وَأما أَدِلَّة الْقَائِل بتصويب الْمُجْتَهدين فقد ذكر القَاضِي طرقا فِي الدَّلِيل وَقد تأملتها فَرَأَيْت بَعْضهَا يفْتَقر فِي الثُّبُوت الى بعض وَكلهَا فِي التَّحْقِيق اركان دلَالَة وَاحِدَة فَرَأَيْت ان اركب مِنْهَا دلَالَة واستقصي فِيهَا وُجُوه الْكَلَام على السَّبِيل الَّتِي اشبعها القَاضِي فَنَقُول لمخالفينا
الْحق الَّذِي ادعيتم اتحاده عِنْد الله تَعَالَى لَا يخلون اما ان تزعموا انا
[ ٤٧ ]
كلفنا العثور عَلَيْهِ واما ان تزعموا انه لم يتَعَلَّق بِهِ حكم تَكْلِيف فان زعمتم انا لم نكلف العثور عَلَيْهِ فوجوده وَعَدَمه فِي حق الْمُكَلف بِمَثَابَة وَاحِدَة اذ لَيْسَ هُوَ حَقًا عَلَيْهِ وَهَذَا الْقسم مِمَّا لَا يَقُول الْخصم بِهِ فَلَا فَائِدَة فِي طلب الاطناب فِيهِ
فان زَعَمُوا ان الَّذِي هُوَ حق عِنْد الله تَعَالَى قد كلفنا العثور عَلَيْهِ وَالْعَمَل بِمُوجبِه وَهُوَ مَذْهَب الْقَوْم فَهَذَا بَاطِل لاصلين نمهدهما
احدهما اجماع الْمُسلمين قاطبة على ان كل مُجْتَهد مَأْمُور بِالْعَمَلِ على قَضِيَّة اجْتِهَاده فان غلب على ظن اُحْدُ الْمُجْتَهدين فِي وَاقعَة الْحل وَغلب على ظن الاخر التَّحْرِيم فَلَا يسوغ للْمحرمِ الاخذ بِغَيْر مُوجب اجْتِهَاده وَلَو حاد عَنهُ عصى وانتسب الى الماثم فاذا تقرر باطلاق الْأمة كَون كل مُجْتَهد مؤاخذ بِالْعَمَلِ بقضية اجْتِهَاده فَلَا يخلون اما ان يكون مَا عمل بِهِ حَقًا عِنْد الله تَعَالَى واما ان لَا يكون كَذَلِك فان كَانَ حَقًا عِنْد الله تَعَالَى فَهُوَ الَّذِي يلتمسه وَيجب على هَذَا الاصل كَون كل مُجْتَهد من الْمُجْتَهدين مصيبا
[ ٤٨ ]
وان زَعَمُوا انه يجب عَلَيْهِ الْعَمَل ظَاهرا وَيجوز ان يكون مَنْهِيّا عَنهُ عِنْد الله تَعَالَى فَهَذَا بَاب من الْجَهَالَة لَا يرضى الْمُحَقِّقُونَ سلوكه فان الامة اجمعت على ان كل مُجْتَهد مَأْمُور بِالْعَمَلِ بقضية اجْتِهَاده حَتَّى لَو مَال عَن ذَلِك انتسب الى المأثم وان تغير اجْتِهَاده فِي الثَّانِي فَكيف تجمع الامة على وجوب مَا يجوز كَونه مَنْهِيّا عَنهُ وَهل هُوَ الا التَّنَاقُض الَّذِي ادعوهُ علينا فِي صدر شبههم فَهَذَا تمهيد اُحْدُ الاصلين
وَأما الاصل الثَّانِي فَهُوَ ان نقُول اذا قدرتم وُرُود الْعَمَل بِمُوجب الِاجْتِهَاد حكما هُوَ الْحق فَلَا يخلون اما ان تزعموا انه مِمَّا يعلم والى الْعلم بِهِ سَبِيل وَهُوَ نصب عَلَيْهِ دَلِيل واما ان تَقولُوا هُوَ مِمَّا امرنا بِالْعلمِ بِهِ وَلَا دَلِيل يُؤَدِّي اليه واما ان تَقولُوا مَا كلفنا الْعلم بِهِ اصلا
