والغرض منه: إيقاظ من غفلة؛ بإعلام القاري بما في ضمير المستدرِك مما سكت عنه الأوائل.
وللتنبيه ثلاث صور:
الأولى: التنبيه على شيء لو تأمل المتأمل الكلام السابق فهمه منه؛ ومثاله:
قول القرافي بعد أن ذكر الأسئلة الواردة على حد الواجب- ما يذم تاركه شرعًا على بعض الوجوه-: "تنبيه: وافقه التحصيل (٢) والمنتخب، وقال الحاصل: ما يذم تاركه مطلقًا (٣)، ولم يقل: بعض الوجوه، فيندفع عنه السؤال الرابع" (٤).
ويقصد بالسؤال الرابع: "أن قيد (بعض الوجوه) يخرج ما يذم تاركه على كل الوجوه؛ لأن كل قيد في حد إنما نحترز به عن ضده، فقيد (البعض) ينافي الكل،
_________________
(١) رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (٣/ ٤٣٧).
(٢) يُنظر: التحصيل (١/ ١٧٢).
(٣) يُنظر: الحاصل (٢/ ٢٨).
(٤) نفائس الأصول (١/ ٢٦٢).
[ ٢١٤ ]
فيخرج أكثر الواجبات من الحد، وهي الواجبات المعينة التي لا توسعة فيها" (١).
الثانية: التنبيه لدفع اللَّبْس؛ ومثاله: قول القرافي: "تنبيه: وهم كثير من الأصوليين فقالوا في حد الواجب: ما يذم تاركه، ويثاب فاعله، فضموا قيد (الثواب) إلى الحد، وهو غير مستقيم؛ فإن الحد يصير غير جامع.
وتقريره: أن ليس كل واجب يثاب فاعله، ولا كل محرم يثاب على تركه.
أما الأول: فكنفقات الزوجات، والأقارب، ورد المغصوب، ودفع الديون والأجر والأثمان إذا فعلت من غير قصد امتثال أمر الله -تعالى- وقعت واجبة مع أنه لا ثواب فيها؛ لعدم القصد لطاعة الله -تعالى-؛ بل لو لم يشعر بأن الله -تعالى- أوجبها عليه وقعت واجبة، ولا ثواب مع عدم الشعور بالإيجاب.
وأما الثاني: فلأن المحرمات تخرج الإنسان عن عهدتها بمجرد تركها وإن لم يشعر بتحريمها عليه، ولا ثواب مع عدم الشعور بالتحريم؛ لانتفاء طاعة الله -تعالى- بعدم الشعور بتكليفه، وإذا اقترن قصد الطاعة بجميع ذلك حصل الثواب. فظهر أن التحديد بالثواب في فعل الواجب وترك المحرم غير مستقيم؛ وإنما يلزم في الواجب ذم تاركه، أو استحقاق العقاب، ففي المحرم استحقاق العقاب على الفعل، أما الفعل الواجب وترك المحرم فلا" (٢).
مثال آخر: قال التاج السبكي بعد أن ذكر تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالإجماع: "تنبيه: معنى قولنا: تخصيص الكتاب بالإجماع: أنهم يجمعون على تخصيص العام بدليل آخر، فالمخصص سند الإجماع، ثم يلزم من بعدهم متابعتهم وإن جهلوا المخصص؛ وليس معناه: أنهم خصوا العام بالإجماع؛ لأن الكتاب والسنة المتواترة موجودان في عهده - ﵇ -، وانعقاد الإجماع بعد ذلك على خلافه خطأ، فالذي جوزناه
_________________
(١) نفائس الأصول (١/ ٢٤٥).
(٢) المرجع السابق (١/ ٢٦٣ - ٢٦٤).
[ ٢١٥ ]
إجماع على التخصيص؛ لا تخصيص بالإجماع - والله اعلم -" (١).
الثالثة: التنبيه فيما يكون الحكم المذكور بعده بديهيًّا، مثاله: ما ذكره ابن أمير حاج (٢) في مسألة (لا يشترط لحجية الإجماع انتفاء سبق خلاف مستقر لأهل عصر سابق (٣»: "تنبيه: ثم غير خاف أن هذا كله بناء على عدم اشتراط انقراض العصر (٤)، أما على اشتراطه فجائز وقوعه ويكون حجة؛ إذ ليس فيه ما يوهم تعارض الإجماعين، ولأن اختلافهم على قولين ليس بأكثر من إجماعهم على قول واحد، وإذا جاز الرجوع في الواحد المتفق عليه ففي المختلف فيه أولى " (٥).
_________________
(١) الإبهاج (٢/ ١٨٣).
(٢) هو: أبو عبدالله، محمد بن محمد بن محمد المعروف بابن أمير الحاج، ويقال له: ابن الموفق، شمس الدين، فقيه أصولي، من علماء الحنفية، من أهل حلب. من مصنفاته: "التقرير والتحبير"، و" حلية المجلي " في الفقه، و"ذخيرة القصر في تفسير سورة العصر"، (ت: ٨٧٩ هـ). تُنظر ترجمته في: الضوء اللامع (٩/ ٢٠٩)؛ الأعلام (٧/ ٤٩)؛ أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص: ٤٣٨).
(٣) المراد بانتقاء سبق خلاف مستقر لأهل عصر سابق: كما إذا اختلف أهل العصر السابق على قولين، ثم اتفق الذين من بعدهم على قول من القولين؛ كاختلاف الصحابة في بيع أمهات الأولاد على قولين: الجواز، وعدمه، ثم اتفاق التابعون على أحد القولين؛ وهو عدم جواز بيعهن، فهل يعد اتفاق التابعين إجماعًا، أو لا؟ إذا قلنا باشتراط انتقاء سبق خلاف مستقر لأهل عصر سابق؛ فإن اتفاق التابعين لا يعد إجماعًا. فلو قضى القاضي ببيع أم الولد؛ كان القضاء نافذًا؛ لأن الخلاف السابق منع انعقاد الإجماع المتأخر. وإذا قلنا: لا يشترط لحجية الإجماع انتفاء سبق خلاف مستقر لأهل العصر؛ فإن اتفاق التابعين يكون إجماعًا. وعلى هذا القول لو قضى القاضي ببيع أم ولد لا يصح قضاؤه وينقض؛ لأنه قضاء على خلاف الإجماع. يُنظر: التقرير والتحبير (٣/ ١١٨).
(٤) المراد بانقراض العصر: موت جميع أهل الاجتهاد في وقت نزول الحادثة بعد اتفاقهم على حكم فيها؛ وليس المراد موت جميع أهل العصر؛ لأنه لا ينحصر، وتتداخل الأعصار. يُنظر: التلويح على التوضيح (٢/ ١٠٦)؛ البحر المحيط (٤/ ٥٢٠).
(٥) المرجع السابق (٣/ ١٢٢).
[ ٢١٦ ]