تعدَّدت واختلفت تعريفات الأصوليين للاجتهاد، وحاصل ذلك التعدد والاختلاف يرجع - غالبًا - إلى اختلافهم في نوع المجتهَد فيه: هل يشمل القطعيات والظينات أو ينحصر في الظينات دون القطعيات؟
فالقائلون بأنه يشمل القطعي والظني عرَّفوا الاجتهاد وقيدوه بما يفيد العلم الذي هو: مُطْلَق الإدراك الشامل للقطع والظن؛ باعتبار أن الأحكام الثابتة بالاجتهاد منها ما هو قطعي، ومنها ما هو ظنِّي.
ومن تلك التعريفات:
- تعريف الغزالي، وهو: " بَذْلُ المجتهدِ وُسْعَهُ في طلب العلم بأحكام الشرع " (١).
- وتعريف ابن قدامة (٢)، وهو: " بذل المجهود في العلم بأحكام الشرع" (٣).
- وتعريف علاء الدين البخاري (٤) وهو: " بذل المجهود في طلب
العلم بأحكام الشرع " (٥).
وقد نصَّ بعض العلماء - من أصحاب هذا الاتجاه - في تعريف " الاجتهاد " على قيد " القطع " و"الظن"، وهو تصريحٌ منهم بدخول الأحكام القطعية والظنية في التعريف.
_________________
(١) المستصفى: (٤/ ٤).
(٢) هو: أبو محمد موفق الدين عبدالله بن أحمد بن قدامة الجمَّاعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، كان فقيهًا وَرِعًا زاهدًا، من أئمة المذهب الحنبلي في زمانه، من مؤلفاته: المغني (ط)، والكافي (ط)، والعدة (ط) في الفقه، وروضة الناظر (ط) في أصول الفقه، وغيرها، توفي في دمشق سنة (٦٢٠ هـ). ينظر ترجمته في: ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ١٣٣)، شذرات الذهب (٧/ ١٥٥)، الأعلام للزركلي (٤/ ٦٧).
(٣) روضة الناظر: (٣/ ٩٥٩).
(٤) هو: عبدالعزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين البخاري، فقيهٌ حنفي، أصوليُّ، من مؤلفاته: كشف الأسرار شرح فيه أصول البزدوي (ط)، وغاية التحقيق شرح فيه أصول الأخسيكثي (ط)، توفي سنة (٧٣٠ هـ). ينظر ترجمته في: الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية (١/ ٣١٧)، تاج التراجم في طبقات الحنفية لابن قطلوبغا، (٣٥)، الأعلام للزركلي (٤/ ١٣).
(٥) كشف الأسرار: (٤/ ٢٦).
[ ٣١ ]
ومن تلك التعريفات:
- تعريف الشاطبي (١)،
وهو: " استفراغ الوسع لتحصيل العلم أو الظنِّ بالحُكْم " (٢).
- وتعريف ابن الهمام الحنفي (٣)، وهو: " بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حُكْمٍ شرعيٍّ عقليًا كان أو نقليًا قطعيًا كان أو ظنيًا " (٤).
بينما بعض العلماء أطلق العبارة، ولم ينصّ في تعريف"الاجتهاد "على قيد "القطع" أو "الظن"، وهو إطلاقٌ قد يفيد -ظاهرًا- دخول الأحكام القطعية والظنية في التعريف.
ومن تلك التعريفات:
- تعريف البيضاوي (٥)، وهو: "استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية" (٦).
أما القائلون بأن الاجتهاد محلُّه الظينات لا القطعيات، فقد عرَّفوا الاجتهاد وقيَّدوه بما لا يلحق المجتهد فيه لومٌ مع استفراغ الوسع فيه أو بما يفيد الظن؛ وذلك باعتبار أن الأحكام الثابتة بالاجتهاد ظنيةٌ غالبًا.
ومن تلك التعريفات:
- تعريف الرازي (٧)، وهو: "استفراغ الوسع في النظر فيما لايلحقه فيه لومٌ مع استفراغ الوسع فيه" (٨).
حيث قال -بعد أن ساق التعريف-: "وهذا سبيل مسائل الفروع، ولذلك تُسمَّى هذه المسائل مسائل الاجتهاد، والناظر فيها مجتهدًا" (٩).
- وتعريف الآمدي (١٠)، وهو: "استفراغ الوسع في طلب الظنِّ بشيءٍ من الأحكام الشرعيَّة على وجهٍ يُحِسُّ من النفس العجزَ عن المزيد" (١١).