فان زعمتم انا كلفنا الْعلم بِهِ واليه صَار مُعظم الْمُخَالفين وَزَعَمُوا ان عَلَيْهِ ادلة مَنْصُوبَة لَو تمسك بهَا النَّاظر لافضت بِهِ اليه فَهَذَا بَاطِل من اوجه
اقربها ان الادلة فِي المجتهدات الْحكمِيَّة مضبوطة الاوصاف وَلَيْسَت تَقْتَضِي علما لذواتها بِخِلَاف ادلة الْعُقُول فانها لَو اقْتَضَت علما لذواتها
[ ٤٩ ]
لاقتضته من غير نصب وَقد استقصينا القَوْل فِي ذَلِك فِي احكام الْقيَاس فاذا بَطل تنزلها منزلَة الادلة الْعَقْلِيَّة فِي اقتضائها الْعلم لذواتها دلّ على انها انما نصبت امارات شرعا ثمَّ نعلم انها فِي قَضِيَّة الشَّرْع لَيست مِمَّا يقطع بهَا اذ مِنْهَا خبر الْوَاحِد وَلَا يسوغ الْقطع بنقله وَمِنْهَا طرق الاقيسة وَلَا يسوغ ايضا الْقطع باصابة المستنبط لَهَا على مَنْهَج اصل مخالفينا فانا يَسْتَقِيم كَونهَا مفضية الى الْعلم مَعَ التشكك والاسترابة فِي اصولها وَهَذَا مَا لَا جَوَاب عَنهُ فَبَطل من هَذَا الْوَجْه مَا ادعوهُ من انا كلفنا الْعلم بِالْحَقِّ وَنصب عَلَيْهِ الدَّلِيل المفضي اليه
وَمِمَّا يبطل ادِّعَاء الْعلم مَا ذكره القَاضِي من ان الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ من التَّابِعين مَا زَالُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد وكل مِنْهُم يزْعم ان كل مُجْتَهد مُتبع لاجتهاده وَلَا يسوغ لَهُ الاضراب عَنهُ وَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُم لَا يقطع بِأَن الَّذِي تمسك بِهِ هُوَ الْحق وَالْكل مدعوون اليه فان لم يصل اليه فقد أَخطَأ الْحق وَأكْثر مَا كَانَ يَدعِيهِ الْمُجْتَهد مِنْهُم غَلَبَة الظَّن وترجيح الامارات واما الْقطع فَلم يصر اليه اُحْدُ مِنْهُم وَكَذَلِكَ كل علم
[ ٥٠ ]
مَقْطُوع بِهِ فَثَبت بذلك ثبوتا وَاضحا انْتِفَاء الْعلم فِي المجتهدات اذ لَو كُنَّا كلفنا اصابته لما ذهب عَنهُ من فرطنا وَلَو ذَهَبُوا عَنهُ كَانُوا متفقين على خلاف الْحق وَلَا تَجْتَمِع الامة على ضلاله وَالَّذِي يُحَقّق لَك مَا ذكرنَا ان احدا مَا كَانَ يؤثم اصحابه بالعدول عَن الْحق فَلَو كَانَ كَانَ الْوُصُول الى الْحق متصورا وَهُوَ وَاجِب ولكان من مَال عَنهُ وحاد عَن نَصبه تَارِكًا لواجب يقدر على الْوُصُول اليه فَلَمَّا لم يؤثم بعض الصَّحَابَة بَعْضًا فِي المجتهدات وَكَذَلِكَ عُلَمَاء عصرنا لَا يؤثم بَعضهم بَعْضًا فِي المجتهدات على انهم قَالُوا من حكم الْوَاجِب ان يَعْصِي الْمُكَلف بِتَرْكِهِ وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك ان النَّاس لما افْتَرَقُوا فِيمَا يَلِيق بالديانات دعوا للحق طَوْعًا اَوْ كرها اَوْ قهرا وَذَلِكَ نَحْو مُخَالفَة الْخَوَارِج
