس لابدَّ له من أصلٍ معينٍ يشهد له الشارع بالإلغاء أو الاعتبار، بخلاف المصلحة المرسلة فإنها لا ترجع إلى أصلٍ معيَّنٍ ولكنها ترجع إلى أصلٍ كليٍّ عُلِمت ملائمته لتصرفات الشرع في الجملة (٣).
ومن أمثلته: اتخاذ السجون، وضرب النقود، وتدوين الدواوين، وتسجيل العقود، وتشكيل الوزارات التي ترعى مصالح المسلمين (٤).
وبهذا التقسيم للمناسب يتبين أن ما عُلِمَ من الشارع اعتباره فهو مقبولٌ ويصح التعليل به، وما عُلِمَ من الشارع إلغاؤه فهو مردودٌ ولا يصح التعليل به، وما لم يشهد له دليلٌ معينٌ بالإلغاء أو الاعتبار فهو من قبيل "المصالح المرسلة "، وسيأتي البحث في حجيته (٥).
وهذا التقسيم للمناسب إنما هو بحسب اعتبار الشارع له وعدمه، وإلا فإن أقسام المناسب بحسب درجاته لا تكاد تنحصر.
قال الغزالي: " ولا يمكن ضبط درجات المناسبة أصلًا، بل لكلِّ مسألةٍ ذوقٌ آخر ينبغي أن ينظر فيه المجتهد " (٦).
_________________
(١) ينظر: المستصفى (٣/ ٦٣٣)، المحصول (٥/ ١٦٧)، الإحكام للآمدي (٣/ ٣٥٧)، شرح تنقيح الفصول (٣٠٥ - ٣٠٦)، البحر المحيط للزركشي (٥/ ٢١٥ - ٢١٦)، شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٢٨٤)، إرشاد الفحول (٢/ ٩٠٦ - ٩٠٧).
(٢) ينظر: المراجع السابقة.
(٣) ينظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ١٧٠)
(٤) ينظر في أمثلة المصلحة المرسلة: الاعتصام للشاطبي (٦١٢ - ٦٢٥)، نشر البنود (٢/ ١٩٠ - ١٩١)، المصالح المرسلة للأمين الشنقيطي (٣٦).
(٥) ينظر: (٣٧٧ - ٣٨٠).
(٦) المستصفى: (٣/ ٦٣١ - ٦٣٢).
[ ١٩٢ ]
والأمر في ذلك يرجع إلى أنَّ من أجناس المناسب ما هو بعيد، ومنها ما هو أبعد، كما أنَّ منها القريب، ومنها ما هو أقرب، ومنها ما هو دون هذا وذاك، ولأجل ذلك تتفاوت درجات الظنِّ بحسب تفاوتها في القرب والبعد.
قال الغزالي: " للجنسية درجاتٌ متفاوتةٌ في القرب والبعد لا تنحصر، فلأجل ذلك تتفاوت درجات الظنّ، والأعلى مقدَّمٌ على الأسفل، والأقرب مقدَّمٌ على الأبعد في الجنسية، ولكلِّ مسألةٍ ذوقٌ مُفْرَدٌ ينظر فيه المجتهد، ومن حاول حصر هذه الأجناس في عددٍ وضبطٍ فقد كلَّفَ نفسه شططًا لا تتسع له قوة البشر" (١).