المستدرِك
وهو فاعل الاستدراك، ويمكن حده: بالْمُعقِب للفظ أو المعنى الأصولي الواقع أو المقدر بما يخالفه في نفسه.
وشروط المستدرِك هي ذاتها شروط المجتهد إذا اعتبرنا الاستدراك نوعًا من الاجتهاد أو الخلاف، فيشترط له ما يشترط لهما؛ إذ لا يستحق المخالف أن يعتد بخلافه إلا إذا حاز أهلية الاعتداد بالخلاف، ومن لم يبلغ رتبة الاجتهاد مقلد، وليس للمقلد أن يستدرك على المجتهد؛ بيد أن الشروط التي يذكرها الأصوليون في باب الاجتهاد (١) لا تلزم في كل استدراك، والذي يضبط ذلك موضوع الاستدراك وطبيعته، ونستدل على ذلك بقول الإمام الغزالي بعد عرضه العلوم التي لا بد للمجتهد منها: (اجتماع هذه العلوم الثمانية إنما يشترط في حق المجتهد المطلق (٢)
الذي يفتي في جميع الشرع.
_________________
(١) عند النظر في شروط الاجتهاد يلحظ الناظر تطورًا وتوسعًا في تلك الشروط، وهذا أمر طبيعي مع تغير العصور ونمو العلوم، فالأدوات العلمية المقدمة هي الأصل المستصحب في كل عصر؛ إلا أنه قد يزاد عليها بالقدر الذي تقتضيه ظروف ذلك العصر، فما قرره الشافعي - ﵀ - في القرن الثاني من شروط ليست كافية للنظر الاجتهادي في القرن الثالث؛ حيث كان الاختلاف السائد في القرن الثاني خلافًا فقهيًا، في حين كان الخلاف السائد في القرن الثالث خلافًا كلاميًا بين الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية، وامتزج الفكر الأصولي بشيء من هذا الخلاف، مما جعل علماء الأصول المتأخرين يشترطون في المجتهد أن يكون على قدر معرفي من علم الكلام. يُنظر: الفتوى وأثرها في حماية المعتقد وتحقيق الوسطية، للدكتور فهد بن سعد الجهني، بحث في مجلة البحوث الإسلامية، العدد ٨٠، سنة ١٤٢٧ هـ-١٤٢٨ هـ، (ص: ١٧٢).
(٢) المجتهد قسمان: مستقل، وغيره .. فالمستقل: المجتهد المطلق؛ وهو القائم بمعرفة أدلة الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما التحق بها على التفصيل، العالم بما يشترط في الأدلة، ووجوه دلالتها، وكيفية اقتباس الحكم منها، العارف بعلوم القرآن والحديث، والناسخ والمنسوخ، والنحو واللغة، واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن به من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها. القسم الثاني: مجتهد ليس بمستقل؛ وهو المجتهد المنتسب إلى أئمة المذاهب المتبوعة، وله أربعة أحوال. يُنظر: المسودة (ص: ٣٦٠)؛ صفة الفتوى (ص: ١٦)
[ ١٣٨ ]
وليس الاجتهاد -عندي- منصبًا لا يتجزأ؛ بل يجوز أن ينال العالم منصب الاجتهاد في بعض الأحكام دون بعض، فمن عرف طريق النظر القياسي؛ فله أن يفتي في مسألة قياسية وإن لم يكن ماهرًا في علم الحديث وقس عليه ما في معناه) (١).
وذهب الإمام الشاطبي في تقريره القدر الذي يجب على المجتهد تحصيله من هذه العلوم والمعارف: أنه ليس واجبًا على العالم أن يتعمق في كل علم من العلوم المذكورة في شروط الاجتهاد حتى يصل لدرجة الاجتهاد فيها؛ بل يكفيه أن يمتلك القدرة العلمية على الاستفادة من كل فن ما يساعده في بناء الفتوى بناء صحيحًا؛ سواء كان في الحديث أو اللغة أو غيرهما من العلوم ولو كان مشترطًا في المجتهد الاجتهاد في كل ما يفتقر إليه الحكم؛ لم يصح لحاكم أن ينتصب للفصل بين الخصوم حتى يكون مجتهدًا في كل ما يفتقر إليه الحكم الذي يوجهه على المطلوب لطالب، وليس الأمر كذلك بالإجماع. (٢)
ويمكن تقسيم الشروط التي يجب توفرها في المستدرِك إلى قسمين؛ الأول منهما: شروط قبول الاستدراك. والثاني: شروط صحة الاستدراك.