السَّبْر والتقسيم لقبٌ مركبٌ من جزأين يُطلق في اصطلاح الأصوليين على مسلكٍ خاصٍّ من مسالك العِلَّة، وهو: حصر الأوصاف الموجودة في الأصل المقيس عليه، وإبطال ما لا يصلح منها للعِلِّية، فيتعين الباقي عِلَّةً (١).
وسُمِّي هذا المسلك بالسَّبْر وحَدْه، وبالتقسيم وحَدْه، وبالسَّبْر والتقسيم مركَّبًا عند أكثر الأصوليين (٢).
فالسَّبْر والتقسيم - كما هو ظاهرٌ من التعريف - يشتمل على أمرين (٣):
أحدهما: حصر الأوصاف الموجودة في الأصل المحتمِلة للتعليل، وهو المُعبَّر عنه بـ " التقسيم ".
وثانيهما: اختبار الأوصاف واحدًا واحدًا في صلاحيته للتعليل به، وإبطال ما لا يصلح منها للتعليل، فيتعين الوصف الباقي للعِلِّية، وهو المُعبَّر عنه بـ" السَّبْر".
قال الجويني: " إن الناظر يبحث عن معانٍ مجتمعةٍ في الأصل، ويتتبعها واحدًا واحدًا، ويبيِّن خروج آحادها عن صلاح التعليل به إلا واحدًا يراه ويرضاه" (٤).
ومثاله: أن يقول المجتهد: إن تحريم بيع البُرِّ بالبُرِّ متفاضلًا ثبت لعِلَّة،
_________________
(١) ينظر: المستصفى (٣/ ٦١٨)، المحصول (٥/ ٢١٨)، الإحكام للآمدي (٣/ ٣٣٣)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٣٦)، البحر المحيط للزركشي (٧/ ٢٨٤)، شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٢٧٠)، تيسير التحرير (٤/ ٤٦)، شرح الكوكب المنير (٤/ ١٤٢)، إرشاد الفحول (٢/ ٦٢٣).
(٢) ينظر: الضياء اللامع (٢/ ٣٥١)، شرح الكوكب المنير (٤/ ١٤٢)، نشر البنود (٢/ ١٥٩)، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (٤٠٠).
(٣) ينظر: شرح تنقيح الفصول (٣٩٨)، نهاية الوصول (٨/ ٣٣٦١)، الإبهاج (٣/ ٧٧)، نهاية السول (٤/ ١٢٩)، شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٢٧٠)، تيسير التحرير (٤/ ٤٦)، إرشاد الفحول (٢/ ٦٢٣)، نثر الورود (٢/ ٤٨٥).
(٤) البرهان: (٢/ ٥٣٤).
[ ١٣٠ ]
وهذه العِلَّة إما أن تكون " الكيل" أو " الطُّعْم" أو " القوت "، ثم يختبر تلك الأوصاف ويُبطل ما لا يصلح أن يكون عِلَّةً، والباقي من الأوصاف يتعين عِلَّةً للحُكْم، فيبطل - مثلًا - " القوت " و" الكيل " فلا يبقى إلا " الطُّعم " فيكون عِلَّةً للحُكْم، أو يبطل - مثلًا - " الطُّعم "، و" الكيل " فلا يبقى إلا " القوت " فيكون عِلَّةً للحُكْم (١).
ورغم أن " التقسيم " متقدمٌ في الترتيب الخارجي على " السَّبْر" إلا أنه في اصطلاح الأصوليين كما هو ظاهرٌ في لقب المسلك قُدِّم " السَّبْر" على " التقسيم "؛ لأن " السَّبْر" هو المقصد الأهم في الدلالة على العِلِّية، و" التقسيم " يُعْتَبر وسيلةً إليه، والعادة تقديم الأهمِّ على غيره، والمقصد على الوسيلة (٢).
قال الطُّوفي: " ولو حملنا قولهم: " السَّبْر والتقسيم " على معنى سَبْر العِلَّة بتقسيم الأوصاف لعاد إلى ما قاله - أي: القرافي - إذ ذلك يفيد أن التقسيم سببٌ للسَّبْر " (٣).
أو يُقال: إن السَّبْر وإن تأخر عن التقسيم فهو متقدِّم عليه أيضًا؛ لأنه أولًا يَسْبُر المحلَّ هل فيه أوصافٌ أم لا ثم يقسِّم، ثم يَسْبُر ثانيًا، فقُدِّم " السَّبْر" في اللفظ باعتبار السَّبْر الأول (٤).
_________________
(١) ينظر: المستصفى (٣/ ٦١٨)، المحصول (٥/ ٢١٧)، الإبهاج (٤/ ١٣٤)، نهاية السول (٤/ ١٣٤)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٣٦)، شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٢٧٠)، شرح الكوكب المنير (٤/ ١٤٤)، إرشاد الفحول (٦٢٣).
(٢) ينظر: نفائس الأصول (٨/ ٣٥٢٤)، شرح تنقيح الفصول (٣٩٨)، شرح الكوكب المنير (٤/ ١٤٣)، نشر البنود (٢/ ١٦٤ - ١٦٥)، نبراس العقول (٣٦٩).
(٣) شرح مختصر الروضة (٣/ ٤١١).
(٤) ينظر: تشنيف المسامع (٣/ ٢٧٥ - ٢٧٦)، الغيث الهامع (٣/ ٧٠٩)، حاشية زكريا الأنصاري على شرح جمع الجوامع (٣/ ٣٤٤)، شرح الكوكب المنير (٤/ ١٤٣)، نشر البنود (٢/ ١٦٤).
[ ١٣١ ]