فاما مسَائِل الْفُرُوع فَنَذْكُر حَدهَا اولا
واصح مَا يُقَال فِيهَا ان نقُول كل حكم فِي افعال الْمُكَلّفين لم يقم عَلَيْهِ دلَالَة عقل وَلَا ورد فِي حكمه الْمُخْتَلف فِيهِ دلَالَة سمعية قَاطِعَة فَهُوَ من الْفُرُوع
[ ٢٧ ]
واذا اخْتلف فِيهِ الْعلمَاء فِي مباينة اجتهادهم فَمَا حكمهم فِي التصويب والتخطئة
فاما نفاة الْقيَاس فقد قطعُوا بَان الْمُصِيب وَاحِد وعينوه وَزَعَمُوا ان من اخطأ الْحق الْمعِين فَهُوَ مأثوم مأزور وَلم يقل بِهَذَا الْمَذْهَب من القائسين الا الاصم وَبشر المريسي فانهما زعما ان الْمُصِيب وَاحِد وَالْمَطْلُوب وَاحِد وَمن تعداه مأثوم
[ ٢٨ ]
وَصَارَ كَافَّة الْعلمَاء الى نفي الاثم والحرج فِي مسَائِل الْفُرُوع وَاخْتلفُوا بعد ذَلِك فِي التصويب
فاما الشَّافِعِي ﵀ فَلَيْسَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَة نَص على التَّخْصِيص لَا نفيا وَلَا اثباتا وَلَكِن اخْتلف النقلَة عَنهُ المستنبطون من قضايا كَلَامه
فَذهب الاكثرون الى انه يَقُول الْمُصِيب وَاحِد ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ فَذهب بَعضهم الى انه كَانَ يَقُول الْمُجْتَهد كلف الِاجْتِهَاد والعثور على الْحق وَنصب الدَّلِيل المفضي الى الْعلم بِمَا كلف فان اصابه فَلهُ اجران وان اخطاه فالوزر محطوط عَنهُ لغموض الدَّلِيل والى هَذَا الْمَذْهَب صَار مُعظم الْقَائِلين بَان الْمُصِيب وَاحِد
وَذهب اخرون الى ان الْحق لَا دَلِيل عَلَيْهِ يُفْضِي الى الْعلم بِهِ وَلكنه كالشيء الْمكنون يتَّفق العثور عَلَيْهِ ويتفق تعريه وَلَيْسَ على الْعلم بِهِ دَلِيل
ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ فَذهب بَعضهم الى ان العثور عَلَيْهِ مِمَّا يجب على الْمُكَلف وان لم يكن عَلَيْهِ دَلِيل يُفْضِي الى الْعلم
وَذهب اخرون الى ان العثور عَلَيْهِ لَيْسَ بِوَاجِب وانما الْوَاجِب الِاجْتِهَاد وَهَذَا حَقِيقَة مَذْهَب من يَقُول ان كل مُجْتَهد مُصِيب فِي اجْتِهَاده
واما ابو حنيفَة فقد اخْتلفت الرِّوَايَة عَنهُ وَالَّذِي يَصح عَنهُ انه كَانَ
[ ٢٩ ]
يَقُول كل مُجْتَهد مُصِيب فِي اجْتِهَاده واحدهم عاثر على الْحق وَالْبَاقُونَ مخطئون فِيهِ وَكلهمْ على الصَّوَاب بِالِاجْتِهَادِ
قَالَ القَاضِي وَالَّذِي توضح عندنَا من فحوى كَلَام الشَّافِعِي ﵀ القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين وَقد نقل ذَلِك بعض اصحاب الشَّافِعِي عَنهُ صَرِيحًا وعد نصوصا منبئة عَمَّا قَالَه
وَالصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي ان الْمُصِيب وَاحِد
وَذهب طَائِفَة من الْعلمَاء الى ان الْمُجْتَهد مَأْمُور بِطَلَب الاشبه وَصَارَ مُحَمَّد بن الْحسن وابو يُوسُف
[ ٣٠ ]
وَابْن سُرَيج فِي احدى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ الى مثل ذَلِك وَلَا يتَبَيَّن الاشبه الا بتفصيل وسنقرر فِيهِ بَابا
فَهَذِهِ جملَة الْمذَاهب الَّتِي عدا القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين اجْتِهَادًا وَحكما
وَمَا صَار اليه الْمُعْتَزلَة قاطبة ان كل مُجْتَهد مُصِيب اجْتِهَادًا وَحكما وَمَال شَيخنَا ابو الْحسن الى ذَلِك وَهُوَ اخْتِيَار القَاضِي وكل من انْتَمَى الى الاصول الا الاستاذ ابا اسحق فانه صَار الى ان الْمُصِيب
[ ٣١ ]
وَاحِد وَحكى الطَّبَرِيّ ذَلِك عَن ابْن فورك وَالَّذِي عندنَا انه كَانَ يَقُول بتصويب الْمُجْتَهدين
وَنحن الان نرد على الْعَنْبَري اولا ثمَّ نذْكر شبه الْقَائِلين بَان الْمُصِيب وَاحِد ونتقصى عَن جَمِيعهَا ثمَّ نذْكر ادلتنا ثمَّ نقرر بعد ذَلِك ثَلَاثَة ابواب احدها فِي الرَّد على من قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب فِي اجْتِهَاده وَالثَّانِي فِي الْقَائِلين بالاشبه وَالثَّالِث فِي القَوْل بالتخيير مَعَ تصويب الْمُجْتَهدين