وَهل ينْتَصب قَوْله حجَّة وَذكر الِاخْتِلَاف فِيهِ
اخْتلف الْعلمَاء فِي قَول الصَّحَابِيّ الْمُجْتَهد فَذهب الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم الى انه حجَّة يجب على الْمُجْتَهدين من اهل سَائِر الاعصار التَّمَسُّك بِهِ ثمَّ قَالَ لَهُم انما يكون حجَّة اذا لم تخْتَلف الصَّحَابَة وَلَكِن نقل قَول وَاحِد عَن وَاحِد وَلم يظْهر خلاف فَيكون حِينَئِذٍ حجَّة وان لم ينتشر
وَقَالَ فِي بعض اقواله اذا اخْتلف الصَّحَابَة ﵃ فالتمسك بقول الْخُلَفَاء اولى وهذ كالدليل على انه لم يسْقط الِاحْتِجَاج باقوال الصَّحَابَة لاجل الِاخْتِلَاف
وَقَالَ فِي بعض اقواله الْقيَاس الْجَلِيّ يقدم على قَول الصَّحَابِيّ
[ ١١٩ ]
وَقَالَ فِي مَوضِع اخر ان قَول الصَّحَابِيّ مقدم على الْقيَاس
[ ١٢٠ ]
واجمعوا ان قَول الصَّحَابِيّ لَا يكون حجَّة على الصَّحَابِيّ
وَالظَّاهِر من الْمذَاهب انهم اذا اخْتلفُوا يسْقط الِاحْتِجَاج باقوالهم فنبدأ بِمَا تمسك بِهِ الْقَائِلُونَ بَان قَول الصَّحَابِيّ حجَّة
فمما استدلوا بِهِ مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي
فَنَقُول لَهُم انما عني بِالسنةِ الامر فِيهَا بِلُزُوم الطَّاعَة للخلفاء
[ ١٢١ ]
والتحضيض على الانقياد وَالطَّاعَة باقصى الْجهد
فان زَعَمُوا ان الامر بالاقتداء عَام فَمَا ذَكرُوهُ سَاقِط من وَجْهَيْن
احدهما انا لَا نقُول بِالْعُمُومِ
وَالثَّانِي ان الحَدِيث غير منطو على صِيغَة عُمُوم فَإِن السّنة لَيْسَ فِيهَا قَضِيَّة عُمُوم بل هِيَ لَفْظَة مُحْتَملَة وَالدَّلِيل على ذَلِك انه ﷺ لَو كَانَ يُرِيد الِاحْتِجَاج بقول الصَّحَابِيّ على مَا يَعْتَقِدهُ المخالفون لما خصص الْخُلَفَاء بِالذكر فَلَمَّا اراد بِمَا قَالَه الطَّاعَة خصصه بالخلفاء
وَمِمَّا استدلوا بِهِ مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ اصحابي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ
فَنَقُول لَهُم بِمَا تنكرون على من يزْعم انه اراد بذلك امْر الْعَوام فِي عصره بالاقتداء بالعلماء
فان قَالُوا ان اللَّفْظَة عَامَّة قيل لَهُم وَنحن لَا نقُول بِالْعُمُومِ على انكم خصصتم اللَّفْظ فِي حق الصَّحَابَة بَعضهم مَعَ بعض وَالَّذِي يُوضح بطلَان احتجاجهم ان اللَّفْظَة منبئة عَن تَخْيِير وَالدَّلِيل على ذَلِك انه ﷺ قَالَ بِأَيِّهِمْ اقديتم اهْتَدَيْتُمْ
[ ١٢٢ ]
وَهَذَا فِي الظَّاهِر ينبىء عَن اخْتلَافهمْ فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة ثمَّ يُخَيّر الْمُجْتَهد فِي الاخذ بقول ايهم شَاءَ وَلَو اخْتلفُوا لسقط الِاحْتِجَاج بقَوْلهمْ عِنْد مخالفينا فَسقط استدلالهم من كل وَجه
وَرُبمَا يتمسكون بجمل من الظَّوَاهِر يؤول مرجعها الى مَا ذَكرْنَاهُ
وَرُبمَا يتمسكون بطرق من الْمَعْنى فَيَقُولُونَ ان اصحاب رَسُول الله ﷺ وَرَضي عَنْهُم شاهدوا الْوَحْي والتنزيل ومواقع الْخطاب وشهدوا قَرَائِن الاحوال فَلَا يصدر القَوْل مِنْهُم مَعَ وُرُود الشَّرْع باحسان الظَّن بهم الا وَهُوَ الْحق
وَهَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ لَا طائل تَحْتَهُ فانهم مَعَ مَا ذَكرْنَاهُ بصدد الزلل لم يقم حجَّة قَاطِعَة على الِاسْتِدْلَال بقَوْلهمْ وَلَا يدل الْعقل على ذَلِك ايضا فَلم يبْقى فِيمَا ذَكرُوهُ معتصم
وَدَلِيلنَا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة هُوَ الَّذِي قدمْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَة الاولى فِي منع التَّقْلِيد فأطردها على وَجههَا
وَقد اعْتبر بعض المعتبرين بِمَا اذا اخْتلف الصَّحَابَة وَاعْتبر بَعضهم
[ ١٢٣ ]
ذَلِك بقول الصَّحَابَة بَعضهم على بعض والاولى التعويل على النُّكْتَة الَّتِي قدمناها فَإنَّك اذا قست على صُورَة الْخلاف لم يسلم قياسك اذ يَقُول الْمُخَالف لَا استبعاد فِي نصب قَول الصَّحَابِيّ علما وَحجَّة شرعا من غير اخْتِلَاف فَإِذا ظهر اخْتلَافهمْ لم ينْتَصب حجَّة وَالْجمع بَينهمَا ضرب من الطَّرْد والاحسن ان اردت التَّمَسُّك بِهَذَا الْفَصْل ان تورده مستفصلا مُسْتَغْرقا وَلَا يسْتَدلّ بِهِ بدءا فقلما تستقيم للخصم طَرِيق من الطّرق وَقد اطنب القَاضِي فِي كَلَام بعض مخالفينا على بعض وَمن احكم مَا قُلْنَاهُ هان عَلَيْهِ مَا سواهُ