موضوع علم أصول الفقه الذي يعد مادة "الاستدراك الأصولي" هو: الأدلة، والأدلة عربية، والاستدلال بها يتوقف على معرفة طرق دلالة النص (٤) على ما يحمله من معنى، والمعنى الذي يحمله النص في علوم اللغة العربية على ثلاثة أنواع:
١ - المعنى الحقيقي: وهو المعنى الذي وضع له اللفظُ أصالة، وهذا من مباحث علم المعجم.
٢ - المعنى الاستعمالي: وهو الذي تجاوزت فيه اللغة المعنى الحقيقي إلى معنى
_________________
(١) هو: أبو محمد، عبدالرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي - نسبة إلى إسنا من صعيد مصر- المصري الشافعي، جمال الدين، كان فقيهًا أصوليًا مفسرًا نحويًا، اتصف بالبر والتواضع والتودد إلى الناس. من مصنفاته: "التمهيد في تخريج الفروع على الأصول"، و" الكوكب الدري"، و" نهاية السول"، (ت: ٧٧٢ هـ). تُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٧١)؛ النجوم الزاهرة (١١/ ١١٤)؛ شذرات الذهب (٦/ ٢٢٣).
(٢) أي: البيضاوي، يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول - (٢/ ١٠٥٣). وسبقت ترجمة البيضاوي (ص: ٤١).
(٣) يُنظر: نهاية السول (٢/ ١٠٥٤).
(٤) لعلماء الأصول في تقسيم طرق دلالة اللفظ على الأحكام منهجان: الأول: منهج الجمهور، والثاني: منهج الحنفية. فالجمهور يقسمون طرق دلالة اللفظ على الأحكام إلى قسمين أساسين هما: المنطوق والمفهوم. يُنظر: شرح تنقيح الفصول (ص: ٢٧١)؛ شرح مختصر الروضة (٢/ ٧٠٤)؛ البحر المحيط (٤/ ٥). أما الحنفية فقسموا طرق دلالة اللفظ على الأحكام إلى أربعة أقسام: دلالة العبارة، ودلالة الإشارة، ودلالة النص، ودلالة الاقتضاء. يُنظر: أصول السرخسي (١/ ٢٣٦)؛ كشف الأسرار للبخاري (١/ ١٧١ - ١٩٥).
[ ٨٢ ]
آخر على سبيل المجاز أو الكناية، وهذا من مباحث علم البلاغة.
٣ - المعنى الوظيفي: ما تؤديه الكلمة - بما لها من معنى حقيقي أو استعمالي - أثناء تركيبها مع غيرها؛ ككونها حدثًا صدر عن الذات، أو فاعلًا صدر عنه الحدث، أو مفعولًا وقع عليه الحدث، أو تميزًا لمبهم لما قبلها، أو استثناءً من حكم سابق، أو شرطًا لحكم لا حق، أو غير ذلك من معانٍ وظيفية لا تفهم إلا عند التركيب، وهذا المعنى من مباحث علم النحو.
والأصوليون بحثوا فيما يساعدهم في فهم معنى النص في المعاني الثلاثة -الحقيقي والاستعمالي والوظيفي- في مباحث الألفاظ (١)، فتكلموا عن الأمر والنهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والحقيقة والمجاز، والاستثناء والاشتراك، والمنطوق والمفهوم، ومعاني الحروف، وغيرها. (٢)
وكانوا أثناء عرض هذه المواضيع تحدث بينهم مخالفة في الرأي ينتج عنها استدراكات، كما أن الأصوليين يستدرك بعضهم على بعض في كثير من المسائل التي لا تشترك مع علم النحو والبلاغة بما ثبت في اللغة العربية.
وأذكر لك - أيها القارئ الكريم - مقولات عن بعض الأصوليين تشير إلى استمداد علم أصول الفقه من اللغة العربية:
يقول الإمام الشيرازي: "واعلم أن الكلام في هذا الباب كلام في باب من أبواب النحو؛ غير أنَّه لما كثر احتياج الفقهاء إليه ذكرها الأصوليون" (٣).
