وهو: استنباط عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماع عليه من غير تعرُّضٍ لبيان عِلَّته لا صراحةً ولا إيماءً (٢).
ومثاله: قوله ﷺ: " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبُرّ بالبرّ والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح مِثْلًا بِمِثْل" (٣).
فإن هذا النصَّ لم يتضمَّن ما يدل على عِلَّة تحريم الرِّبا في هذه الأصناف المذكورة لا صراحةً ولا إيماءً، فيُجْتَهَد في استنباط عِلَّة الحُكْم بمسلكٍ من مسالك العِلَّة المُسْتَنْبَطَة (٤).
ولا يستدعي المقام - هنا - الإسهاب والتفصيل؛ لأني أفردت كل نوعٍ من أنواع الاجتهاد في المناط ببابٍ مستقِلٍّ يشتمل على تعريفه، وصوره، وأمثلته، والمسائل المتعلِّقة به (٥).
_________________
(١) ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (٨٥)، المستصفي (٣/ ٤٨٨ - ٤٨٩) روضة الناظر (٣/ ٨٠٤)، الإحكام للآمدي (٣/ ٣٨٠)، شرح تنقيح الفصول (٣٨٩) تيسير التحرير (٤/ ٤٢)، شرح الكوكب المنير (٤/ ١٣١).
(٢) ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (٨٥)، المستصفى (٣/ ٤٩٠)، روضة الناظر (٣/ ٨٠٥)، الإحكام للآمدي (٣/ ٣٨٠)، شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٢٤٢)، شرح تنقيح الفصول (٣٨٩)، الإبهاج في شرح المنهاج (٦/ ٢٤٠١)، نهاية السول (٤/ ١٤٢)، شرح المحلى على جمع الجوامع (٢/ ٢٧٣)، البحر المحيط للزركشي (٧/ ٣٢٤)، تيسير التحرير (٤/ ٤٣)، شرح الكوكب المنير (٤/ ٢٠٢).
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه "، كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق، رقم (١٥٨٦)، وأخرجه البيهقي في " سننه " رقم (١٠٢٦١)، بلفظ " لا تبيعوا البر بالبر إلا مثلًا بمثل "، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " (٤/ ٧٦) بلفظ " لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا الملح بالملح إلا مثلًا بمثل .. ".
(٤) ينظر: الابهاج في شرح المنهاج (٦/ ٢٤٠١ - ٢٤٠٢).
(٥) ينظر: (٥٨ - ٢٨٣).
[ ٥٩ ]
أما بخصوص ترتيب الأنواع الثلاثة للاجتهاد في المناط فالطريقة التي سلكها عامة الأصوليين في ترتيبها على النحو الآتي (١):
أولًا: تحقيق المناط.
وثانيًا: تنقيح المناط.
وثالثًا: تخريج المناط.
وربما يرجع هذا الترتيب عند عامة الأصوليين إلى درجة الخلاف في كلِّ نوع، حيث قُدِّم ذكر النوع الذي لا خلاف فيه وهو " تحقيق المناط " بالمعنى الذي تكون فيه القاعدة الكلية متفقًا أو منصوصًا عليها، أو كانت العِلَّة فيه معلومةً بنصٍّ أو إجماع، ويُجْتَهد في إثبات وجودها في الفرع.
ولذلك لما ذُكِرَ "تحقيقً المناط" في الترتيب أولًا قال العُكْبَري: " لا نعرف في جوازه خلافًا " (٢).
وقال الغزالي: " " أما الاجتهاد في تحقيق مناط الحُكْم فلا نعرف خلافًا من الأُمَّة في جوازه " (٣).
وقال الآمدي: " ولا نعرف خلافًا في صحة الاحتجاج بتحقيق المناط إذا كانت العِلَّة فيه معلومةً بنصٍّ أو إجماع، وإنما الخلاف فيه فيما إذا كان مُدْرَك معرفتها الاستنباط " (٤).
ولما أُتْبِع ثانيًا بذكر النوع الذي أقرَّ به أكثر المنكرين للقياس، وهو" تنقيح المناط" قال الغزالي: " وهذا - أيضًا - يُقِرُّ به أكثرُ منكري القياس " (٥).
_________________
(١) ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (٨٠)، المستصفى (٣/ ٤٨٥)، روضة الناظر (٣/ ٨٠١)، الإحكام للآمدي (٣/ ٣٧٩)، شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٢٣٣)، التحبير شرح التحرير (٧/ ٣٤٥١)، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (٣٠٦ - ٣٠٩).
(٢) رسالة في أصول الفقه: (٨١).