[ ٥١ ]
وخروجهم على الامام الْحق الى غير ذَلِك فَهَذَا عقد الدّلَالَة على الَّذين قَالُوا انا كلفنا فِي المجتهدات الْعلم وَنصب لنا عَلَيْهِ الدَّلِيل
فان قَالُوا انا كلفنا الْعلم وَلم ينصب عَلَيْهِ دَلِيل يُوصل اليه المتمسك بِهِ فَهَذَا خرق لاجماع الامة وَذَلِكَ انهم اجْمَعُوا على ان الْمُكَلف انما يُكَلف الْعلم فِيمَا يتَصَوَّر فِيهِ الِاسْتِدْلَال المفضي الى الْعلم على ان ارباب التَّحْقِيق قَالُوا فِي احكام النّظر ان الْعلم يَنْقَسِم الى الضَّرُورِيّ والكسبي فاما الضَّرُورِيّ فَلَا يفْتَقر فِي حُصُوله الى دَلِيل وَلكنه يحصل من فعل الله تَعَالَى بدءا غير مَقْدُور للْعَبد وَمَا هَذَا سَبيله لَا يجوز ان يتَعَلَّق التَّكْلِيف بِهِ اذ التَّكْلِيف انما يتَعَلَّق بِمَا يدْخل تَحت الْمَقْدُور فاما الكسبي من الْعُلُوم فَلَا يسوغ حُصُوله مَقْدُورًا الا ان يكون مدلولا اذ لَو لم نقل ذَلِك ادى الى بطلَان ارتباط النّظر بِالْعلمِ وَهَذَا مِمَّا يستقصي فِي غير هَذَا الْفَنّ على انه مجمع عَلَيْهِ من الْقَوْم فَبَطل بِمَا ذَكرْنَاهُ اجْمَعْ تَقْدِير علم فِي الْوَاقِعَة سوى الَّذِي يعلم فِي ظَاهر الامر وَتبين ان الْحق مَا يُؤَدِّي اليه اجْتِهَاد كل مُجْتَهد
وَقد وَجه المخالفون على اصل وَاحِد مِمَّا ذكرنَا اسئلة وَالدّلَالَة
[ ٥٢ ]
تستقل دون ذَلِك الاصل وَذَلِكَ انهم سألونا اسئلة فِي تمسكنا فِي ان الصَّحَابَة لم يؤثم بَعضهم بَعْضًا وَنحن نذكرها ونتفصى عَنْهَا ان شَاءَ الله تَعَالَى على انا لَا نحتاج الى هَذَا الاصل فِي عقد الدّلَالَة وَفِيمَا عداهُ غنية وَلَكِن لَا يتَوَجَّه عَلَيْهِ شَيْء من اسئلة الْخصم
فمما سَأَلُوهُ ان قَالُوا بِمَ تنكرون على من يزْعم ان بَعضهم كَانَ يؤثم بَعْضًا فَلم ادعيتم الاجماع فِي ذَلِك وَمَا دليلكم عَلَيْهِ
وَالْجَوَاب عَن ذَلِك من وَجْهَيْن
احدهما ان نعلم قطعا ان ائمة الصَّحَابَة كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِي الْمسَائِل ثمَّ يعظم بَعضهم بَعْضًا وَلَا يستجيز اطلاق اللِّسَان فِي اصحابه بل تَنْزِيه عَن كل شين على انهم كَانُوا لَا يعصون على مَا لَا يجوز الاعصاء عَلَيْهِ كَيفَ وَقد كَانُوا يوجبون على كل مُجْتَهد ان يُؤْخَذ بِمُوجب اجْتِهَاده وَهَذَا ثَابت قطعا فِي مذاهبهم ومذاهب اهل عصرنا فانى يَسْتَقِيم مَعَ ذَلِك الحكم بالتأثيم