_________________
(١) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي، الشاطبي، عالمٌ مجتهدٌ أصولي، من أئمة المالكية في زمانه، من مؤلفاته: الموافقات في أصول الشريعة (ط)، والاعتصام (ط) في ذم البدع، والإفادات والإنشادات (ط)، وغيرها، توفي سنة (٧٩٠ هـ). ينظر ترجمته في: دُرَّةْ الحِجَال (١/ ١٨٢) نيل الابتهاج (١/ ٣٣)، الأعلام للزركلي (١/ ٧٥).
(٢) الموافقات: (٥/ ٥١).
(٣) هو: محمد بن عبدالواحد بن عبدالحميد بن مسعود السيواس ثم الإسكندري، كمال الدين، المعروف بابن الهمام، من فقهاء الحنفية، من مؤلفاته: التحرير في أصول الفقه (ط)، وفتح القدير (ط) في الفقه، وزاد الفقير (ط) في الفقه، توفي سنة (٨٦١ هـ). ينظر ترجمته في: الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية (٢/ ٨٦)، الفوائد البهية (١٨٠)، الأعلام للزركلي (٦/ ٢٥٥).
(٤) التحرير في أصول الفقه مع شرحه التيسير: (٤/ ١٧٨).
(٥) هو: عبدالله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي الشافعي، فقيهٌ أصوليٌّ متكلمٌ مفسِّر، من كبار فقهاء الشافعية، من مؤلفاته: منهاج الوصول (ط) في أصول الفقه، أنوار التنزيل (ط) في التفسير، وغيرهما، توفي سنة (٦٩١ هـ). ينظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ١٥٧)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ٢٧٢)، الأعلام للزركلي (٤/ ١١٠).
(٦) منهاج الوصول: (٢٤٧).
(٧) هو: أبو عبدالله محمد بن عمر بن الحق بن الحسين التميمي البكري، فخر الدين الرازي، ويقال له: ابن خطيب الرّي، قرشي النسب، عالمٌ باللغة والفقه والأصول والتفسير، شافعي المذهب، من مؤلفاته: المحصول في الأصول (ط)، والمعالم في الأصول (ط)، ومفاتيح الغيب (ط) في التفسير، وغيرها، توفي بهراة سنة (٦٠٦ هـ). ينظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى (٨/ ٨١)، شذرات الذهب (٧/ ٤٠)، الأعلام للزركلي (٦/ ٣١٣).
(٨) المحصول: (٦/ ٦).
(٩) المرجع السابق.
(١٠) هو: أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي، سيف الدين، الآمدي، من كبار الأصوليين المتكلمين، كان حنبليًا ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، من مؤلفاته: الإحكام في أصول الأحكام (ط)، والمبين في شرح معاني الحكماء والمتكلمين (ط)، توفي بدمشق سنة (٦٣١ هـ). ينظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ٣٠٦)، طبقات الشافعية للإسنوي (١/ ١٣٧)، الأعلام للزركلي (٤/ ٣٣٢).
(١١) الإحكام: (٤/ ١٩٧).
[ ٣٢ ]
- وتعريف ابن الحاجب (١)،
وهو: " استفراغُ الفقيه الوسع لتحصيل ظنِّ بحُكْمٍ شرعي" (٢).
- وتعريف تاج الدِّين ابن السبكي (٣)، وهو: " استفراغُ الفقيه الوُسْعَ لتحصيل ظنٍّ بحُكْمٍ " (٤).
- وتعريف الزركشي (٥)، وهو: " بَذْلُ الوُسْعِ في نيل حُكْمٍ شرعيٍّ عمليٍّ بطريق الاستنباط " (٦).
التعريف المختار:
التعريف الذي أحسبه جامعًا مانعًا - كما سيظهر في شرحه وبيان محترزاته - هو تعريف ابن الحاجب، وهو أن الاجتهاد:
" استفراغُ الفقيه الوُسْعَ لتحصيل ظنٍّ بحُكْمٍ شرعي" (٧)، وفيما يأتي شرحٌ للتعريف، وبيانٌ لأهم محترزاته.
شرحُ التعريف وبيانُ محترزاته:
قوله: " استفراغ الفقيه الوسع " معناه: بذل تمام الطاقة بحيث يُحِسُّ من نفسه العجزَ عن المزيد عليه (٨).
واحتُرِزَ به عن اجتهاد المُقَصِّر في اجتهاده مع إمكان الزيادة عليه؛ فإنه لا يُعدُّ في اصطلاح الأصوليين اجتهادًا معتبرًا (٩).
واستفراغ الفقيه قد يتعلق بالوسع، وقد يتعلق بغير الوسع، فقيد " الوسع" يخرج استفراغ الفقيه غير الوسع (١٠).
