من خلال تأمل اتجاهات الأصوليين في بيان العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق تبين لي الآتي:
أولًا: إذا عمَّمنا النظر في إلغاء الفارق عند أصحاب الاتجاه الأول بحيث يشمل ما إذا تعينت العِلَّة بعد الإلغاء أو لم تتعين يكون تنقيح المناط عندهم أعمّ منه عند أصحاب الاتجاه الثاني؛ وذلك لأن تنقيح المناط عند أصحاب الاتجاه الثاني لابدَّ فيه من تعيين العِلَّة، والذي يظهر من تعريف أصحاب الاتجاه الأول لتنقيح المناط أنه غير مقيدٍ بتعيين العِلَّة أو عدمه، فيكون إلغاء الفارق أعمّ من تنقيح المناط عند أصحاب الاتجاه الثاني الذين يغايرون بينهما (٤).
ثانيًا: اعتبر أصحاب الاتجاه الثاني الذين يُفرِّقون بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق أن المقصود الأصلي المنظور إليه في إلغاء الفارق هو بيان أن الوصف الفارق بين الأصل والفرع لا تأثير له فيلزم اشتراكهما في الحُكْم، إلا
_________________
(١) ينظر: نشر البنود (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٧). عبدالله الشنقيطي هو: عبدالله بن إبراهيم العلوي الشنقيطي، فقيهٌ مالكي، تجرَّد أربعين سنة لطلب العلم في الصحاري والمدن، وأقام بفاس، ثم حج وعاد إلى بلاده شنقيط، من مؤلفاته: مراقي السعود (ط) نظمٌ في أصول الفقه، ونشر البنود على مراقي السعود (ط)، وغيرهما، توفي بشنقيط سنة (١٢٣٥ هـ). ينظر ترجمته في: الوسيط في تراجم أدباء شنقيط (٣٨)، الأعلام للزركلي (٤/ ٦٥).
(٢) ينظر: نثر الورود (٢/ ٥٢٣ - ٥٢٤)، مذكرة أصول الفقه (٣٩٠).
(٣) شرح مختصر الروضة (٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥).
(٤) ينظر: الإبهاج (٣/ ٨١)، شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، حاشية ابن العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٣٨)، سلم الوصول للمطيعي (٤/ ١٣٩ - ١٤١)، نبراس العقول (٣٨٤).
[ ١٢١ ]
أنه بالتأمل يلزم عن ذلك تبعًا حذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عِلِّيته صراحةً أو إيماءً، وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمّ الذي هو أحد صور تنقيح المناط كما سبق (١)، فإلحاق الأَمَة بالعبد في السراية بناءً على إلغاء الوصف الفارق وهو أن العبد مُذَكَّرٌ وأن الأَمَة مؤنَّثٌ يلزم عنه حذف خصوصية الوصف وهو الذكورة في العبد، وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمّ وهو العبودية، ولكن ذلك غير منظورٍ إليه بالقصد الأصلي عند أصحاب الاتجاه الثاني؛ لأن المقصود - عندهم - هو إلغاء تأثير الوصف الفارق في الحُكْم ليس إلا، ولا ينفي ذلك حصول الجمع بين الصورتين، ولكن بالقصد الثاني (٢).
قال صفي الدين الهندي: " تُعْلَم العِلَّة لنفي ما عداها عن درجة الاعتبار باستقراء أحكام الشرع، فيحصل نفي الفارق بين الصورتين بالقصد الأول، ويحصل الجمع بينهما بالقصد الثاني" (٣).
أما أصحاب الاتجاه الثالث الذين يُعتبرون إلغاء الفارق من أقسام تنقيح المناط فإنهم نظروا إلى أن إلغاء الفارق طريقٌ إلى حذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عِلِّيته صراحةً أو إيماءً وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمِّ، ولذلك قسَّموا تنقيح المناط إلى قسمين كما سبق (٤)، قسمٌ يكون فيه تنقيح المناط بإلغاء الفارق، وقسمٌ يكون فيه تنقيح المناط بالحذف والتعيين (٥).
فمن نظر إلى أن المقصود من إلغاء الفارق هو إلغاء الوصف الفارق بين الأصل والفرع ببيان أنه لا أثر له في الحُكْم، وليس فيه تعيينٌ للعِلَّة، فرَّق بناءً على ذلك بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق.
_________________
(١) ينظر: (٦٤).