ثمَّ نقُول ان بعد عَلَيْكُم امْر الصَّحَابَة فاجماع اهل الْعَصْر يغنيكم فان احدا مِنْهُم لَا يؤثم الْعلمَاء فِي المجتهدات بل يسوغ لكل مُجْتَهد ان يتبع اجْتِهَاده بعد ان لَا يألوا جهدا
[ ٥٣ ]
فان قَالُوا قد اشْتهر عَن اصحاب الرَّسُول ﵇ التناكر والتغليظ فِي القَوْل فِي المجتهدات واشتهر ايضا عَنْهُم الانتساب الى الْخَطَأ ونسبته فمما رُوِيَ فِي ذَلِك مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ انه قَالَ فِي تَوْرِيث الْجد مَعَ الاخ الا يَتَّقِي الله زيد بن ثَابت يَجْعَل ابْن الابْن ابْنا وَلَا يَجْعَل اب الاب ابا وَقَالَ فِي الْعَوْل من شَاءَ باهلته وَالَّذِي احصى رمل عالج عددا لم يَجْعَل فِي المَال نصفا وثلثين // أخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك
[ ٥٤ ]
والمباهلة هِيَ الْمُلَاعنَة من قَوْله نبتهل أَي نلتعن وَرُوِيَ عَن عَليّ بن ابي طَالب ﵁ انه قَالَ فِي قصَّة الْمَرْأَة الَّتِي ارسل اليها عمر بن الْخطاب ﵁ رَسُولا يَنْهَاهَا عَن الْفُجُور وَكَانَت ترتقي سلما فاجهضت جَنِينهَا لما بلغتهَا الرسَالَة فاشار بعض الصَّحَابَة على عمر ﵁ بأنك مؤدب فَلَا غرم عَلَيْك فَقَالَ عَليّ ﵁ عِنْد ذَلِك ان اجتهدوا فقد اخطأوا وان لم يجتهدوا فقد غشوك ارى عَلَيْك الدِّيَة وَهَذَا تَصْرِيح من عَليّ ﵁ بتخطئتهم
[ ٥٥ ]
وَبَاعَ زيد بن ارقم عبدا لَهُ بيع الْعينَة فَقَالَت عَائِشَة ﵂ الا اخبروا زيد بن أَرقم انه ابطل جهاده مَعَ رَسُول الله ﷺ ان لم يتب
وَنهى عمر بن الْخطاب عَن المغالاة فِي الْمهْر وَهُوَ يخْطب فَقَامَتْ اليه امْرَأَة فَقَالَت مَالك تحجر علينا فِي خيرة الله فَقَالَ عمر صدقت وكل النَّاس افقه من عمر // أخرجه ابْن عبد الْبر فِي جَامع بَيَان الْعلم وفضله فاعترف على نَفسه بالْخَطَأ
واشتهر عَن الصَّحَابَة فِي المجتهدات تَسْمِيَة الْخَطَأ على انفسهم
[ ٥٦ ]
فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ فِي كثير مِنْهَا ان اصبت فَمن الله وان أَخْطَأت فَمن نَفسِي // أخرجه البهقي وَقَالَ ابْن مَسْعُود فِي قصَّة بروع بنت واشق إِن اصبت فَمن الل وان اخطأت فَمن الشَّيْطَان // أخرجه أَبُو دَاوُد وَهَذَا الْقَبِيل قد اشْتهر عَنْهُم اشتهارابين وَلَا معنى للخطأ فِي المجتهدات مَعَ القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين فَهَذَا مَا تمسكوا بِهِ من الاثار