_________________
(١) هو: عثمان بن عمر بن أبي بكر، جمال الدين، أبو عمر الكردي، المالكي، إمامٌ في الأصول والفقه والعربية والقراءات، من مؤلفاته: منتهى الوصول والأمل (ط) في الأصول، ومختصره (ط)، والكافية في النحو (ط)، توفي سنة (٦٤٦ هـ). ينظر ترجمته في: الديباج المذهب (٢/ ٨٦)، غاية النهاية في طبقات القراء (١/ ٥٠٨)، الأعلام للزركلي (٤/ ٢١١).
(٢) مختصر ابن الحاجب: (٢/ ١٢٠٤).
(٣) هو: عبدالوهاب تاج الدِّين بن تقي الدِّين علي بن عبدالكافي الأنصاري السبكي، الشافعي، الأصولي، الفقيه، أبو نصر، انتهى إليه القضاء بالشام، من مؤلفاته: جمع الجوامع في أصول الفقه (ط) اعتنى بشرحه العلماء، ومنع الموانع (ط) تعليق على جمع الجوامع، وطبقات الشافعية الكبرى (ط)، وغيرها، توفي بدمشق سنة (٧٧١ هـ). ينظر ترجمته في: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ١٠٤)، الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٥)، الأعلام للزركلي (٤/ ١٨٤).
(٤) جمع الجوامع: (١١٨).
(٥) هو: محمد بن بهادر بن عبدالله الزركشي، أبو عبدالله، بدر الدين، فقيهٌ شافعي، عالمٌ بالأصول، تركي الأصل، مصري المولد والوفاة، من مؤلفاته: البحر المحيط (ط) في أصول الفقه، وإعلام الساجد بأحكام المساجد (ط)، والمنثور في القواعد (ط)، توفي سنة (٧٩٤ هـ). ينظر ترجمته في: الدرر الكامنة (٣/ ٣٩٧)، شذرات الذهب (٨/ ٥٧٢)، الأعلام للزركلي (٦/ ٦٠).
(٦) البحر المحيط: (٨/ ٢٢٧).
(٧) مختصر ابن الحاجب: (٢/ ١٢٠٤).
(٨) ينظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٨٩).
(٩) ينظر: الإحكام للآمدي (٤/ ١٩٨)، إرشاد الفحول (٢/ ٧١٥).
(١٠) ينظر: بيان المختصر للأصفهاني (٣/ ٢٨٨).
[ ٣٣ ]
واستفراغ الوسع كالجنس؛ لأنه قد يكون من الفقيه، وقد يكون من غيره، فقيد " الفقيه " يخرج استفراغ غير الفقيه (١).
و" الفقيه ": احتراز عن المقلِّد؛ فإنه لا يُسَمَّى مجتهدًا (٢).
والمراد بـ " الفقيه " هنا: المتهيئ للفقه، الممارِس له، وليس المراد من يحفظ الفروع الفقهية فقط دون القدرة على الاستنباط والاستدلال (٣).
ولم يَقُلْ في التعريف: " استفراغ المجتهد الوسع "؛ لأنه يلزم منه التسلسل، إذ تكون معرفة الاجتهاد متوقفةً على المجتهد، ومعرفة المجتهد متوقفةٌ على الاجتهاد (٤).
وقوله: " لتحصيل ظنٍّ بحُكْمٍ ": قيدٌ مهمٌ في التعريف يحصر محلَّ الاجتهاد في الظنيات دون القطعيات؛ إذ لا اجتهاد فيها؛ لأنها تستند إلى أدلةٍ قطعية الثبوت والدلالة، فلا تحتاج إلى استفراغ الوسع لدركها، كالأحكام المعلومة من الدِّين بالضرورة (٥).
وقوله: " لتحصيل ظنٍّ بحُكْمٍ شرعي ": احترازٌ عن استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظنٍّ بحُكْمٍ عقليٍّ أو حسيٍّ أو لغوي؛ فإنه لا يُسْمَّى مَنْ بَذَلَ وسْعَهُ في تحصيلها " مجتهدًا " اصطلاحًا؛ لأن الكلام هنا يقتصر على الاجتهاد في الشرعيات دون غيرها (٦).
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق (٣/ ٢٨٨).
(٢) ينظر: رفع الحاجب (٤/ ٥٢٩).
(٣) ينظر: حاشية السعد التفتازاني على شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٨٩)، فواتح الرحموت (٢/ ٤٠٤)، حاشية البناني على شرح المحلى لجمع الجوامع (٢/ ٥٨٧).
(٤) ينظر: مسلم الثبوت وشرحه مع المستصفى (٢/ ٣٦٢).
(٥) ينظر: بيان المختصر (٣/ ٢٨٩)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٨٩).
(٦) ينظر: بيان المختصر (٣/ ٢٨٩)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٩٠)، البحر المحيط (٨/ ٢٢٧)، إرشاد الفحول (٢/ ٧١٦).
[ ٣٤ ]