اذا لم يكن فِي الْبَلدة الَّتِي فِيهَا المستفتي الا عَالم وَاحِد فيقلده وَلَا يُكَلف الِانْتِقَال عَنهُ
وان جمعت الْبَلدة الْعلمَاء وكل مِنْهُم بَالغ مبلغ الِاجْتِهَاد فقد ذهب الْفُقَهَاء الى ان الْوَاجِب عَلَيْهِ ان يُقَلّد الاعلم مِنْهُم وَلَا يسوغ لَهُ تَقْلِيد من عداهُ وَهَذَا غير صَحِيح والسديد أَن لَهُ ان يُقَلّد من شَاءَ مِنْهُم وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك ان الَّذِي ثَبت فِي شَرَائِط الْمُفْتِي مَا قدمْنَاهُ فاذا اتّصف الْمَرْء بِهِ سَاغَ تَقْلِيده وَلم يثبت فِي اصول الشَّرِيعَة رِعَايَة مَا يزِيد على الشَّرَائِط الَّذِي قدمناها
وَالَّذِي يُوضح الْحق فِي ذَلِك ان الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم انقسموا الى الْفَاضِل والمفضول وَكَانَ الصّديق ﵁ افضلهم فِي مَذْهَب
[ ١٣٠ ]
اهل الْحق ثمَّ لم يكلفوا المستفتين ان لَا يستفتوا غَيره بل لم يجمعوا السَّائِلين على اُحْدُ تعيينا مِنْهُم وتخصيصا فوضح بذلك انه لَا يتَعَيَّن على المستفتي التَّعَرُّض للاعلم
فَلَو قَالَ قَائِل فجوزوا على مَا ذكرتموه امامة الْمَفْضُول
قُلْنَا هَذَا خوض مِنْكُم فِي غير هَذَا الْفَنّ وَقد اقمنا فِيمَا نَحن فِيهِ اوضح دلَالَة فَمَا وَجه تمسككم بالامامة
وَذهب بعض من لاحظ لَهُ فِي الاصول الى ان المستفتي يَأْخُذ باثقل الاجوبة ويغلظ الامر على نَفسه اذا تَعَارَضَت اجوبة الْعلمَاء اذ الْحق ثقيل وَهَذَا تحكم من هَذَا الْقَائِل لَان الثّقل لَيْسَ عَلامَة للصِّحَّة فَرب ثقيل بَاطِل وَرب سمح صَحِيح كَيفَ وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ بعثت بالحنفية السمحاء
[ ١٣١ ]
فَإِن قَالَ قَائِل فلوا تعَارض فتوتان فِي تَحْرِيم وَتَحْلِيل فَبِمَ يَأْخُذ المستفتي قُلْنَا يَأْخُذ بأسبقهما اليه فان بَدْرًا من عَالمين جَمِيعًا اخذ بِأَيِّهِمَا شَاءَ
نجز الْكتاب بِحَمْد الله وعونه وَحسن توفيقه وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيد الامم ومصباح الظُّلم النُّور الباهر والمصباح الزَّاهِر مُحَمَّد خَاتم الانبياء وعَلى اله الطاهرين وَالسَّلَام
وَكتاب الْمُجْتَهدين وَذكر القَوْل فِي اصول الْفِقْه للامام ابي الْمَعَالِي من كتاب التَّلْخِيص ﵀ ونفع بِهِ قارئه وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين
[ ١٣٢ ]