حد الاستدراك الأصولي باعتبار مفرديه
المراد بمفرديه: جزآه؛ وهما: كلمة "استدراك"، وكلمة "أصول".
أما الاستدراك في اللغة فالبحث فيه يتطلب ثلاثة جوانب؛ وهي:
أولًا: الجانب الاشتقاقي: فالاستدراك: مصدر من الفعل الثلاثي "دَرَكَ"، وأرجعَ ابن فارس (١) مادة الكلمة (الدال والراء والكاف) إلى أصلٍ واحد؛ وهو: لُحوق الشيء بالشيء، ووصوله إليه، يُقال: أدْرَكْتُ الشَّيء أُدْرِكُه إدراكًا. (٢)
ثانيًا: جانب المعنى اللغوي: ذكرت المعاجم لجذر "دَرَكَ" معاني ومدلولات متعددة ومختلفة أذكر منها ما يناسب المقصود في هذا المقام:
١ - التَّبَع والتَّتابعُ والاتباع، ومنه: سميت التَّبِعة بالدَّرَك -ضمان الدَّرَك-، فيقال: ما لَحِقَكَ من دَرَك فعليَّ خلاصه. ودارك فلان الشيء: اتبع بعضهُ على بعض، ودَرَّك المطر: تابع قطره. (٣)
٢ - بلوغ الشيء حده ومنتهاه وغايته، ومنه: أدرك الغلام والجارية: إذا بلَغَا،
_________________
(١) هو: أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب، اللغوي، أحد علماء خراسان، كان نحويًا على طريقة الكوفيين، وغلب عليه علم الفقه ولسان العرب، فشهر به، كان شافعيًا ثم تحول مالكيًا. من مصنفاته: "كتاب غريب إعراب القرآن"، و"فقه اللغة"، و"مقاييس اللغة"، قيل عن هذا الكتاب: كتاب جليل لم يصنف مثله، (ت: ٣٩٥ هـ). تُنظر ترجمته في: ترتيب المدارك وتقريب المسالك (٢/ ٢٢٠)؛ معجم الأدباء (١/ ٥٣٣)؛ بغية الوعاة (١/ ٣٥٢).
(٢) يُنظر: مقاييس اللغة (٣/ ٢٦٩).
(٣) يُنظر: الصحاح (ص: ٣٤٠)؛ لسان العرب (٥/ ٢٤٨)؛ المصباح المنير (١/ ١٩٢)؛ القاموس المحيط (ص: ٩٣٨)؛ أقرب الموارد (١/ ٣٣٠) مادة: (درك).
[ ٣٥ ]
وأدرك الثمر: إذا نضج. (١)
٣ - الاطلاع على حقيقة الشيء، ومنه: أدركته ببصري: أي رأيته، وأدركت المسألة: علِمتُها (٢)، ومنه قوله تعالى: (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) [الأنعام: ١٠٣] (٣).
٤ - التلافي والإصلاح (٤)، ومنه قول زهير (٥):
تَدَاركْتُما عَبْسًا وذُبْيانَ بَعْدَما تَفَانَوا وَدقوا بَيْنَهم عِطَر مَنْشَمِ (٦)
أي: تلافيتما أمر عبسٍ وذبيان بالصلح بعد ما تفانوا بالحرب (٧).
_________________
(١) يُنظر: يُنظر: الصحاح (ص: ٣٤٠)؛ لسان العرب (٥/ ٢٤٨)؛ المصباح المنير (١/ ١٩٢)؛ القاموس المحيط (ص: ٩٣٨)؛ أقرب الموارد (١/ ٣٣٠) مادة: (درك).
(٢) يُنظر: الصحاح (ص: ٣٤٠)؛ أقرب الموارد (١/ ٣٣٠)؛ قطر المحيط (١/ ٦٢٤)؛ المعجم الوسيط (ص: ٢٨١) مادة: (درك).
(٣) يُنظر: تفسير الطبري (٧/ ٢٩٩)؛ أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٦٩)؛ تفسير البحر المحيط (٤/ ١٩٨).
(٤) يُنظر: أقرب الموارد (١/ ٣٣٠)؛ قطر المحيط (١/ ٦٢٣) مادة: (درك).
(٥) هو: زهير بن أبي سُلمى ربيعة بن رياح المزني، من بني مزينة؛ ولكنه أقام عند بني غطفان؛ لأنه تزوج امرأة منهم، وقيل: إنه غادر قومه لخلاف وقع بينه وبينهم، وهو من عائلة يحيط به الشعر من جميع أطرافه، وكان له ابنان شاعران؛ هما: بجير، وكعب أدركا الإسلام. قيل عنه: كان ينظم القصيدة في شهر، وينقحها ويهذبها في سنة، فعرفت قصائده بـ "الحوليات"، (ت: ١٤ قبل الهجرة). تُنظر ترجمته في: طبقات فحول الشعراء (١/ ٥١)؛ الشعر والشعراء (ص: ١٣٧)؛ الأعلام (٣/ ٥٢).
(٦) هذا البيت من معلقته التي مطلعها: أَمِنْ أمِّ أَوفَى دِمْنَةٌ لم تَكلَّمِ ، وقالها في مدح الحارث بن عوف بن أبي حارثة، وهرم بن سنان، وذكر سعيهما بالصلح بين عبس وذبيان. يُنظر: شرح ديوان زهير بن أبي سلمى المزني للشمنتري (ص: ٦)؛ شرح المعلقات العشر للزوزني (ص: ١٤٠)؛ شرح المعلقات العشر وأخبار شعرائها (ص: ٨٠)؛ شرح ديوان زهير بن أبي سلمى للأستاذ حسن فاعور (ص: ١٠٦).
(٧) يُنظر: المراجع السابقة.
[ ٣٦ ]