واول مَا نفاتحهم بِهِ ان نقُول كَيفَ يَسْتَقِيم مِنْكُم حمل عادات الصَّحَابَة وشيمهم على حلاف مَا اجْمَعْ عَلَيْهِ اهل الْعَصْر وَقد اجْمَعْ اهل الْعَصْر قاطبة على ان مسَائِل الِاجْتِهَاد لَا يجْرِي فِيهَا التأثيم وانما
[ ٥٧ ]
يجْرِي التأثيم فِي ان يُخَالف الرجل مُوجب اجْتِهَاده وَكَيف يسوغ مَعَ هَذَا الاجماع ان يَقع التاثيم فِي الصَّحَابَة مَعَ تنزههم عَمَّا يشينهم ويحطهم عَمَّا فَضلهمْ الله بِهِ فَتعين بعد ذَلِك عَلَيْهِم وعلينا تتبع مَا ذَكرُوهُ من الاثار بالتأويل وَالَّذِي يُوضح ذَلِك ان مَا نقلوا فِيهِ تَغْلِيظ القَوْل مُخْتَلف فِيهِ وَقد اتّفق اهل الْعَصْر على انه لَا يجْرِي فِيهِ التَّغْلِيظ مَعَ كَونه مُخْتَلفا فِيهِ
وَمِمَّا ذكر فِيهِ التَّغْلِيظ بيع الْعينَة وَقد اتّفق الْمُسلمُونَ على انه من بَاعَ على الْوَجْه الْمُخْتَلف فِيهِ لَا يحبط جهاده مَعَ الرَّسُول ﷺ وَمِمَّا يُؤثر فِيهِ التَّغْلِيظ مسَائِل الْجد اذ رُوِيَ عَن عَليّ ﵁ انه قَالَ من اراد ان يقتحم جراثيم جَهَنَّم فَلْيَتَكَلَّمْ فِي الْجد بِرَأْيهِ وَهَذَا مَتْرُوك الظَّاهِر من وَجْهَيْن
احدهما ان التَّكَلُّم فِي الْجد لابد مِنْهُ
[ ٥٨ ]
وَالثَّانِي ان الْخلاف فِيهِ لَا يحل مَحل تقحم الجراثيم فقد انْدفع عَنَّا مَا ادعوهُ من التأثيم احتجاجا اذ قد بَينا افتقار الْخصم الى التَّأْوِيل وازالة الظَّاهِر ثمَّ الْكَلَام على مَا ذَكرُوهُ من الاثار من اوجه
احدها ان نقُول انها احاد وَلَا تكَاد ان تبلغ مبلغ الْقطع وَالَّذِي تمسكنا بِهِ من اجماع اهل الْعَصْر فِي ترك التأثيم واجماع الصَّحَابَة قَطْعِيّ لَا ريب فِيهِ
وَالْوَجْه الثَّانِي من الْكَلَام ان نقُول ان صَحَّ التأثيم وتغليظ القَوْل فِي بعض هَذِه الصُّور فَذَلِك لَان المغلظ المؤثم اعْتقد ان الَّذِي جرى الْكَلَام فِيهِ لَيْسَ من المجتهدات وحسبه من القطعيات وَلذَلِك غلظ القَوْل والامر على خلاف مَا قدروه فاما الَّذين يتفقون على كَونه مُجْتَهدا فَيجْمَعُونَ على ترك التأثيم فِيهِ
فان قَالُوا فَكيف حسب ابْن عَبَّاس مَسْأَلَة الْعَوْل قَطْعِيَّة
قُلْنَا فلسنا نضمن عصمَة ابْن عَبَّاس وَلَا عصمَة من هُوَ اجل مِنْهُ من اصحابه وغرضنا من مساق هَذَا الْكَلَام ان نصرف التَّغْلِيظ عَن المجتهدات فتدبره
[ ٥٩ ]
فاما مَا تمسكوا بِهِ من الاثار المنطوية على الانتساب الى الْخَطَأ وَالنِّسْبَة اليه فَلَيْسَ يَلِيق بِمَا اصلناه من كفهم عَن التأثيم وَلَكِن تمسكوا بِهِ بدءا
