غير المرتب نفعه ناقص، وهذا النقص من جهة الكيف، ويكتمل نفعه بالترتيب،
وترتيب الموضوعات الأصولية لم يكن اعتباطًا؛ بل كان بناء على تصور العلم؛ إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، "فالتصور العام مهم لكل عمل علمي" (١)، ولا بد من ترتيب منطقي للموضوعات، فيقدم ما حقه التقديم، ويؤخر ما حقه التأخير، وفي ذلك يقول الطوفي: "وهي طريقة الحكماء الأوائل وغيرهم، لا تكاد تجد لهم كتابًا في الطب أو فلسفة إلا وقد ضُبِطَتْ مقالاتُه وأبوابُه في أوله؛ بحيث يقف الناظر الذكي من مقدمة الكتاب على ما في أثنائه من تفاصيله" (٢).
وقد مر معنا أن من أنواع النقد: نقد المنهج بعدم الترتيب، وأمثلة هذا النوع (٣)، فنجد الشراح والمختصرين ينتقدون ترتيب بعض الموضوعات، وربما تصرفوا فغيروا في الترتيب؛ كما فعل ابن قدامة في تغيير ترتيب الروضة التي تعتبر مختصرًا للمستصفى كما ذكر الطوفي (٤).
وكما فعل ابن رشيق عند اختصاره للمستصفى من تقديم وتأخير في ترتيب المسائل (٥).
وذكر أبو الحسين البصري في سبب تأليفه للمعتمد: "ثم الذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب في أصول الفقه بعد شرحي كتاب العمد (٦) واستقصاء القول فيه
_________________
(١) يُنظر: الفكر الأصولي (ص: ٣٢٩).
(٢) يُنظر: شرح الروضة (١/ ٩٨).
(٣) يُنظر: (ص: ٢٢٧ - ٢٢٨).
(٤) يُنظر: المرجع السابق.
(٥) لباب المحصول (١/ ١٢٤ - ١٢٥).
(٦) العمد في أصول الفقه، للقاضي عبدالجبار بن أحمد الهمذاني.
[ ٣٠٤ ]
أني سلكت في الشرح مسلك الكتاب في ترتيب أبوابه، وتكرار كثير من مسائله، وشرح أبواب لا تليق بأصول الفقه من دقيق الكلام، فطال الكتاب بذلك، وبذكر ألفاظ العمد على وجهها، وتأويل كثير منها.
فأحببتُ أن أؤلف كتابًا مرتبة أبوابه غير مكررة، وأعدل فيه عن ذكر ما لا يليق بأصول الفقه من دقيق الكلام؛ إذ كان ذلك من علم آخر لا يجوز خلطه بهذا العلم وإن يعلق به من وجه بعيد " (١).
فكان ترتيب الأبواب من الدوافع التي دفعت أبا الحسن لتأليف المعتمد
استدراكًا على ما حصل من عدم الترتيب في شرحه للعمد؛ لأنه في الشرح مقيد بالعمد.