احتلف ارباب الاصول فِي حَقِيقَة التَّقْلِيد فَذهب قوم مِنْهُم الى ان التَّقْلِيد هُوَ قبُول قَول الْقَائِل وَلَا يدْرِي من ايْنَ يَقُول مَا يَقُول وَهَذَا القَوْل غير مرضِي عندنَا فان التَّقْلِيد ينبىء عَن الِاتِّبَاع المتعري عَن اصل الْحجَّة فَإِذا لم يكن فِي تَحْدِيد التَّقْلِيد مَا ينبىء عَن ذَلِك لم يكن الْحَد مرضيا اصلا وَهَذَا الْقَائِل يَقُول اذا جَوَّزنَا للرسول ﷺ الِاجْتِهَاد فقبول قَوْله تَقْلِيد لَهُ من حَيْثُ ان الْقَائِل لَا يدْرِي من ايْنَ قَالَه الرَّسُول ﷺ
وَذهب بَعضهم الى ان التَّقْلِيد قبُول قَول الْقَائِل بِلَا حجَّة وَمن
[ ٩٥ ]
سلك هَذِه الطَّرِيقَة منع ان يكون قبُول قَول النَّبِي ﷺ تقليدا فان حجَّة فِي نَفسه وَهَذَا اخْتِلَاف فِي عبارَة يهون موقعها عِنْد ذَوي التَّحْقِيق غير ان الاولى فِي حد التَّقْلِيد عندنَا ان نقُول التَّقْلِيد هُوَ اتِّبَاع من لم يقم باتباعه حجَّة وَلم يسْتَند الى علم فيندرج تَحت هَذَا الْحَد الافعال والاقوال وَقد خصص مُعظم الْمُحَقِّقين كَلَامهم بالْقَوْل وَلَا معنى للاختصاص بِهِ فان الِاتِّبَاع فِي الافعال المبنية كالاتباع فِي الاقوال
ويندرج تَحت هَذَا الْحَد اصل فِي التَّقْلِيد ذهل عَنهُ مُعظم الاصوليين وَذَلِكَ ان معظمهم مَعَ الِاخْتِلَاف فِي حد التَّقْلِيد مجمعون على القَوْل بِأَن الْعَاميّ مقلد للمفتي بِمَا يَأْخُذ مِنْهُ فأدرجوه تَحت الحدين السَّابِقين وَقَالُوا ان قُلْنَا ان التَّقْلِيد قبُول قَول الْغَيْر بِلَا حجَّة فقد تحقق تحقق ذَلِك فِي الْمُفْتِي فَإِن قَوْله فِي نَفسه لَيْسَ بِحجَّة وان حددنا التَّقْلِيد
[ ٩٦ ]
بِأَنَّهُ قبُول قَول الْقَائِل مَعَ الْجَهْل بمأخذه فَهَذَا الْمَعْنى يتَحَقَّق فِي قَول الْمُفْتِي ايضا
قَالَ القَاضِي وَالَّذِي نختاره ان ذَلِك لَيْسَ بتقليد اصلا فَإِن قَول الْعَالم حجَّة فِي حق المستفتي اذا الرب تَعَالَى وَجل نصب قَول الْعَالم علما فِي حق الْعَاميّ واوجب عَلَيْهِ الْعَمَل بِهِ كَمَا اوجب على الْعَالم الْعَمَل بِمُوجب اجْتِهَاده واجتهاده علم على علمه وَقَوله علم على المستفتي وَيخرج لَك من هَذَا الاصل انه لَا يتَصَوَّر على مَا نرتضيه تَقْلِيد مُبَاح فِي الشَّرِيعَة لَا فِي اصول الدّين وَلَا فِي فروعه اذ التَّقْلِيد هُوَ الِاتِّبَاع الَّذِي لم يقم بِهِ حجَّة
[ ٩٧ ]
وَلَو سَاغَ تَسْمِيَة الْعَاميّ مُقَلدًا مَعَ ان قَول الْعَالم فِي حَقه وَاجِب الِاتِّبَاع جَازَ ان يُسمى المتمسك بالنصوص والاجماع وادله الْعُقُول مُقَلدًا وَهَذَا وَاضح فِي مَقْصُوده
ثمَّ ان نذْكر بعد ذَلِك منع التَّقْلِيد فِي الاصول ثمَّ فِي الْفُرُوع