فان قَالَ الْقَائِل اذا اجْتهد الْمُجْتَهد فتقابل فِي ظَنّه وَجْهَان من الِاجْتِهَاد وَلم يتَرَجَّح احدهما على الاخر وهما متعلقان بحكمين متنافيين فَمَا قَوْلكُم فِي هَذِه الصُّورَة
قُلْنَا اما من زعم ان الْمُصِيب وَاحِد فقد اخْتلفت اقوالهم فِي هَذِه الصُّورَة فَذهب بَعضهم الى انه يُقَلّد عَالما غَيره قطع بِأحد وَجْهي اجْتِهَاده
وَذهب احزون الى انه لَا يُقَلّد عَالما وَلَا ياخذ بِاجْتِهَاد نَفسه وَلَكِن يتَوَقَّف ويصمم على طرق التَّرْجِيح
وان تضيق الامر فقد اخْتلف مانعوا التَّقْلِيد عِنْد ذَلِك
فَذهب ذاهبون الى جَوَاز التَّقْلِيد عِنْد ذَلِك فِي هَذِه الْحَالة وان منعوها فِي غَيرهَا من الاحوال وَذهب اخرون الى انه لَا يُقَلّد وَلَكِن يعْمل باحدهما وسنستقصي القَوْل فِي ذَلِك فِي كتاب التَّقْلِيد ان شَاءَ الله ﷿
واما المصوبون فقد خير بَعضهم وَمنع بَعضهم القَوْل بالتخيير وَصَارَ
[ ٧٠ ]
إِلَى التَّوَقُّف اَوْ التَّقْلِيد وَزعم انه حكم الله تَعَالَى عَلَيْهِ قطعا
قَالَ القَاضِي وَالصَّحِيح فِي ذَلِك عندنَا مَا صَار اليه شَيخنَا وَهُوَ ان الْمُجْتَهد يتَخَيَّر فِي الاخذ بِأَيّ الاجتهادين شَاءَ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ بطلَان التَّقْلِيد على مَا نوضحه فاذا بَطل التَّقْلِيد وَقد اوضحنا بِمَا قدمْنَاهُ ان كل مُجْتَهد مُصِيب وَقد اسْتَوَى فِي حَقه الاجتهادان فَلَا سَبِيل الى الاخذ بِمَا شَاءَ الا بِضيق الْوَقْت فَنزل الحكمان فِي حَقه منزلَة الْكَفَّارَة فِي حق الْحَالِف
فان قَالَ قَائِل فَفِي الْمصير الى التَّخْيِير خرق الاجماع وَذَلِكَ انه اذا نقل عَن الصَّحَابَة قَولَانِ فِي الْمَسْأَلَة فاجتهد فيهمَا الْمُجْتَهد وتقاوم الاجتهادان فِي حَقه فَلَو صَار الى التَّخْيِير كَانَ قولا ثَالِثا
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ ان من صَار الى ايجاب رَقَبَة فِي حَادِثَة مَعَ من صَار الى ايجاب الْكسْوَة لَا يوافقان من خير بَينهمَا فان الْمُخَير يسْلك مسلكا سوى مسلكهما فَمن هَذَا الْوَجْه لزم اختراع قَول ثَالِث وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك ان التَّخْيِير من الاحكام المعدودة فِي مَرَاتِب احكام الشَّرِيعَة ويتميز بِهِ بعض الْكَفَّارَات عَن بعض
قُلْنَا هَذَا الَّذِي ذكرتموه يَنْقَلِب عَلَيْكُم على وَجه لَا تَجِدُونَ عَنهُ محيصا فانا نقُول اذا تقَابل الاجتهادان وتضيق الحكم وَلم يجد الْمُجْتَهد من يقلده فَمَا قَوْلكُم فِي هَذِه الصُّورَة فيضطرون الى القَوْل بانه
[ ٧١ ]
يَأْخُذ باحدهما ويلزمهم فِي هَذِه الصُّورَة مَا الزمونا
فان قَالُوا يتَوَقَّف فَكيف يُمكنهُم ذَلِك وَقد صور عَلَيْهِم التَّضْيِيق وَمنع التَّخْيِير باجماع على ان للخصم ان يَقُول التَّوَقُّف حكم ثَالِث
ثمَّ نقُول لسنا نقُول ان التَّخْيِير يثبت حكما فِي حق الْمُجْتَهد حَتَّى يعْتَقد انه حكم ثَالِث وَلَكِن ياخذ باحدهما فيوافق من شَاءَ من الْمُخْتَلِفين فِي الْعَصْر الْمَاضِي وَهُوَ كالمستفتي يتَصَدَّى لَهُ مفتيان متساويان فِي كل الاوصاف وفتواهما لَهُ مُخْتَلِفَتَانِ فياخذ بفتوى احدهما وَلَا يكون ذَلِك تخييرا فوضح الِانْفِصَال عَمَّا الزمونا
فان قَالُوا الْيَسْ معولكم على غَلَبَة الظَّن فِي كل مَا قدمتموه فاذا تقَابل الاجتهادان فقد خلت الْمَسْأَلَة عَن غَلَبَة الظَّن
قُلْنَا اذا تقَابل الاجتهادان فتقابلهما امارة فِي اثار غَلَبَة ظن التَّخْيِير وَهَذَا وَاضح فافهمه وَقد انْقَضى الْكَلَام فِي تصويب الْمُجْتَهدين
[ ٧٢ ]
- ﷺ َ - بَاب فِي جَوَاز التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ فِي حَضْرَة الرَّسُول ﵇ - ﷺ َ -
اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَذهب ذاهبون الى منع التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ بِحَضْرَة الرَّسُول ﷺ
وَذهب اخرون الى جَوَاز ذَلِك عقلا وَهُوَ الَّذِي نرتضيه لَان الْجَائِز يتَمَيَّز عَن المستحيل بِانْتِفَاء وُجُوه الاستحالة وَجُمْلَة وُجُوه الاستحالة منتفية فِي جَوَاز وُرُود التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ بِحَضْرَة الرَّسُول ﵇ وَلَو قدر مُصَرحًا بِهِ لم يسْتَحل بَان يَقُول صَاحب الشَّرِيعَة اذا عنت لكم حَادِثَة فانتم بِالْخِيَارِ فِيهَا فان شِئْتُم راجعتموني لاخبركم بِحكم الله تَعَالَى وجوبا اَوْ اجْتِهَادًا وان شِئْتُم فاجتهدوا فغلبة ظنكم امارة حكم الله تَعَالَى
[ ٧٣ ]
عَلَيْكُم فَهَذَا لَا يَسْتَحِيل عقلا فِي صفة المتعبد تَعَالَى وَجل وَلَا فِي صفة التَّعَبُّد وَلَا فِي صُورَة التَّعَبُّد
فان قَالُوا من كَانَ بِحَضْرَة الرَّسُول ﷺ فَهُوَ قَادر على التَّوَصُّل الى النَّص وَلَا يسوغ الِاجْتِهَاد مَعَ الْقُدْرَة على الْوُصُول الى النَّص
قُلْنَا هَذَا ايضا دَعْوَة مِنْكُم على انا نقُول لَيْسَ كلامنا فِيمَا اسْتَقر فِيهِ نَص وانما كلامنا فِي حَادِثَة لم يُؤثر فِيهَا عَن الرَّسُول ﷺ جَوَاب فَهِيَ قبل مُرَاجعَة الرَّسُول ﷺ خَالِيَة عَن النَّص