(٢) ينظر: شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، حاشية ابن العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٣٨)، سلم الوصول للمطيعي (٤/ ١٣٩ - ١٤١)، نشر البنود (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، نثر الورود (٢/ ٥٢٣ - ٥٢٤).
(٣) نهاية الوصول: (٧/ ٣١٧٩).
(٤) ينظر: (٦٤ - ٦٥).
(٥) ينظر: نشر البنود (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، نثر الورود (٢/ ٥٢٣ - ٥٢٤)، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (٣٩٠).
[ ١٢٢ ]
ومن نظر إلى أن إلغاء الفارق طريقٌ إلى حذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عِلِّيته، وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعم، اعتبر إلغاء الفارق من أقسام تنقيح المناط.
ثالثًا: الذي يفرِّقون بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق بناءً على تعيين العِلَّة وعدمه لا ينفون عن إلغاء الفارق تصوُّر المعنى الجامع على الإجمال.
قال الغزالي: " وهذا يدلُّك على أن هذا الطريق وإن كان راجعًا إلى التعرُّض للفارق فليس يخلو عن توسُّم المعنى الجامع على إجمالٍ من غير تفصيل " (١).
ولذلك استدلَّ القرافي على حجية تنقيح المناط باعتباره اجتهادًا في إلغاء الفارق بين الأصل والفرع فقال: "الأصل في كلِّ مِثْلَيْن أن يكون حكمهما واحدًا، فإذا استوى صورتان ولم يوجد بينهما فارقٌ فالظن القوي القريب من القطع أنهما مستويان في الحُكْم. . . فوجب كونه دليلًا على عِلِّية المشترك على سبيل الإجمال وإن كنا لا نُعيِّنَه، بل نجزم بأن ما اشتركا فيه هو موجب العِلَّة" (٢).
وقال الزركشي: "فإنه -أي: نفي الفارق- لا يدل على أن الوصف المعين عِلَّةٌ، وإنما يدل على أن عِلَّة الأصل من حيث الجملة مُتَحَقِّقةٌ في الفرع من غير تعيين" (٣).
بل إن الغزالي يُعِتبر توسُّم المعنى المشترك على سبيل الإجمال ذلك شرطًا في جواز الإلحاق بإلغاء الفارق دون تحديد المناط أوتعيينه.
قال -﵀-: "اعلم أن حذف تأثير الفارق وإن جوَّزنا الإلحاق به دون تنقيح المناط واستنباط العِلَّة وتعيينها، ولكن الحقّ فيه أن ذلك لا يُتجاسر عليه
_________________
(١) أساس القياس: (٦٩).
(٢) شرح تنقيح الفصول: (٣٩٩).
(٣) البحر المحيط: (٧/ ٣٢٦).
[ ١٢٣ ]
إلا بعد استنشاق رائحة المعنى الذي هو مناط الحُكْم، وإن لم يُطلَّع بَعْدُ على تحديدْه أو تعيينه " (١).
ولهذا المعنى عَدَّ ابن السبكي " إلغاء الفارق " ضمن مسالك العِلَّة، وذكر أنه يرجع إلى ضرب شبه؛ لأنه يحصل به ظن العِلِّية في الجملة (٢).
وإذا كان "إلغاء الفارق "لا يخلو من وجود معنىً جامعٍ مجملٍ بخلاف "تنقيح المناط" الذي لابد فيه من تعيين المعنى الجامع، فقد قيَّد الغزالي المواضع التي يُحْذَف فيها تأثير الفارق، ويجوز الإلحاق به دون تنقيح المناط واستنباط العِلَّة وتعيينها، حيث قال: "والطريق الأول الذي هو التعرُّض للفارق ونفيه ينتظم: حيث لم تُعْرف عِلَّة الحُكْم، بل ينتظم في حُكْمٍ لا يُعَلَّل، وينتظم حيث عُرِف أنه مُعَلَّل، لكن لم تتعين العِلَّة، فإنا نقول: الزبيب في معنى التمر في الرِّبا قبل أن يتعين -عندنا- عِلَّة الرِّبا أنه الطعم أو الكيل أو القوت، وينتظم حيث ظهر أصل العِلَّة وتعيَّن -أيضًا- ولكن لم تتلخَّص بَعْدُ أوصافه، ولم تتحرَّر بَعْدُ قيوده وحدوده" (٣).