(٣) المستصفى: (٣/ ٤٨٥).
(٤) الإحكام: (٣/ ٣٨٠).
(٥) المستصفى: (٣/ ٤٨٨).
[ ٦٠ ]
وقال الآمدي: "وهذا النوع وإن أقرَّ به أكثر منكري القياس فهو دون الأول" (١).
وقال الطُّوفي: "أكثر منكري القياس استعملوا هذا النوع من الاجتهاد في العِلَّة الشرعيَّة " (٢).
ولمَّا أُتْبِع ثالثًا بذكر النوع الذي عَظُمَ فيه الخلاف، وهو " تخريج المناط " قال الغزالي: " فهذا هو الاجتهاد القياسي الذي عَظَمُ الخلاف فيه " (٣).
وقال الآمدي: " وهذا في الرتبة دون النوعين الأَوَلَيْن " (٤).
وبعد التأمل والنظر في ترتيب أنواع الاجتهاد في المناط ظهر لي أن ترتيبها بحسب أسبقيتها على بعضٍ بالنسبة لعمل المجتهد أَوْلَى - في هذا البحث - من ترتيبها بحسب درجة الخلاف في كلِّ نوع، على أن يكون ترتيبها وفق الآتي:
أولًا: تنقيح المناط.
وثانيًا: تخريج المناط.
وثالثًا: تحقيق المناط.
ووجه تقديم تنقيح المناط على تخريجه: أن العِلَلَ من حيث طريقة ثبوتها إما منصوصةٌ أو مستنبطةٌ، فإن كانت منصوصةً واقترن بها من الأوصاف ما لا يصلح للتعليل فالنظر فيها يتعلَّق بتنقيح المناط.
وإن كانت مُسْتَنْبَطَةً فالنظر فيها يتعلق بتخريج المناط، والعِلَلُ المنصوصة تُقَدَّمُ على العلل المُسْتَنْبَطَة كما هو مُقَرَّرٌ في ترتيب العِلِل، فناسب حِينئذٍ تقديم تنقيح المناط على تخريجه.
أما وجه تأخير تحقيق المناط عن تنقيحه وتخريجه: فلأِن القياس مبنيٌّ على مقدمتين:
_________________
(١) الإحكام: (٣/ ٣٨٠).
(٢) شرح مختصر الروضة: (٣/ ٢٤١).
(٣) المستصفى: (٣/ ٤٩١).
(٤) الإحكام: (٣/ ٣٨١).
[ ٦١ ]
الأولى: إثبات العِلَّة في حُكْم الأصل، وهي إما منصوصةٌ اقترن بها من النصوص ما لا يصْلُح لِلْعِلِّية فيتعلَّق النظر فيها بتنقيح المناط، أو مُسْتَنْبّطَةٌ فيتعلَّق النظر فيها بتخريج المناط.
الثانية: إثبات وجود عِلَّةِ الأصل في الفرع، وهو تحقيق المناط.
ولا ريب أن ثبوت المقدمة الثانية يستلزم ثبوت المقدمة الأولى، وهو ما يقتضي أن تكون متأخرةً عنها، فناسب تأخير تحقيق المناط عن تنقيحه وتخريجه.
أما إذا كان تحقيق المناط بالمعنى الذي تكون فيه القاعدة الكلية متفقًا أو منصوصًا عليها، ويُجْتَهد في إثبات وجودها في بعض الجزئيات والصور، فهو نوع اجتهادٍ لا يُحْتَاجُ فيه إلى تنقيح المناط ولا تخريجه، وحينئذٍ لا يُتَصَوَّر بينه وبين تنقيح المناط أو تخريجه تقديمٌ ولا تأخير.
ولهذا قال الغزالي: " وهذا لا خلاف فيه بين الأُمَّة، وهو نوع اجتهاد، والقياس مختَلفٌ فيه " (١).
وقال ابن قدامة: " وأما النوع الأول فليس ذلك قياسًا، فإن هذا مُتَفَقٌ عليه، والقياس مُخْتَلَفٌ فيه " (٢).
_________________
(١) المستصفى: (٣/ ٤٨٧).
(٢) روضة الناظر: (٣/ ٨٠٢ - ٨٠٣).
[ ٦٢ ]
المبحث الرابع
أوجه الجمع والفرق بين أنواع الاجتهاد في المناط
ويشتمل على ثلاثة مطلبين:
المطلب الأول: أوجه الجمع بين أنواع الاجتهاد في المناط.
المطلب الثاني: أوجه الفرق بين أنواع الاجتهاد في المناط.
[ ٦٣ ]