• المثال الأول:
قال ابن الجُزَيّ (٢): (الباب الخامس في الدلالة، وهي ثلاثة أنواع: مطابقة،
_________________
(١) يُنظر: (ص: ٢٠٠ - ٢٠٦).
(٢) هو: أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جزي الكلبي، الملقب بـ (لسان الدين ابن الخطيب)، من أهل غرناطة، درس على ابن الشاط صاحب" إدرار الشروق" وعلى غيره، كان قائمًا على التدريس، مشاركًا في فنون من عربية، وفقه، وأصول، وقراءات، وأدب، وتفسير، وحديث، من مصنفاته: "وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم"، و"القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية"، و" تقريب الوصول إلى علم الأصول"، فقد ضحى يوم الإثنين (٧٤١ هـ) وهو يحرض المسلمين على قتال النصارى في معركة طريف، وكان عمره (٤٨ سنة). تُنظر ترجمته في: الديباج المذهب (ص: ٢٩٥)؛ نفح الطيب (٥/ ٥١٤)؛ شجرة النور الزكية (ص: ٢١٣).
[ ٢٩٧ ]
وتضمن، والتزام.
فدلالة المطابقة هي: دلالة اللفظ على كمال مسماه؛ كدلالة لفظ (البيت) على جميعه (١).
ودلالة التضمن هي: دلالة اللفظ على جزء مسماه؛ كدلالة لفظ (البيت) على سقفه (٢).
ودلالة الالتزام هي: دلالة لفظ (البيت) على لازم مسماه؛ كدلالة (السقف) على الجدار (٣).
تنبيهات ثلاثة: زاد فخر الدين بن الخطيب قيدًا في دلالة التضمن؛ وهو أن قال: على جزء مسماه من حيث هو جزء، تحرز من دلالة اللفظ بالمطابقة على معنى، وبالتضمن على غيره (٤)؛ كقولنا: حرف لأحد حروف المعنى؛ نحو: ليت، ولعل، وحرف اللام وحدها بمعنى حروف هجاء، فالأول يدل على اللام بالتضمن، والثاني يدل عليها بالمطابقة" (٥).
_________________
(١) يُنظر تعريفها كذلك في: معيار العلم (ص: ٣٨ - ٣٩)؛ إيضاح المبهم (ص: ٦ - ٧)؛ آداب البحث والمناظرة (١/ ٢٠).
(٢) يُنظر: المرجع السابق.
(٣) يُنظر: المرجع السابق.
(٤) يُنظر: المحصول (١/ ٢٢٠).
(٥) تقريب الوصول (ص: ١٠٦ - ١٠٧).
[ ٢٩٨ ]
• بيان الاستدراك:
استدرك الفخر الرازي قيدًا في دلالة التضمن، ونوع هذا الاستدراك: استدراك تكميلي، وهذه الزيادة هي قوله: (من حيث هو جزء)؛ حيث رأى إضافتها للاحتراز من دلالة اللفظ بالمطابقة على معنى، وبالتضمن على غيره؛ كقولنا في حرف (اللام): حرف لأحد حروف المعنى؛ نحو: ليت، ولعل، فقولنا هذا يدل على اللام بالتضمن؛ حيث إن (اللام) هو الحرف الأول من حروف (ليت) و(لعل)، وقولنا: حرف (اللام) وحدها بمعنى حروف هجاء يدل على اللام بالمطابقة.
• المثال الثاني:
قال القرافي في تنقيح الفصول (١) في تعريف الحكم الشرعي: "الحكم الشرعي هو: خطاب الله تعالى القديم المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير. فالقديم احتراز من نصوص أدلة الأحكام؛ فإنها خطاب الله تعالى وليست حكمًا؛ وإلا اتحد الدليل والمدلول ".
وقال في شرحه (٢): "إني اتبعت في هذا الحد الإمام فخر الدين (٣) - ﵀ - مع أني غيرت بالزيادة في قولي: (القديم)، ومع ذلك فلفظ الخطاب والمخاطبة إنما يكون لغة بين اثنين، وحكم الله تعالى قديم فلا يصح فيه الخطاب، وإنما يكون ذلك في الحادث، والصحيح أن يقال: كلام الله القديم، فـ (الكلام) لفظ مشترك بين القديم واللساني الحادث كما تقدم فيه حكاية ثلاثة أقوال. وقولي: (القديم) ليخرج الحادث من الألفاظ التي هي أدلة الحكم؛ فإنها كلام الله تعالى وهو متعلق بأفعال المكلفين؛ نحو قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) [البقرة: ٤٣]، فلو كانت حكمًا لاتحد الدليل والمدلول".
_________________
(١) (ص: ٦٧)
(٢) (ص: ٦٧ - ٦٨)؛ ويُنظر كذلك نفائس الأصول (١/ ٢١٨ - ٢١٩).
(٣) يُنظر: المحصول (١/ ٨٩).
[ ٢٩٩ ]
• بيان الاستدراك:
استدرك القرافي على الفخر الرازي في حده للحكم الشرعي، ونوع هذا الاستدراك: استدراك تكميلي كمي بزيادة قيد في الحد، وهذه الزيادة هي قوله: (القديم)؛ حيث رأى إضافتها للاحتراز من كلام الله تعالى (١) الحادث؛ وهو القرآن الكريم الذي هو مقتضٍ للأحكام الشرعية؛ من الوجوب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، فقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، ليس حكمًا شرعيًا؛ بل دليل على الحكم الشرعي القديم - الذي هو المعنى القائم بذات الله تعالى-، وكذلك يقال في جميع آيات القرآن؛ لأنها صفات المخلوقات، تكلم بها جبريل - ﵇ -، ثم النبي - ﷺ -، ثم حملة القرآن، فهي حادثة (٢)؛ لأن كلام الحادث حادث. فكلام الله تعالى يقال على شيئين: الأول: قديم وهو المدلول، والثاني: حادث وهو الدال.