ويقول إمام الحرمين: "اعلم أن معظم الكلام في الأصول يتعلق بالألفاظ
_________________
(١) يُنظر: البحث النحوي عند الأصوليين (ص: ٩).
(٢) يُنصح في هذا المجال بالاطلاع على " البحث النحوي عند الأصوليين " للدكتور: مصطفى جمال الدين، و"البحث البلاغي عند الأصوليين" لحسن هادي التميمي.
(٣) اللمع في أصول الفقه (ص: ١٣٨).
[ ٨٣ ]
والمعاني وأما الألفاظ فلا بد من الاعتناء بها؛ فإن الشريعة عربية، ولن يستكمل المرء خِلال الاستقلال بالنظر في الشرع مالم يكن ريَّانًا من النحو واللغة " (١).
ويقول في موضع آخر: "ثم تكلموا في أمور هي محض العربية، ولست أرى ذكرها هنا؛ ولكن أذكر منها ما تكلم فيه أهل النظر من الفقهاء والأصوليين، ثم لا أَجدُ بُدًّا من ذكر معاني الحروف، وهي كثيرة الدوران في الكتاب والسنة" (٢).
ويقول أيضًا: "فهذه جمل اعتاد الأصوليون الكلام عليها، فحرصنا على التنبيه على مقاصد قويمة عند أهل العربية، مع اعترافنا بأن حقائقها تتلقى من فن النحو" (٣).
ويقول الغزالي: "كما حَمَلَ حُبُّ اللغة والنحو بعض الأصوليين على مزج جملة من النحو بالأصول، فذكروا فيه من معاني الحروف، ومن معاني الإعراب جملًا، هي من علم النحو خاصة" (٤).
ويقول القرافي (٥): " فإن الشريعة المحمدية - زاد الله تعالى منارها شرفًا وعُلوًّا - اشتملت على أصول وفروع. وأصولها قسمان: أحدهما المسمى: بأصول الفقه، وهو غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية
_________________
(١) البرهان في أصول الفقه (١/ ١٦٩).
(٢) البرهان في أصول الفقه (١/ ١٧٩ - ١٨٠).
(٣) المصدر السابق (١/ ١٩٦).
(٤) المستصفى (١/ ٢٧).
(٥) هو: أبو العباس، أحمد بن إدريس بن عبدالرحمن بن عبدالله ابن يَلِّين الصَّنْهَاجي البَفْشِيمي، القرافي، المصري، شهاب الدين، الإمام العلامة، انتهت إليه رئاسة الفقه على مذهب مالك، تتلمذ على العز بن عبدالسلام وابن الحاجب وغيرهما، كان بارعًا في الأصول والفقه والحديث والتفسير والعلوم العقلية وعلم الكلام والنحو. من مصنفاته: "التنقيح" وشرحه، "نفائس الأصول" شرح محصول الرازي، "العقد المنظوم في الخصوص والعموم"، (ت: ٦٨٤ هـ). تُنظر ترجمته في: الدبياج المذهب (١/ ٦٢)؛ شجرة النور الزكية (ص: ١٨٨)؛ الفتح المبين للمراغي (٢/ ٨٦).
[ ٨٤ ]
خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح؛ نحو: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم، ونحو ذلك " (١).
بل حتى علماء اللغة العربية أشاروا إلى العلاقة بين علم اللغة العربية وعلم أصول الفقه، يقول الأنباري (٢): " فإن علوم الأدب ثمانية: النحو، واللغة، والفقه، والتصريف، والعروض، والقوافي، وصنعة الشعر، وأخبار العرب، وأنسابهم. وألحقنا بالعلوم الثمانية علمين ووضعناهما؛ وهما: علم الجدل في النحو، وعلم أصول النحو، فيعرف به القياس وتركيبه وأقسامه، من قياس العلة، وقياس الشبه، وقياس الطرد، إلى غير ذلك على حد أصول الفقه؛ فإن بينهما من المناسبة ما لا يخفى؛ لأن النحو معقول من منقول؛ كما أن الفقه معقول من منقول، ويعلم حقيقة هذا أرباب المعرفة بهما" (٣).