فَنَقُول لَا معتصم فِيهَا فانها آحَاد وَهِي مَعَ ذَلِك عرضة للتأويل
واما مَا تعلقوا بِهِ من النَّقْل من قَول بَعضهم إِن أَخْطَأت فَمن نَفسِي فَمَعْنَاه ان أَخْطَأت نصا لم يبلغنِي وَلَيْسَ الْمَعْنى بِهِ الْخَطَأ فِيمَا كلف
وَمَا رُوِيَ عَن عمر ﵁ من الِاعْتِرَاف بالْخَطَأ فِي المغالات فِي الْمهْر فَهُوَ على وَجهه فان ظَاهر نَهْيه ﵁ فِي خلال الْخطْبَة على مَلأ من الصَّحَابَة ينبىء عَن الزّجر والردع وَفِيه الافضاءالى تَحْرِيم الْمُبَاح مَعَ مهابة عمر ﵁ فِي الْقُلُوب فَلَمَّا صدر مِنْهُ النَّهْي الْمُطلق رأى استدراكه وَالِاعْتِرَاف على نَفسه
وَمَا رُوِيَ عَن عَليّ ﵁ فَهُوَ بصدد التَّأْوِيل ايضا فانه قَالَ ان اجتهدوا فقد اخطأوا مَعْنَاهُ فقد أخطأوا وَجه الرَّأْي الَّذِي أبديته ورأيته وَلَيْسَ الْمَعْنى أَنهم أخطأوا مَا كلفوا فَهَذَا وَجه مَا تمسكوا بِهِ من الاثار وَقد تحررت الدّلَالَة الَّتِي عضدناها
[ ٦٠ ]
والاولى عندنَا إِذا خضنا فِي الِاسْتِدْلَال ان نقسم الْكَلَام على قسمَيْنِ فَنَقُول
تصويب الْمُجْتَهدين عنْدك مِمَّا يَسْتَحِيل الْمصير اليه عقلا اَوْ هُوَ مِمَّا يمْتَنع شرعا فان قَالَ هُوَ مِمَّا يَسْتَحِيل عقلا فقد ألحق جَائِزا بالمحالات فان الَّذِي صَار اليه المصوبون لَو قدر وُرُود الشَّرْع بِهِ لم يسْتَحل فان الرب تَعَالَى لَو قَالَ آيَات أحكامي على الْمُكَلّفين غلبات ظنهم فَمن غلب على ظَنّه شَيْء فَالْعَمَل بِمُوجبِه حكمي عَلَيْهِ فَهَذَا لَا يعد من المستحيلات
فان عَادوا وتمسكوا فِي تَحْقِيق الاستحالة بِمَا ادعوهُ من طرق المناقضات فَالْجَوَاب عَنْهَا هَين على مَا سبق
وان زَعَمُوا ان ذَلِك لَا يَسْتَحِيل عقلا وانما يمْتَنع سمعا فنقيم عَلَيْهِم الدّلَالَة الَّتِي سبقت حِينَئِذٍ وانما رَأينَا هَذَا التَّقْسِيم لَان الْمُخَالفين يتسرعون الى ادِّعَاء اسْتِحَالَة تصويب الْمُجْتَهدين عقلا حَتَّى اذا سلكوا هَذَا الْمنْهَج هان الْكَلَام عَلَيْهِم وان ردوا الامر الى الشَّرْع تمسكنا بِالدّلَالَةِ السَّابِقَة نَحْو الْكَلَام على الْقَائِلين بِأَن الْمُجْتَهد مَأْمُور بالعثور على الْحق وان الْمُصِيب من الْمُجْتَهدين وَاحِد
وَبَقِي الْكَلَام علينا فِي ثَلَاثَة فُصُول
[ ٦١ ]
احدها فِي الرَّد على من قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب فِي اجْتِهَاده
وَالثَّانِي تَفْصِيل القَوْل فِي الاشبه
وَالثَّالِث القَوْل بالتخيير اذا قُلْنَا بتصويب الْمُجْتَهدين عِنْد تقَابل الامارات